شهد ظهور الإعلامي إبراهيم عيسى في إعلان ترويجي للعاصمة الإدارية الجديدة حالة جدل حاد داخل الوسط الصحفي، تجاوز مسألة «الذوق» إلى أسئلة قانونية ومهنية مباشرة، حول حدود ما يجوز للصحفي أن يفعله حين يتحول بوجهه وصوته إلى أداة دعاية لمشروع سياسي تتبناه السلطة، وهو جدل غذّاه استدعاء المادة 26 من قانون تنظيم الصحافة، ومعها سجل عيسى السابق في الهجوم على نفس المشروع قبل سنوات قليلة.
مادة قانونية صريحة.. وظهور يفتح باب المساءلة
النقاش القانوني انفجر مع نشر الكاتب الصحفي سليم عزوز صورة المادة 26 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والتذكير بأنها تحظر صراحة على الصحفي أو الإعلامي السعي لجلب الإعلانات أو المشاركة بصورته أو صوته في إعلانات تجارية مدفوعة الأجر، أو التوقيع باسمه على مادة إعلانية، مع النص على مساءلته تأديبيًا حال المخالفة، وهو نص واضح لا يترك مساحة واسعة للتأويل، ويجعل مجرد مشاركة صحفي معروف في إعلان تجاري محل سؤال مباشر أمام نقابته أو جهة تنظيمه.
عزوز ربط بين هذه المادة وظهور إبراهيم عيسى في إعلان العاصمة الإدارية تحت شعار «حلاوة البدايات»، معتبرًا أن ما جرى ليس مشاركة عابرة في «فيديو تعريفي»، بل عمل دعائي مكتمل الأركان، يروّج لمشروع اقتصادي–سياسي قائم تديره جهات محددة تستفيد ماديًا وسياسيًا من تسويقه، وهو ما يضع الصحفي، وفق النص القانوني، في موقع من يتقاضى أجرًا مقابل استخدام صورته وصوته لتلميع مشروع رسمي، في لحظة تعاني فيها الصحافة أصلًا من تضييقات حادة على استقلالها ودورها الرقابي.
الكاتب والإعلامي قطب العربي يرى، في سياق نقده الأوسع لتحويل الإعلام المصري إلى ذراع علاقات عامة للسلطة، أن المشكلة لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تعكس تحولًا بنيويًا؛ إذ لم يعد الفاصل بين العمل الصحفي ومصالح المعلن أو المشروع السياسي واضحًا كما يفترض، بل تم تسييله لصالح خطاب واحد يروّج لما تريده السلطة، ويُهمّش كل صوت ناقد، ما يجعل تطبيق نصوص مثل المادة 26 اختبارًا حقيقيًا لجدية مؤسسات التنظيم المهني في الدفاع عن الحد الأدنى من قواعد المهنة.
من ناقد للعاصمة الإدارية إلى وجه دعائي رسمي
تفاصيل الإعلان نفسه زادت من حدة الجدل؛ إذ ظهر إبراهيم عيسى لأول مرة كوجه دعائي مباشر في فيديو ترويجي للعاصمة الإدارية، إلى جانب فنانين ولاعبي كرة ورجال أعمال، يتحدث الجميع فيه عن «بدايات جديدة» و«حلم مختلف»، بينما يسرد عيسى بصوته المعهود مزايا الانتقال إلى العاصمة الجديدة، في خطاب تسويقي أقرب إلى لغة حملات العلاقات العامة منه إلى أي محتوى توعوي أو تحليلي يمكن نسبه إلى عمل صحفي.
منتقدو عيسى ذكّروا بمواقفه العلنية في 2016، حين كان من أبرز الأصوات التي هاجمت مشروع العاصمة الإدارية على شاشات الفضائيات، واعتبرته حينها مشروعًا بلا أولوية في ظل أوضاع اقتصادية متأزمة، وسخر من فكرة بناء عاصمة جديدة بعيدًا عن مشكلات القاهرة الحقيقية، قبل أن يعود اليوم ليشارك في إعلان يروّج لنفس المشروع، وهو ما قرأه كثيرون على أنه انتقال من موقع الناقد إلى موقع «المعلِن»، بما يحمله ذلك من أسئلة حول استقلالية خطابه وتحوله التدريجي إلى جزء من ماكينة تلميع اختيارات السلطة.
نقيب الصحفيين الحالي خالد البلشي كان قد شدد في أكثر من مناسبة على أن استقلال الصحافة لا يقتصر على التحرر من الضغوط السياسية فقط، بل يشمل أيضًا تحييد تضارب المصالح المالية، وأن خلط الصحفي بين دوره كمراقب وبين الظهور كوجه دعائي مدفوع الأجر يضرب مصداقية المهنة في الصميم، حتى لو لم يُذكر المقابل المالي صراحة، لأن العلاقة ذاتها بين الصحفي والإعلان تخلق التباسًا خطيرًا لدى الجمهور حول الجهة التي يخاطبها الصحفي ولمصلحة من يتحدث.
