في نهاية يناير- الماضي، تقدم النائب المستقل أحمد فرغلي بطلب إحاطة عاجل موجّه إلى وزير التموين شريف فاروق عن فارق تسعير القمح المستورد بين ما يبيعه جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» للهيئة العامة للسلع التموينية وبين الأسعار العالمية. الطلب أشار إلى زيادة تقارب 30 دولارًا لكل طن، مع أرقام تداولت 270 دولارًا مقابل متوسط عالمي 240 دولارًا للطن، ومع استيراد حكومي سنوي يقارب 5 مليون طن بما يفتح بابًا لفارق يصل إلى 150 مليون دولار.
بعدها مباشرة، لم تتجه الحكومة إلى كشف تفاصيل التسعير للرأي العام، ولا إلى شرح آلية الشراء بما يبدد الشكوك. بدل ذلك، انفجرت على منصة «إكس» حملة إشادة منسقة لدعم الجهاز والرد على الانتقادات، وفق تحليل «صحيح مصر». الحملة لم تُجادل الأرقام بقدر ما حاولت خنق السؤال نفسه، وتحويل مساءلة القمح إلى معركة ولاء.
تسعير القمح: سؤال برلماني وارتباك رسمي
طلب الإحاطة لم يتوقف عند القمح فقط. تضمن أيضًا مقارنة بزيوت الطعام: متوسط عالمي 1100 دولار للطن مقابل 1250 دولارًا في الشراء، مع كميات تقارب 780 ألف طن سنويًا، ومع دعم تمويني مُقدر بنحو 160 مليار جنيه وتأثير يُقال إنه يتجاوز 13% على قيمة الدعم الفعلية. هذه أرقام ثقيلة سياسيًا، لأنها تربط أي فارق تسعير مباشرًا بمال عام وبفاتورة خبز ودعم، في وقت تقول تقارير أخرى إن الأسعار العالمية تتجه للهبوط.
وبحسب ما كان «صحيح مصر» قد أشار إليه في تقرير سابق، نقل مسؤولية استيراد القمح من هيئة السلع التموينية إلى جهاز «مستقبل مصر» جاء بتوجيهات رئاسية في نوفمبر- 2024، مع إلغاء المناقصات التنافسية والاتجاه إلى التعاقد بالأمر المباشر أو عبر وسطاء. هذا التحول، في حد ذاته، ليس “تفصيلة إدارية”. هو تغيير لقواعد الشراء العام. وهو ما يفسر لماذا تحولت أسئلة برلمانية إلى أزمة خطابية.
الحملة الرقمية: ذروة خلال ساعة ثم هبوط حاد
وفق تحليل «صحيح مصر»، بدأت حملة إلكترونية في 6 فبراير- على «إكس» للإشادة بجهاز «مستقبل مصر» والرد على منتقديه، تحت هاشتاج #مستقبل_مصر_سلة_غذاء_مصر ثم انتشرت أكثر تحت #مستقبل_مصر_خير_مصر. التحليل وصف “ضخًا مفاجئًا” بخطابات متشابهة خلال ساعة واحدة من يوم 6 فبراير- كانت هي الذروة، قبل أن ينهار المعدل في الساعات والأيام التالية، في نمط يُشبه الحملات المنسقة.
الرصد، بحسب النص، غطّى الفترة بين 6 و9 فبراير-. وفي هذه الفترة رُصدت لعبة لغوية مقصودة: هاشتاج «سلة» بالتاء المربوطة، ثم «سله» بالهاء، ثم انتقال سريع إلى #مستقبل_مصر_خير_مصر الأكثر انتشارًا. هذه التفاصيل ليست “أخطاء مطبعية”. هي جزء من إدارة حملة تريد انتشارًا سريعًا وتشتتًا يكفي لتفادي الرصد التقليدي، مع الاحتفاظ برسالة واحدة: إسكات النقد عبر ضجيج مديح.
أرقام الرصد تزيد الصورة وضوحًا: 1400 تفاعل (ENGAGEMENT) مع وصول محتمل لأكثر من 18.5 مليون حساب، ثم قفزة نشر: نحو 410 منشور بين الساعة 10 و11 مساءً يوم 6 فبراير- بعد غياب شبه كامل قبلها، ثم تراجع إلى 110 منشور مع بداية اليوم التالي، ثم تذبذب بين 10 و30 منشور في الأيام التالية. هذه منحنيات لا تشبه نقاشًا طبيعيًا. تشبه “دفعة تشغيل” ثم إطفاء.
حسابات مموهة: أسماء مستعارة وIP سعودي وتغيير هوية في 2023
التحليل قال إن أول ظهور لهاشتاج #مستقبل_مصر_سلة_غذاء_مصر كان عبر حساب باسم “سلمى القرني” وبالهاندل @salmalkrni. الحساب أُنشئ في أغسطس 2011، لديه 26 متابعًا و371 تغريدة فقط. ووفق Talkwalker، ظهر أنه ينشر من مصر، لكن بيانات IP أشارت إلى السعودية. كما غيّر اسمه في أكتوبر 2023، وهو تاريخ أقدم منشوراته، مع نمط محتوى متنوع عن اليوم الوطني القطري وحفلات الرياض وبرامج فنية، بما يطابق حسابات تسويق لا حسابات مواطنين.
