تحوّل طلب حزب «الوفد» إلى الأمانة العامة لمجلس النواب للاستعلام عن «أسماء نوابه» المسجلين تحت لافتته، إلى مؤشر صارخ على حجم الانهيار التنظيمي داخل حزب يفترض أنه «بيت الأمة»، وعلى درجة التسيّب التي تحكم إدارة القوائم البرلمانية في مصر، حيث كشف مصدر حزبي – وفق ما نشره موقع «أخبار الغد» – أن السيد البدوي اضطر، بعد عودته لرئاسة الحزب، إلى مخاطبة المجلس رسميًا لمعرفة من يُسجَّل نوابًا عن الوفد، بعد اكتشاف أن عبد السند يمامة سبق أن أرسل اسمي نائبين ضمن قائمة الحزب دون علم القيادة أو إخطار مؤسساته الداخلية.

 

حزب لا يعرف نوابه: طلب رسمي يفضح اختلال الهيكل من القمة

 

الواقعة في جوهرها بسيطة في الشكل، لكنها ثقيلة في الدلالة؛ حزب تأسس أوائل القرن الماضي، وقاد الحركة الوطنية لعقود، يجد نفسه في 2026 مضطرًا إلى الرجوع لمجلس النواب ليسأله: من هم نوابي المسجلون تحت لافتتي، وبأي صفة جرى إدراجهم، ومن الذي أبلغ عنهم؟ هذا ليس خلافًا عابرًا على ترتيب أسماء أو مواقع داخل قائمة انتخابية، بل اعتراف عملي بأن قرار تحديد من يمثل الحزب داخل البرلمان لم يمر عبر آلياته المؤسسية الطبيعية، وأن مركز التحكم في هذا الملف خرج من يد مؤسسات الوفد لصالح تفاهمات فردية، أو صفقات سياسية، أو قنوات تفاوض مع السلطة لا يطّلع عليها حتى قادة الصف الأول.

 

في خلفية المشهد، حصل الوفد في التشكيل الحالي لمجلس النواب على نحو 25 مقعدًا، 21 منها عبر القائمة الوطنية و4 عبر النظام الفردي، وفق تقديرات صحفية، لكن المنتقدين يرون أن هذه الكتلة لم تقدّم أداءً يعكس حجم تاريخه أو وزنه الرمزي، بل انخرطت في التصويت لصالح أغلب مشروعات القوانين الحكومية دون أن تترك بصمة معارضة حقيقية أو رقابة فعالة على السلطة التنفيذية، كما يوثّق تقرير تحليلي لموقع «أخبار الغد» عن أداء نواب الحزب.

 

الخبير في النظم الانتخابية د. عمرو هاشم ربيع يشير، في تحليلاته عن المشهد الحزبي المصري، إلى أن عشرات الأحزاب القائمة – أكثر من 100 حزب – تحوّلت في الواقع إلى «أرقام في السجل» بلا تأثير حقيقي، بسبب ضعف الديمقراطية الداخلية وتحول كثير منها إلى منصات شخصية أو ملحقات بالسلطة، لا أدوات تعبير عن المجتمع. ما يحدث داخل الوفد اليوم يبدو تجسيدًا حادًا لهذه الملاحظة؛ حزب تاريخي يتعامل مع تمثيله البرلماني كما لو كان ملفًا خارجيًا، يحتاج إلى كشف حساب من البرلمان نفسه لمعرفة من يمثله.

 

من أزمة القوائم إلى إدخال نواب «من خارج البيت»؟ أسئلة بلا تحقيق

 

بحسب ما نقله التقرير، فإن سبب الخطاب الأخير يعود لاكتشاف أن عبد السند يمامة – خلال رئاسته السابقة للحزب – أرسل اسمي نائبين ضمن قائمة الوفد إلى مجلس النواب، دون أن يكون لدى قيادات الحزب، أو حتى جزء من هيئته العليا، علم واضح بعضويتهما التنظيمية أو بسير عملية ترشيحهما، وهو ما فُسّر داخل الوفد بأنه محاولة لتمرير أسماء على حساب مؤسسات الحزب، أو استخدام مظلته لتمثيل أشخاص لا علاقة تنظيمية ثابتة لهم بالبيت نفسه. هذه الاتهامات لا تزال في الإطار السياسي والإعلامي؛ لم تُفتح حولها حتى الآن – علنًا – تحقيقات حزبية منشورة أو إجراءات تقصي واضحة، لكن مجرد اضطرار رئيس حزب سابق وحالي، مثل السيد البدوي، إلى طلب كشف رسمي من البرلمان عن أسماء نوابه، يفتح الباب واسعًا أمام سؤال الفساد السياسي: من يملك حق التصرف في «رخصة» الحزب الانتخابية، وكيف تُستخدم هذه الرخصة في السوق السياسي الفعلي؟

 

الخبر يرتبط بسياق أوسع من أزمات القوائم والتحالفات؛ فخلال انتخابات الشيوخ ثم النواب 2025، ظهر الوفد ضمن «القائمة الوطنية من أجل مصر» بحصة مقاعد محدودة، وسط غضب وانتقادات من داخل الحزب اعتبرت أن قيادته قبلت بدور ثانوي لا يليق بتاريخه، وأن التفاوض على الأسماء جرى في غرف مغلقة بين أفراد، لا على أساس قرار مؤسسي واضح، كما عكست تقارير صحفية عن خلافات الهيئة العليا حول مواقع مرشحي الحزب على القائمة.

