يصل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل الأربعاء المقبل في زيارة تستمر يومين، يلقي خلالها خطابًا في الكنيست، بحسب ما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة. الزيارة تأتي بينما تحاول إسرائيل، تحت قيادته، كسر حالة عزلة سياسية وشعبية واسعة خلفتها حرب إبادة جماعية على غزة منذ أكتوبر 2023، تبحث تل أبيب في ظلها عن مظلات إقليمية ودولية جديدة، من بينها تعميق الشراكة مع الهند وتنسيق أوسع مع دول عربية وأفريقية وكيانات إقليمية أخرى.

 

نتنياهو قال في مستهل اجتماع حكومته إن مودي سيصل الأربعاء، وسيخاطب أعضاء الكنيست، مضيفًا: إنه على يقين من حضور الجميع للجلسة، ومشيدًا في الوقت نفسه بما وصفه بـ«نسيج العلاقات المتنامي» بين إسرائيل والهند، والذي يريد للزيارة الجديدة أن توثقه أكثر، ضمن إطار أوسع لتحالفات إقليمية عابرة للحدود.

 

زيارة مودي: خطاب في الكنيست ورسائل تعاون اقتصادي–أمني عميق

 

وفق ما نقلته صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، قدّم نتنياهو الزيارة على أنها محطة جديدة في مسار متصاعد من التقارب مع نيودلهي، مؤكدًا أن الهدف منها هو تعميق العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الجانبين، في وقت تعيش فيه إسرائيل ضغوطًا دولية متزايدة بسبب حربها في غزة، وتسعى إلى تقديم صورة شريك تكنولوجي وأمني موثوق لقوة آسيوية كبرى مثل الهند.

 

نتنياهو أوضح أن إسرائيل والهند تعتزمان خلال هذه الزيارة الدفع بمشروعات مشتركة في مجالات التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، وهي قطاعات تراهن تل أبيب على أنها تمنحها قيمة مضافة في أي تحالف إقليمي أو دولي، كما تعطي مودي من جهته خطابًا يركز على التنمية والتطور العلمي بدلًا من الانخراط العلني في تفاصيل حرب غزة المثيرة للجدل عالميًا.

 

وبحسب نفس المعطيات، من المتوقع أن يشارك نتنياهو ومودي في فعالية بالقدس مخصصة للابتكار، وأن يزورا متحف «ياد فاشيم» لتاريخ الهولوكوست في القدس الغربية، في برنامج بروتوكولي يحمل رسائل سياسية ورمزية متكررة في الزيارات الرسمية إلى إسرائيل. وتأتي هذه الزيارة بعد سابقة لمودي كرئيس وزراء إلى إسرائيل في 2017، وزيارة مقابلة لنتنياهو إلى الهند عام 2018، إلى جانب زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى نيودلهي في نوفمبر الماضي ولقائه نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار، في سياق علاقات تشمل تعاونًا في ملفات الأمن والزراعة والتجارة.

 

«تحالف سداسي» ومواجهة «محاور سنية وشيعية» وفق رواية نتنياهو

 

في كلمته أمام حكومته، لم يكتفِ نتنياهو بعرض جدول زيارة مودي، بل ربطها بما وصفه بـ«منظومة متكاملة، أشبه بتحالف سداسي، حول الشرق الأوسط أو داخله»، تضم – وفق حديثه – الهند ودولًا عربية ودولًا أفريقية، إضافة إلى اليونان وقبرص (الرومية) ودول آسيوية أخرى لم يسمّها، مع تأكيد خاص على «التحالف الفريد مع الولايات المتحدة والعلاقات الشخصية مع الرئيس دونالد ترامب»، باعتباره حجر الأساس في أي ترتيبات أوسع.

 

نتنياهو ادعى أن الهدف من هذه الشبكة هو تشكيل محور من الدول التي «ترى الواقع والتحديات بشكل متطابق» في مواجهة ما سماه «المحاور الراديكالية»، وحدد منها «المحور الشيعي» الذي قال إن إسرائيل وجهت له ضربات قوية جدًا، و«المحور السني الراديكالي» الآخذ بالتشكل، على حد تعبيره، في توصيف يدمج الاعتبار الأمني والعقائدي في خطاب واحد يبرر توسيع التحالفات مع دول غير عربية، مع إبقاء الأبواب مفتوحة أمام دول عربية حليفة أو راغبة في التطبيع.

 

وبحسب قراءة نتنياهو، فإن التعاون مع هذه الدول في حال انضمامها إلى ما يصفه بالتحالف يمكن أن «يُثمر نتائج كبيرة ويضمن متانة إسرائيل ومستقبلها»، وهو طرح يقدم إسرائيل كقوة مركزية في منظومة إقليمية واسعة، تستند إلى التحالف مع واشنطن، والانخراط مع دول كالهند واليونان وقبرص الرومية، إلى جانب عواصم عربية وأفريقية وآسيوية، في مواجهة أطراف إقليمية أخرى تشمل إيران وحركات مقاومة فلسطينية ولبنانية ويمنية يصنفها الخطاب الإسرائيلي ضمن خانة «التطرف».

 

حتى الآن لم تصدر تعليقات رسمية من الدول العربية أو غيرها التي أشار إليها نتنياهو بشأن ما تحدث عنه عن هذا «التحالف»، ما يجعل الفكرة أقرب إلى إعلان نوايا سياسي من كونها إطارًا مؤسسيًا مكتملًا، لكنه يعكس اتجاهًا إسرائيليًا واضحًا للبحث عن ترتيبات جديدة في الإقليم، بعد أن فشلت تل أبيب في إنهاء المقاومة الفلسطينية رغم حرب واسعة ومكلفة على غزة.

 

كسر العزلة بعد حرب غزة والإبادة في القطاع

 

زيارة مودي وحديث نتنياهو عن تحالفات جديدة تأتي في ظل غضب شعبي ورسمي واسع في أنحاء العالم، جراء حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي على قطاع غزة منذ 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين، وخلفت أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب دمار طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، مع كلفة إعادة إعمار قدّرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بنحو 70 مليار دولار.

 

تحاول إسرائيل، في هذا السياق، كسر عزلتها عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية مع قوى كالهند ودول آسيوية وأفريقية، وإسناد هذا المسار بخطاب عن الابتكار والتكنولوجيا والتحالف ضد «الراديكالية»، بينما تبقى الوقائع على الأرض في غزة والضفة الغربية وساحات أخرى في المنطقة حاضرة بقوة في تقييم الرأي العام العالمي، الذي يرى في استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار جزءًا من جوهر الأزمة، لا مجرد تفصيل في معادلة الأمن الإقليمي.

 

ومن منظور تاريخي، تأتي هذه التحركات في امتداد مسار بدأ منذ إقامة إسرائيل عام 1948 على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة بعد ارتكاب مجازر وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، قبل أن تحتل تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية لاحقًا، وترفض حتى اليوم الانسحاب الكامل وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. في هذا الإطار، تبدو زيارة مودي وحديث «التحالف السداسي» جزءًا من محاولة إعادة صياغة البيئة الإقليمية بما يضمن لإسرائيل أكبر قدر من الشرعية والشراكات، مقابل واقع ميداني يواصل تكريس الاحتلال وقمع الفلسطينيين، ويجعل أي خطاب عن «تحالفات استقرار» موضع اختبار عملي أمام المجتمع الدولي والشعوب المعنية بالصراع.