كشف الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عن تسرب كميات معتبرة من مخزون سد النهضة الإثيوبي، في وقت وصلت فيه بحيرة السد إلى نحو 64 مليار متر مكعب وفق صور الأقمار الصناعية وتحليلاته الأخيرة، محذرًا من أن هذه الفواقد المائية والجيولوجية لا تمثل خسارة لإثيوبيا وحدها، بل تعيد طرح أسئلة أوسع حول أمان السد ومستقبل التدفقات المائية إلى مصر والسودان في ظل استمرار غياب بيانات إثيوبية تفصيلية عن التشغيل والأمان.
مليارات الأمتار المكعبة المتسربة من بحيرة السد
يقول شراقي إن الدراسات التي استند إليها تشير إلى تسرب نحو 6.5 مليار متر مكعب من بحيرة سد النهضة عبر الفوالق والتشققات الأرضية المحيطة بالخزان، بما يعكس تأثير تركيبة الصخور الهشة في منطقة الأخدود الإفريقي الشرقي، ويضيف أن جزءًا من المياه يتسرب أيضًا عبر الممرات الجانبية المحيطة بمدخل البحيرة بعد وصول المنسوب إلى السعة الحالية القصوى عند حوالي 64 مليار متر مكعب، ما يعني أن السد بات يعمل عند حدود تصميمية حساسة لا تسمح بهوامش أمان كبيرة أمام أي تغيرات مفاجئة في التصريف أو الأمطار.
ويرى الدكتور محمد حافظ، أستاذ هندسة السدود وجيوتكنيك السواحل الطينية بالجامعة التكنولوجية في ماليزيا، أن ملف التسرب ليس تفصيلًا ثانويًا، مستشهدًا بما رصده من «تسريب كبير جدًا» في سد السرج الركامي المكمل لسد النهضة، موضحًا أن وجود نفق تصريف داخلي (drainage gallery) يمتد تقريبًا مع طول سد السرج بنحو 5000 متر يعني أن أي زيادة في الضغوط المائية أو تشبع للتربة قد يترجم إلى فواقد إضافية عبر جسم السد نفسه، وليس قاع البحيرة فقط، وهو ما يتطلب بيانات مراقبة دورية غير متاحة حتى الآن للرأي العام أو للجان فنية مشتركة.
ويشير حافظ إلى أن تقدير فواقد الملء الرابع وحده بنحو 3 مليارات متر مكعب نتيجة تشبع تربة بحيرة سد السرج ينسجم مع ما يتحدث عنه شراقي من فواقد تراكمية أكبر على مدى سنوات الملء، معتبرًا أن التسرب المستمر يخلق مع الوقت نظام توازن مائي جديد تحت سطح الأرض، يصعب قياسه دون دراسات هيدروجيولوجية مفصلة، ويجعل جزءًا من إيراد النيل الأزرق يختفي داخل التكوينات الجيولوجية بدلًا من أن يصل إلى دول المصب أو يستفيد منه مشروع توليد الكهرباء الإثيوبي بصورة كاملة.
نشاط زلزالي متصاعد يثير أسئلة عن أمان السد
على المستوى الجيولوجي، يربط شراقي بين اكتمال التخزين في أغسطس 2024 عند نحو 64 مليار متر مكعب وبين قفزة في عدد الزلازل المسجلة في إثيوبيا، موضحًا أن الإحصاءات التي استند إليها تشير إلى زيادة عدد الزلازل من متوسط حوالي 5 إلى 6 زلازل سنويًا قبل 2020 إلى نحو 286 زلزالًا في 2025، بقوى تتراوح بين 4 و6 درجات على مقياس ريختر، مع تفسير هذه الزيادة بتسرب المياه شرقًا نحو الأخدود الإثيوبي عبر مسارات جيولوجية مرتبطة بأخدود النيل الأزرق، ما يعني أن وزن البحيرة غيّر توزيع الضغوط في القشرة الأرضية المحيطة.
ويدعم شراقي هذا التحليل بتقدير وزن المياه المخزنة عند نحو 64 مليار طن، يضاف إليها وزن السدين الرئيسي والمكمل الذي يقترب من 150 مليون طن، معتبرًا أن هذا الحمل الهائل على قشرة أرضية وصفها مرارًا بالهشة جيولوجيًا يفتح الباب أمام نشوء «نظام زلزالي جديد» في محيط السد خلال سنوات مقبلة، خاصة مع وقوع المنطقة ضمن حزام الأخدود الإفريقي المعروف بالنشاط الزلزالي المتكرر، لكنه في الوقت نفسه يشدد على أن الربط النهائي بين التخزين والزلزال يحتاج إلى دراسات ميدانية أعمق تشمل القياسات الجيوفيزيقية وتحليل النظائر المستقرة للمياه.
