أمر المستشار محمد الشناوي، نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية ومدير إدارة التفتيش القضائي، بإحالة 8 من القيادات السابقة بحيّي مصر الجديدة والنزهة في القاهرة إلى المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا، بعد تحقيقات انتهت إلى اتهامات بتسهيل مخالفات بنائية واسعة مقابل رشاوى نقدية وسبائك ذهبية، في قضية وصفها قانونيون بأنها تعكس تجذر فساد المحليات وتهاون حكومة الانقلاب مع أسباب انهيار الثقة في الإدارة المحلية.

 

شبكة رشاوى في مصر الجديدة والنزهة

 

التحقيقات التي باشرتها النيابة الإدارية انتهت إلى ثبوت تورط عدد من القيادات السابقة في حيّي مصر الجديدة والنزهة في تسهيل مخالفات بنائية جسيمة، مقابل عطايا مالية وسبائك ذهبية، مستغلين مواقعهم الوظيفية في واحدة من أكبر أحياء القاهرة وأكثرها حساسية عمرانية، بما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على السلامة الإنشائية وحقوق السكان.

 

وأوضحت أوراق القضية أن بعض المتهمين أصدروا تراخيص بناء واعتمدوا طلبات تصالح لعقارات مخالفة داخل نطاق حي مصر الجديدة، مقابل مبالغ مالية تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة، إلى جانب الموافقة على توصيل المرافق واعتماد أعمال تشطيب لعقارات لا تلتزم بالاشتراطات البنائية المعمول بها، بما يحول القانون من أداة ضبط إلى واجهة شكلية يتم تجاوزها بدفع الرشوة.

 

تعطيل متعمد لتطبيق القانون في حي النزهة

 

كما انتهت التحقيقات إلى أن مسؤولين آخرين امتنعوا عمدًا عن اتخاذ الإجراءات القانونية حيال مخالفات إنشائية جسيمة داخل نطاق حي النزهة، تضمنت تعلية طوابق دون ترخيص، وإجراء تعديلات جوهرية على مبانٍ قائمة، فضلاً عن تغيير نشاط بعض الوحدات السكنية إلى تجارية أو إدارية دون الحصول على التصاريح اللازمة، في مخالفة مباشرة لقانون البناء ولائحته التنفيذية.

 

هذا الامتناع عن تطبيق القانون لا يقف عند حدود التقصير الإداري، بحسب قانونيين، بل يفتح الباب أمام شبهة الاتفاق الضمني بين بعض مسؤولي الأحياء وأصحاب العقارات، حيث تتحول سلطات التفتيش ووقف المخالفات إلى أداة ضغط وابتزاز، أو إلى خدمة مدفوعة الثمن لمن يملك القدرة على دفع الرشاوى في ظل غياب رقابة فعالة على المحليات منذ سنوات.

 

جهاز التفتيش الفني في قفص الاتهام

 

وكشفت التحقيقات كذلك عن حصول مسؤول سابق بجهاز التفتيش الفني على ثلاث سبائك ذهبية، نظير إصدار مخاطبات رسمية أسهمت في استخراج ترخيص بناء بالمخالفة للقانون، في مؤشر خطير على انتقال شبهة الفساد من مستوى الأحياء إلى مستوى الأجهزة الرقابية الفنية ذاتها، التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول في مواجهة مخالفات البناء.

 

كما ثبت اشتراك عضو لجنة فنية مختصة في تزوير محررات رسمية، واستخدامها ضمن مستندات طلبات التصالح على عقارات مخالفة، بما حوّل آلية التصالح القانونية إلى بوابة جديدة للتربح غير المشروع، بدلًا من أن تكون أداة لتقنين أوضاع قائمة وفق معايير السلامة والعدالة، وهو ما ينعكس في مئات القضايا المتعلقة بتزوير تقارير فنية للبناء خلال الأعوام الأخيرة.