ثم ظهر حساب حديث التأسيس تقريبًا لإطلاق نسخة “الهاء”: amr @amr2057181. أُنشئ في 3 فبراير 2026، ونشر سبابًا ضد الإخوان ودعوات “حفظ مصر”، مع أكثر من ألف منشور خلال أيام قليلة، ومع 86 متابعًا يغلب عليهم علم مصر والشعارات. التحليل اعتبره حساب تعبئة وتضخيم. مهمته إعادة نشر المحتوى. لا تقديم رأي. وهو نمط شائع في غرف إدارة الوسوم.
أما مُطلق #مستقبل_مصر_خير_مصر الأكثر انتشارًا فكان الحساب @leh77221455، أُنشئ عام 2010، يعمل من داخل مصر، وغيّر اسم المستخدم في أكتوبر 2023 أيضًا، وله 24 متابعًا فقط، مع محتوى دوري عن هاشتاجات متنوعة جغرافيًا. الحساب كتب: “البلد اللي تعتمد على نفسها في أكلها بلد أقوى…” ثم كرر تحت #مستقبل_مصر_سلة_غذاء_مصر: “الهجوم… مش جاي من الفلاح… جاي من اللي اتعود يكسب من الفوضى”. الرسالة هنا ليست دفاعًا تقنيًا عن التسعير. هي تخوين ضمني للمنتقد.
هويات مزيفة، تزامن دقيق، وشبكة Gephi بالأرقام
مراجعة أول 10 حسابات أطلقت #مستقبل_مصر_سله_غذاء، وفق التحليل، أظهرت نشرًا في التوقيت نفسه تمامًا: 10:37 مساءً يوم 6 فبراير-. ثم في 10:53 مساءً انطلق عشرات الحسابات تحت #مستقبل_مصر_خير_مصر. الحسابات في معظمها قديمة (2009–2013)، لكنها بدّلت أسماءها في يوليو أو أكتوبر 2023، وتعمل “من داخل مصر” وفق إعدادات «إكس»، بينما صورها وأسماؤها توحي بهويات خليجية أو شامية. هذا التناقض ليس بريئًا. هو شكل من أشكال تمويه المصدر.
الخطاب في الحملة كان متشابهًا لا متطابقًا لتفادي الرصد، مع اتهام المنتقدين بأنهم مستوردون متضررون أو معارضون أو “إخوان”. أمثلة جاءت على لسان حسابات مثل “رعد بحر” و“حسن آدم” حول أن الهجوم سببه تقليل الاستيراد وتقليل “عمولات وتحكمات”. بل إن نصًا بعينه تكرر بين 4 حسابات على الأقل: “جهاز مستقبل مصر لما نظم الشراء الحكومي…”، وهو ما يقوّض ادعاء “عفوية” التفاعل.
جغرافيًا، قال التحليل إن السعودية تصدرت التفاعل بنسبة 65.5%، ثم الولايات المتحدة 18.8%، ثم مصر 4.5%، ثم الإمارات 2.1%. هذا لا يطابق طبيعة وسم عن ملف تمويني محلي. ويصب في فرضية التضخيم غير العضوي. ثم جاء فصل “الأذكى”: لا منشن، لا ردود، لا ريتويت متبادل. منشوران فقط لمعظم الحسابات. لكن الحركة كانت متزامنة.
ولهذا اتجه التحليل إلى Gephi ومعيار “السلوك المشترك” بدل الروابط المباشرة. النتيجة على عينة من 47 حسابًا: 1654 رابطًا (Edge) بين الحسابات (Nodes)، وارتباط كل حساب بنحو 90% من البقية في تزامن النشر. وفي قلب الشبكة، وُصفت حسابات مثل AdhamNeemah وzeinabHesiin بأنها “ساعة ضبط”، لكل منها 20 رابطًا مباشرًا، ثم حسابات أخرى مثل “وائل عبيد” و“ديما سامي” و“فادي قسيس” بروابط بين 15 و18.
كل ذلك يعيد القصة إلى أصلها: الحكومة تُحاصر سؤال القمح بضجيج منظم، بينما تُترك أرقام مثل 30 دولارًا للطن، و270 مقابل 240، و5 مليون طن، و160 مليار جنيه، و13%، بلا كشف مُقنع لآلية التسعير والشراء. وفي دولة تُدار فيها السلع الاستراتيجية بمنطق “الجهة السيادية”، يصبح الاعتراض خطرًا، ويصبح التضخيم الرقمي وسيلة لإغلاق النقاش بدل فتح الدفاتر.