من جانبه، يحذر محمد حافظ من أن أي زيادة في النشاط الزلزالي، حتى لو بقيت معظم الهزات في نطاق «الضعيفة إلى المتوسطة»، قد تتفاعل مع التسرب المرصود في سد السرج الركامي، موضحًا أن الاهتزازات المتكررة يمكن أن تساهم في إعادة ترتيب المواد الترابية داخل جسم السد، وتزيد من ظاهرة الهبوط مع امتلاء الخزان، وهو ما يختلف عن «الهبوط الجاف» المعتاد في السدود الركامية، ويستلزم – في رأيه – بروتوكولات صارمة لمراقبة التشققات والضغوط داخل النواة الترابية، لا تتوفر عنها أي تقارير معلنة حتى الآن، ما يجعل تقييم المخاطر يتم في أغلبه من خارج الموقع وبالاستعانة بالصور الفضائية.
في هذا السياق، يشير شراقي إلى أن الهدف من طرح ملف الزلازل ليس التعويل على سيناريو انهيار مفاجئ للسد، بل التنبيه إلى أن استمرار الملء عند مستويات قريبة من 64 مليار متر مكعب، مع احتمال رفع السعة مستقبلًا إلى 74 مليار متر مكعب، يتطلب مقاربة أكثر حذرًا في إدارة المنسوب، بما في ذلك دراسة خفض التخزين التشغيلي إلى حدود 40 مليار متر مكعب، وفق ما اقترحه في تصريحات سابقة، لتقليل الأثر الزلزالي المحتمل وتخفيف الضغوط على الفوالق والتشققات النشطة في المنطقة.
تسرب المياه وحصص دول المصب في سياق نزاع ممتد
على مستوى الموارد المائية، يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن أي كميات من المياه تتسرب من بحيرة سد النهضة إلى باطن الأرض أو الأخدود الإفريقي تمثل عمليًا خصمًا مزدوجًا؛ فهي لا تصل إلى دولتي المصب مصر والسودان، وفي الوقت نفسه لا تعود للتدفق على هيئة تصريف منظم يخدم توليد الكهرباء أو إدارة الفيضانات، مؤكدًا أن السنوات الماضية شهدت حجز عشرات المليارات من الأمتار المكعبة خلف السد، استفادت مصر من توافقها مع فيضانات مرتفعة، لكن استمرار التخزين عند مستويات عالية في سنوات جفاف سيجعل أي فاقد إضافي أكثر إيلامًا لدول المصب.
ويضيف نور الدين أن الخلاف الجوهري مع إثيوبيا لم يعد مقتصرًا على حجم التخزين – الذي يمكن أن يصل تصميميًا إلى نحو 74 مليار متر مكعب – بل يمتد إلى رفض أديس أبابا توقيع اتفاق ملزم يضمن حدًا أدنى من التصريف السنوي إلى مصر والسودان، موضحًا أن تسرب 6.5 مليار متر مكعب، إذا تأكدت تقديراته، ينبغي أن يدخل ضمن الحسابات الفنية لأي اتفاق، لأن هذه الكميات بالنسبة لمصر تعادل حصة عام كامل من مياه بعض المشروعات الكبرى على الترع الرئيسية، ولا يمكن اعتبارها مجرد هامش خطأ طبيعي في مشروع بهذا الحجم.
في المقابل، يؤكد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري وأستاذ هندسة الموارد المائية، أن المياه التي خزنها سد النهضة خلال سنوات الملء «تم خصمها مباشرة من نصيب كل من مصر والسودان»، وأن هذا الخصم فرض على الدولة اتباع سياسات مائية تقشفية واستخدام احتياطي بحيرة ناصر بحذر شديد، مشددًا في تصريحات متعددة على أن أمان السد الإثيوبي ما يزال «صندوقًا أسود» بسبب غياب الشفافية في بيانات التشغيل والتصرف، وعلى أن أي خلل جسيم فيه قد يؤدي إلى تبعات كارثية على دول المصب، سواء نتج عن خطأ بشري أو عن تفاعل بين التخزين الكبير والنشاط الزلزالي في المنطقة.
ويرى سويلم أن إدارة مصر للأزمة حتى الآن جنّبت المواطنين آثارًا مباشرة أوسع، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إطار قانوني وفني ملزم يضبط الملء والتشغيل في فترات الجفاف الممتد، ويضع قواعد للتعامل مع الطوارئ، بما في ذلك سيناريوهات التسرب المتزايد أو الزلازل القوية، في حين يشدد شراقي وحافظ ونور الدين على أن استمرار غياب هذا الإطار يجعل مراقبة الفواقد المائية والجيولوجية تتم عبر مبادرات بحثية فردية، وليست ضمن آلية دولية رسمية، وهو ما يترك ملف سد النهضة مفتوحًا على مخاطر إضافية، تبدأ من ضياع مليارات الأمتار المكعبة في الشقوق والتكوينات الجيولوجية، ولا تنتهي عند احتمال تشكل نظام زلزالي نشط حول السد في قلب نزاع إقليمي لم يُحسم بعد.