 

وأكد المتحدث باسم النيابة الإدارية، المستشار محمد سمير، أن الهيئة مستمرة في مواجهة وقائع الفساد الإداري بحسم، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة صونًا للمال العام وحفاظًا على نزاهة الوظيفة العامة، غير أن معارضين يرون أن توالي القضايا مع بقاء البنية نفسها للمحليات يعكس معالجة جزئية للنتائج دون الاقتراب من الأسباب السياسية والتنظيمية الأعمق.

 

فساد محليات مزمن.. وخبراء يحذرون

 

يرى الخبير الهندسي إسلام أحمد، الخبير السابق بمصلحة الخبراء بوزارة العدل، أن كثيرًا من كوارث انهيار العقارات التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة ارتبطت إما بتقصير أو فساد مباشر من المسؤولين المنوط بهم المراقبة والتنفيذ، لافتًا إلى أن مسؤولين في أحياء مختلفة تغاضوا عن عقارات آيلة للسقوط، أو أصدروا تراخيص مخالفة، مقابل رشاوى، بما يهدد حياة المواطنين والسلم العام.

 

وتشير دراسة صحفية اعتمدت على مصادر قضائية متعددة إلى وجود نحو 23 ألف قضية منظورة أمام المحاكم المصرية تتعلق بملف مخالفات البناء والفساد العقاري، بينها حوالى 14 ألف قضية رشوة مرتبطة بإجراءات التصالح ومنح التراخيص لعقارات غير مطابقة للمواصفات، ما يربط بين ما تكشفه هذه القضية في مصر الجديدة والنزهة وبين نمط أوسع من استغلال قوانين التصالح لخدمة شبكة مصالح داخل أجهزة الدولة.

 

من جانبه، يؤكد الدكتور حمدي عرفة، خبير الإدارة العامة والمحلية وتطوير العشوائيات، أن استمرار فساد المحليات وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب داخل منظومة تضم ملايين العاملين بالإدارة المحلية يجعل من المستحيل – بحسب تعبيره – رؤية مظهر حضاري حقيقي للمدن المصرية، معتبرًا أن ما يعلن عنه من حملات تفتيش أو حركات تغييرات يبقى بلا جدوى ما لم يقترن بنظام محاسبة شفاف ومستقل عن السلطة التنفيذية المسيطرة.

 

ويذهب الخبير الاقتصادي الدكتور صلاح حواس إلى أن المحليات تعاني "مشاكل كبيرة جدًا" بسبب ضعف الرقابة أو غيابها، مشيرًا إلى أن ترك التعيين في المناصب القيادية لنفس الدوائر المغلقة يعيد إنتاج الفساد، وأن التوسع في الانتخاب المباشر للمجالس المحلية يمكن أن يحد من تغول المسؤولين غير الخاضعين للمساءلة أمام جمهور حقيقي، وهو ما لا يبدو مطروحًا بجدية في ظل بنية سياسية مغلقة منذ انقلاب يوليو.

 

أما المحامي بالنقض والدستورية العليا علاء مصطفى فيلفت إلى أن قوانين البناء الجديدة، بما فيها اشتراط "شهادة المطابقة" لتوصيل المرافق، صُممت نظريًا لسد ثغرات فساد المحليات التي كانت تسمح بتوصيل الكهرباء والمياه والغاز لمبانٍ مخالفة دون سند قانوني، لكنه يحذر من أن أي قانون يمكن الالتفاف عليه إذا ظل التنفيذ في يد الأجهزة ذاتها المتهمة بالتربح من المخالفات، كما تكشفه قضايا الرشوة في أحياء القاهرة المختلفة.

 

في ضوء هذه الخلفية، تبدو قضية الرشوة الكبرى في مصر الجديدة والنزهة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من قضايا فساد المحليات تحت حكم الانقلاب، حيث تتكرر الأسماء والوظائف والأدوار، بينما يظل المواطن العادي الخاسر الأكبر بين عقار مهدد بالانهيار، وخدمات مرتبطة بدفع الرشاوى، ومنظومة محلية لم تُفتح ملفاتها السياسية والتنظيمية بعد أمام إصلاح حقيقي يتجاوز مجرد إحالة بعض القيادات إلى المحاكمة التأديبية.