تجددت مطالب نقابة أطباء الأسنان بإضافة عشرات الآلاف من كراسي الأسنان في الوحدات الصحية والمستشفيات الحكومية، بعد شكاوى من مرضى ينتظرون بالساعات دون علاج، إما لغياب طبيب الأسنان أصلًا أو لعدم توافر كرسي يعمل يمكن استخدامه، بينما ترى قيادات نقابية أن سد عجز الكراسي يمكن أن يحل في الوقت نفسه أزمة تكليف الخريجين المتفاقمة منذ أعوام.
مرضى ينتظرون بالساعات وكراسي معطلة أو غائبة
في وحدات رعاية أساسية كثيرة، يضطر مرضى الأسنان للانتظار لساعات طويلة على قوائم غير معلنة؛ إذ تؤكد شكاوى مواطنين من القاهرة الكبرى أن بعض الوحدات لا يوجد بها طبيب أسنان من الأساس، بينما في وحدات أخرى يتوافر الطبيب ولا يتوافر كرسي صالح للعمل، ما يدفع المرضى إما للانصراف دون علاج أو للجوء إلى العيادات الخاصة بتكاليف لا تناسب دخولهم، خاصة مع ارتفاع أسعار الخدمات الطبية خلال العامين الأخيرين.
هذه الصورة الميدانية تتقاطع مع أرقام رسمية للنقابة؛ إذ يشير الدكتور حسين عبد الهادي، الأمين العام لنقابة أطباء الأسنان، إلى أن إجمالي عدد الكراسي المتاحة حاليًا لا يتجاوز نحو 6.000 كرسي على مستوى الجمهورية، بينها نسبة ملحوظة معطلة خارج الخدمة، بينما يتجاوز عدد السكان 125 مليون نسمة، ما يعني أن القدرة الاستيعابية الفعلية أقل بكثير من حجم الاحتياج في أقسام ووحدات الأسنان الحكومية.
ويستند عبد الهادي إلى معيار عالمي يقضي بوجود كرسي أسنان واحد لكل 2.000 مواطن؛ وبناء على هذا المعيار تحتاج مصر إلى نحو 62.500 كرسي، في حين أن المتاح حاليًا يخلق فجوة تقدرها النقابة بحوالي 56.500 كرسي، وهو ما يفسر – من وجهة نظره – تكدس المرضى في بعض الوحدات، مقابل غياب الخدمة كاملة في وحدات أخرى، وعدم قدرة النظام الصحي الحكومي على تقديم تغطية مقبولة لعلاج الأسنان، خاصة في المحافظات والقرى البعيدة عن المراكز الكبرى.
عجز الكراسي جوهر أزمة التكليف في نظر النقابة
المقترح النقابي الأخير لا يقتصر على تشخيص العجز، بل يربط بين نقص كراسي الأسنان وبين ملف تكليف خريجي الكليات، الذي شهد توترات متكررة بعد قرارات وزارة الصحة بقصر التكليف على الاحتياج الفعلي، وهو ما أدى إلى استبعاد نسبة كبيرة من خريجي دفعات 2023 و2024 من التعيين في القطاع الحكومي، رغم توسع عدد كليات طب الأسنان وزيادة الطاقة الاستيعابية للقبول على مدى السنوات الماضية.
وفق ما طرحه عبد الهادي في أكثر من مناسبة، ترى النقابة أن جوهر أزمة التكليف ليس فائضًا في عدد الأطباء بقدر ما هو نقص حاد في البنية التحتية التي يمكن أن يعملوا من خلالها، إذ يصل الأمر – بحسب تقديراته – إلى عمل ما بين 20 و30 طبيبًا على كرسي واحد في بعض الوحدات، ما يعني أن توسع الدولة في إنشاء وتجهيز وحدات أسنان جديدة سيخلق فورًا آلاف الفرص لاستيعاب شباب الأطباء في تكليف حقيقي يرتبط بتقديم خدمة فعلية، بدلًا من الاكتفاء بنسب احتياج محدودة لا تعكس الواقع على الأرض.
الربط بين البنية التحتية والتكليف يلقى صدى داخل مجلس النقابة أيضًا؛ فالدكتور محمد علاء، عضو مجلس النقابة العامة، أوضح مؤخرًا أن نسبة الاحتياج في حركة تكليف دفعة 2023 تدور حول 40% فقط من إجمالي الخريجين، ما يعني أن 60% تقريبًا بلا فرصة عمل حكومية، في وقت تشير فيه الأرقام نفسها إلى عجز كبير في عدد الكراسي داخل الوحدات، وهو ما يراه مراقبون تناقضًا واضحًا بين خطاب “عدم الاحتياج” وواقع نقص الخدمة أمام المرضى.
