اشتعلت منصات التواصل في فبراير- 2026 بعد تداول خبر عن القبض على مواطن عقب نشره تعليقا قال فيه إن أشقاءه تعرضوا للضرب وإن الشرطة تقاعست عن اتخاذ الإجراءات في قسم/مركز شرطة الستاموني بالدقهلية، بينما صدر نفي رسمي لما وُصف بأنه «مزاعم تقاعس». الغضب لم يكن على تفاصيل الاعتداء وحدها، بل على الرسالة: الكلام نفسه قد يصبح سببا للملاحقة.

 

منشور تحت الملاحقة

 

الداخلية، وفق ما نُشر في تغطيات نقلت بيانها، تحدثت عن تعليق متداول تضمن شكوى من اعتداء بالضرب على أشقاء القائم بالنشر، مع اتهام للأجهزة الأمنية بالتقاعس عن الإجراءات القانونية. وقالت إن الفحص أظهر أن بلاغا قُدم بتاريخ 26 نوفمبر- 2025 لمركز شرطة الستاموني من القائم على النشر نفسه، وإنه اشتكى 3 عمال مقيمين بذات العنوان بسبب الاعتداء على أشقائه.

 

وبحسب النص المنشور، قالت الداخلية إن المشكو في حقهم ضُبطوا “في حينه” وإن الإجراءات القانونية اتُّخذت، ثم أكدت أن ادعاءات التقاعس “غير صحيحة”، مع الإشارة إلى استكمال/اتخاذ إجراءات قانونية. هذا البناء، كما قرأه منتقدون، لا يهدّئ الشارع الافتراضي، لأنه يضع منشور الشكوى في قلب مسار أمني، لا في هامش نقاش عام عن حق المواطن في انتقاد أداء جهة تنفيذية.

 

الزاوية التي أشعلت النقاش ليست تقنية. هي سياسية وحقوقية بامتياز. حين تُدار واقعة خلاف أو اعتداء كخبر عادي، يختلف أثرها عن واقعة يُربط فيها النشر بالقبض. هنا تظهر فكرة القمع الأمني في أبسط صورها: تضييق مساحة الحديث، وتوسيع دائرة الردع، وتقديم “الصمت” كخيار أكثر أمانا من الشكوى العلنية.

 

غضب وتعليقات بلا مواربة

 

في أول موجة تفاعل، كتب مودي بلهجة احتجاجية مباشرة تلخص “الانقلاب” الذي رآه في القصة: “يعنى يعتدوا على اهله ولما يشتكى يطلع هو الغلطان كمان !”. الجملة تُحمّل الواقعة معنى واحدا: تحويل صاحب الشكوى إلى متهم، لا التعامل معه كطرف يطلب إنصافا.

 

 

فرانكو ذهب إلى أبعد من الواقعة ذاتها، رابطا الخبر بإحساس يومي بالتجاوزات، وكتب: “أصبحنا نقرأ كل يوم عن هذه التجاوزات”. التعليق لا يقدم مستندا، لكنه يعكس مناخا يرى أن تكرار الأخبار المشابهة يصنع يقينا اجتماعيا، حتى قبل اكتمال أي سرد قضائي.

 

 

بدور اعتمدت على منطق “التكلفة” لا منطق “الدليل”، وقالت: “المواطن صادق طبعا لأن مش من المنطق ان يعادى الداخلية”. هنا يظهر أثر القمع نفسه: فكرة أن مجرد الخصومة مع جهاز أمني مخاطرة، فتتحول المخاطرة إلى قرينة صدق في وعي الجمهور.

 

 

نوها اختصرت موقفها إلى حد القسوة: “عادتهم ولا حيشتروها”. هي لا تناقش بندا قانونيا ولا توقيتا. هي تصف علاقة ثابتة بين المواطن والبيان الرسمي: نفي سريع، وقناعة مسبقة بأن النفي لا يغير شيئا في الواقع الذي يراه الناس.

 

 

مو كريم كتب بسخرية تحمل خوفا لا ضحكا: “هو كمان بيشتكي وبيعلق ده لازم يتجاب هههههههههههه مصر دي تعبانة اوى اوى”. التعليق يقرأ القبض كمسار متوقع، ويحوّل حرية التعبير إلى “فخ” يومي، حيث التعليق العابر قد يستدعي استدعاءً أو ملاحقة.

 

 

صلاح الدين اتخذ خطا هجوميا ضد الشاكي نفسه، وكتب: “تستاهل ازاي تشتكي الشرطة إنهم تقاعصوا عن شغلهم كنت اتضربت وانت ساكت عاجبك كدة اديك شرفت”. النص يقدّم ما يشبه “التأديب الاجتماعي”: لوم من تكلم، وتطبيع فكرة أن الاعتراض على أداء الشرطة عقوبته جاهزة.

 

 

أيوب كتب تعليقا طويلا بالغ العدوانية اللفظية، وادعى أن خصوم الشاكي لديهم “واسطة كبيرة”، واتهم منظومة الضبط والتحقيق بالتلاعب والانتقائية، وتحدث عن رفض بلاغات وتحريك قضايا حسب المال أو العلاقات. هذا النوع من الكلام لا يثبت واقعة، لكنه يكشف حجم الاحتقان عندما يغيب الشعور بإمكانية الشكوى الآمنة.

 

 

إنجي قدّمت سخرية سياسية مركبة: “الحاكم دايما صادق والرعية كاذبون... المواطن ارهابي عدواني مشاكس... مش عاجبك هتدخل جوا الحيط وهنجيبك برضو”. الرسالة هنا ليست عن “محضر” أو “ضبط”. الرسالة عن الخوف من دولة تلاحق الصوت، لا الفعل فقط.

 

 

محمود ختم بنبرة اتهامية سياسية: “منهج بلحة مفيش مجرم هيتحاسب اللى هيتحاسب المجنى عليه”. التعليق يستخدم شحنة غضب، لكنه يركز على فكرة واحدة تداولها آخرون بصيغ مختلفة: أن مسار العقاب قد يلتقط الشاكي، بينما يبقى أصل الاعتداء خارج دائرة الاهتمام العام.

 

 

القمع الأمني كرسالة ضمنية

 

حتى مع وجود رواية رسمية تقول إن البلاغ قُدم في 26 نوفمبر- 2025 وإن ضبط المشكو في حقهم تم واتخاذ الإجراءات، يبقى الجزء الأكثر حساسية هو انتقال “القول” إلى دائرة العقاب. في نظر منتقدين، هذه ليست تفصيلة إجرائية. هي سياسة ردع: لا تتهم مؤسسة أمنية بالتقصير علنا، وإلا تحولت أنت إلى القضية.

 

هذا النوع من الوقائع يضغط على مساحة الحريات بطريقتين. الأولى مباشرة، حين يصبح النشر سببا لاستدعاء أو قبض. والثانية غير مباشرة، حين يتعلم الجمهور من الرسالة ويتجنب الكلام. لذلك لم تتركز ردود الفعل على سؤال: من ضرب الأشقاء؟ بل على سؤال: من يجرؤ أن يقول إن الشرطة قصّرت؟

 

في النهاية، التعليقات التي انتشرت لا تقدم وثائق ولا أحكام قضائية. لكنها تقدّم مؤشرا سياسيا واضحا: الإحساس العام بأن ميزان القوة يميل ضد المواطن حين يرفع صوته. وبين نفي رسمي موجز وإجراءات أمنية حاضرة في المشهد، يظهر جوهر الاتهام الشعبي: قمع الحريات ليس شعارا، بل ممارسة تبدأ من منشور.