في الخلفية، تتحرك أيضًا أسئلة مهنية أوسع: هل يمكن لصحفي سياسي يقدّم نفسه كصاحب موقف نقدي أن يربط صورته بمشروع مختلف جذريًا حوله الجدل، ثم يتوقع أن يتعامل معه الجمهور بالثقة السابقة نفسها؟، وهل هذا النوع من التحولات يعكس تطورًا طبيعيًا في الموقف، أم خضوعًا لحسابات السوق والسلطة، في سياق تآكل المجال العام وقيم الاستقلال المهني؟.
إعلان واحد يكشف أزمة أوسع: تسييل الصحافة في ماكينة الدعاية
وراء المادة القانونية وتفاصيل الإعلان، يرى خبراء الإعلام أن القضية تمس جوهر العلاقة بين الصحافة والإعلان في مصر اليوم؛ أستاذ الإعلام صفوت العالم، الذي تخصّص طويلًا في دراسة الاتصال السياسي والدعاية، يؤكد في تحليلاته العامة أن أي خلط بين المحتوى الصحفي والإعلان السياسي يفضي في النهاية إلى تحويل وسائل الإعلام إلى أدوات ترويج لا أدوات مساءلة، وأن السماح لوجوه صحفية بارزة بالعمل كـ«سفراء دعائيين» لمشروعات السلطة يقوّض الوظيفة الرقابية للصحافة ويحوّلها إلى جزء من أدوات الحكم.
قطب العربي يربط هذه الظاهرة بمسار أوسع بدأ منذ سنوات، مع سيطرة الدولة وشركات قريبة منها على السوق الإعلاني والقنوات، بحيث أصبحت اللغة الدعائية جزءًا من بنية معظم المحتوى، لا مجرد فواصل بين البرامج، ومع هذا التحول، لم يعد مستغربًا أن يخرج صحفي أو إعلامي من خلف مكتبه في الاستوديو إلى واجهة إعلان ترويجي لمشروع سياسي–اقتصادي، ما دامت الحدود بين التحرير والإعلان قد تلاشت لصالح خطاب رسمي واحد يهيمن على الشاشات.
على مستوى الأخلاقيات المهنية، يشير خبراء حقوقيون وإعلاميون، من بينهم أعضاء سابقون في مجالس الصحافة والإعلام، إلى أن المادة 26 لم تأت من فراغ، بل تعكس قاعدة مستقرة في مواثيق الشرف عالميًا، تقوم على الفصل التام بين العمل الصحفي والإعلان، حتى لا يتحول الصحفي إلى طرف مستفيد ماديًا من منتج أو مشروع يطلب منه نقده أو مراقبته، وأن غض الطرف عن تطبيق النص في حالة إعلامي بارز يرسل إشارة خطيرة لباقي الوسط بأن القانون انتقائي، يُستخدم مع الضعيف ويُعلّق أمام الأسماء النافذة.
المحلل الإعلامي ياسر عبد العزيز يحذّر، في قراءاته العامة لمسار الإعلام المصري، من أن دَوْرَنة الصحافة حول أجندة السلطة الاقتصادية، بما فيها مشروعات كالعاصمة الإدارية، تجعل الحدود بين «الرسالة الإخبارية» و«الرسالة التسويقية» شبه منعدمة لدى الجمهور، فيفقد المشاهد القدرة على التمييز بين ما يُقدَّم له باعتباره معلومة، وما يُضَخّ كدعاية، ويصبح الإعلام كله – بمن فيه الصحفيون المعروفون – جزءًا من حملة تسويق كبرى لخيارات سياسية لا تُناقَش بقدر ما تُسوَّق كحقائق ناجزة.
في المحصلة، ظهور إبراهيم عيسى في إعلان العاصمة الإدارية لا يبدو واقعة معزولة يمكن الاكتفاء بتبريرها باعتبارها «اختيارًا شخصيًا»، بل يفتح ملفًا أوسع عن مدى التزام المؤسسات الإعلامية والصحفية بالقانون وأخلاقيات المهنة، وعن استعداد نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للإعلام لتفعيل نصوص واضحة مثل المادة 26 حين يكون الطرف المخالف اسمًا بارزًا مقربًا من خطاب السلطة، وإذا ما ظل الأمر في حدود سجال على شبكات التواصل دون أي مساءلة رسمية، فسيكرّس ذلك واقعًا جديدًا تصبح فيه الصحافة المصرية جزءًا معلنًا من ماكينة الدعاية الرسمية، لا استثناءً عليها.