من زاوية قانونية ومهنية، يعتبر الدكتور خالد عبد الباسط، عضو مجلس النقابة العامة، أن استمرار غموض مسار التكليف يضاعف القلق بين الخريجين، ويؤكد أن النقابة تضع هذا الملف في مقدمة أولوياتها، لكنها تصطدم بغياب رؤية حكومية واضحة حول كيفية توسيع الطاقة الاستيعابية للوحدات، رغم أن تحسين البنية التحتية – من كراسي وأجهزة – يمكن أن يحول ملف التكليف من عبء إداري إلى أداة لتقوية الخدمة العامة في طب الأسنان، إذا تم تبني المقترح الذي تقدمت به النقابة رسميًا لوزارة الصحة.
خطة قومية للكراسي بين العائد الاقتصادي ومسؤولية الدولة
المقترح الذي قدمه عبد الهادي لوزارة الصحة يقوم على خطة قومية لزيادة عدد الكراسي على مراحل، تبدأ بإضافة 5.000 كرسي جديد خلال عام 2025 بتكلفة تقديرية تبلغ مليار جنيه، بواقع 200.000 جنيه للكرسي الواحد، مع الاعتماد على مزيج من التمويل الحكومي والمساهمات المجتمعية، وتقديرات النقابة تشير إلى أن الكرسي الواحد يمكن أن يحقق دخلًا يوميًا يبلغ نحو 700 جنيه بأسعار وزارة الصحة، أي ما يزيد على 255 ألف جنيه سنويًا، بما يسمح – نظريًا – باسترداد التكلفة وتحقيق فائض مالي إذا أُديرت الخدمة بكفاءة.
وبحسب الحسابات المنشورة في المقترح، فإن الوصول إلى 11.000 كرسي في المرحلة الأولى، تشمل الكراسي القائمة والجديدة، قد يرفع الإيراد السنوي المتوقع إلى حوالي 2.9 مليار جنيه، بينما يقدّر إجمالي الإيرادات السنوية عند استكمال المشروع والوصول إلى 62.500 كرسي بنحو 15.9 مليار جنيه، وهي أرقام تستخدمها النقابة للقول إن الاستثمار في وحدات الأسنان ليس عبئًا على الموازنة فقط، بل يمكن أن يكون مصدرًا مستدامًا لتمويل نفسه وتوسيع الخدمة، بشرط أن تلتزم الدولة بوضع هذه الإيرادات في مسار تطوير القطاع لا في سد عجز بنود أخرى.
في المقابل، يؤكد الدكتور إيهاب هيكل، نقيب أطباء الأسنان، في تصريحات سابقة أن وزارة الصحة تتحرك في ملف تكليف أطباء الأسنان “حسب الاحتياج الفعلي”، نافيًا صدور قرار رسمي بإلغاء التكليف لدفعات بعينها، وهو ما يراه خبراء النقابة غير كافٍ ما لم يتوازَ مع خطة واضحة لرفع هذا الاحتياج عبر زيادة عدد الكراسي والوحدات، لأن استمرار ضآلة الطاقة الاستيعابية يعني بقاء نسبة كبيرة من الخريجين خارج الخدمة العامة، حتى مع بقاء التكليف نظريًا قائمًا.
ويرى مراقبون من داخل النقابة أن النقاش الدائر حول “فصل الأطباء المنقطعين” أو إعادة توزيعهم لن يحل أصل المشكلة، إذا استمرت الوحدات الصحية في العمل بعدد محدود من الكراسي المعطلة أو المتهالكة، مؤكدين أن ربط أزمة التكليف بأزمة البنية التحتية هو الطريق الوحيد لعدم تحويل الخريجين إلى بطالة مقنّعة، ولعدم ترك المرضى في طوابير انتظار تمتد لساعات أمام عيادات حكومية بلا تجهيزات كافية، بينما يظل الحل المقترح بإضافة نحو 56.5 ألف كرسي اختبارًا عمليًا لمدى استعداد الدولة لتحويل وعود الإصلاح الصحي إلى أفعال ملموسة في وحدات ومستشفيات الأسنان الحكومية.