 

المحلل السياسي د. حسن نافعة يلفت، في مقالات سابقة عن الحياة الحزبية في مصر، إلى أن جزءًا كبيرًا من الأحزاب الحالية لا يمتلك قواعد تنظيمية حقيقية، وأن التمثيل البرلماني في إطار القوائم الموحدة يفتح الباب واسعًا أمام «اصطناع» تمثيل حزبي لأشخاص تُختار أسماؤهم من فوق، عبر تفاهمات مع أجهزة الدولة، أكثر مما تُفرزهم قواعد الحزب وأعضاؤه. في ضوء هذا التوصيف، تصبح واقعة مخاطبة الوفد لمجلس النواب لمعرفة أسماء نوابه ليست «سوء تفاهم إداريًا» بل تجسيدًا عمليًا لفكرة أن المقعد في القائمة يمكن أن يُمنح لشخص لا يعرفه الحزب، طالما أن من يفاوض باسم الحزب مستعد لقبول هذه المعادلة.

 

الوفد عرض لفساد بنيوي أوسع: أحزاب منزوعة الإرادة في برلمان مُهندَس

 

القضية لا تتعلق بحزب الوفد وحده؛ بل بنمط إدارة كامل للحياة الحزبية والنيابية. الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي د. عمرو الشوبكي يؤكد، في تحليل عن «أحزاب جديدة قديمة»، أن أغلب الأحزاب المصرية اليوم تعاني ضعفًا هيكليًا يجعلها أقرب إلى كيانات فوقية، لم تُمنح فرصة حقيقية للحركة المستقلة، ولم تُبنَ من أسفل على قواعد اجتماعية صلبة، وهو ما يحوّلها عمليًا إلى «جزء من ديكور سياسي» أكثر منها أدوات تنافس حقيقي على السلطة والسياسات. حين يتحول تمثيل حزب عمره أكثر من 100 عام إلى موضع شك داخل قيادته ذاتها، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن البرلمان الحالي يعكس بالفعل خريطة سياسية حقيقية للبلد.

 

المفكر والكاتب د. عمار علي حسن تحدث في أكثر من موضع عن أن بعض الأحزاب المعارضة في مصر جرى توظيفها كـ«قلادة زينة» في عنق السلطة، تُستدعى عند الحاجة لإكمال صورة التعددية الشكلية، دون أن يُسمح لها بأدوار فعلية في الرقابة أو التشريع أو تشكيل الحكومات، مشيرًا إلى أن هندسة النظام الانتخابي والتحالفات المغلقة جعلت من كثير من المقاعد البرلمانية امتدادًا لقرار السلطة التنفيذية أكثر منه تعبيرًا عن إرادة الناخبين أو مؤسسات الأحزاب. على هذا الأساس، تبدو واقعة الوفد كاشفة: إذا كان الحزب نفسه لا يملك القول الفصل في هوية نوابه، فكيف يمكن الحديث عن استقلاله أو عن تمثيل حقيقي للناخبين الذين صوتوا له؟

 

من زاوية أخرى، يرى أستاذ العلوم السياسية د. مصطفى كامل السيد أن غياب الشفافية في عمل الأحزاب وتكوين القوائم النيابية، مع تراجع حرية الإعلام وضعف الرقابة المجتمعية، خلق مناخًا يسمح بتمرير كثير من القرارات المصيرية داخل غرف مغلقة، دون نقاش عام أو محاسبة واضحة، وهو ما يضع النظام الحزبي كله في موضع اتهام بالعجز عن تجسيد مبدأ «السيادة للشعب» كما يفترض الدستور. وإذا كان حزب الوفد – بتاريخ رمزيته – عاجزًا عن ضبط ملف بهذه الحساسية، فإن السؤال ينسحب على عشرات الأحزاب الأخرى التي لا تملك حتى نفس القدر من التاريخ أو الحضور البرلماني.

 

في المحصلة، طلب السيد البدوي من مجلس النواب كشف أسماء نواب الوفد ليس مجرد وثيقة إجرائية عابرة، بل علامة سياسية على أن الفساد في إدارة التمثيل الحزبي لم يعد مقصورًا على المال السياسي أو شراء الأصوات، بل امتد إلى جوهر تعريف «من هو النائب» ومن يملك الحق في منحه صفة الانتماء للحزب، في برلمان يُدار عبر قوائم موحّدة وتفاهمات فوقية، أكثر مما يُبنى على إرادة عضوية حزبية أو قواعد انتخابية حرة. ما لم يُفتح هذا الملف بشفافية داخل الوفد نفسه، وبشكل أوسع داخل النظام الحزبي المصري، ستظل مثل هذه الوقائع تتكرر بصيغ مختلفة، وستبقى الأحزاب متهمة بأنها جزء من المشكلة لا جزء من الحل، مهما تغيّرت الأسماء على مقعد رئيس الحزب أو رئيس الكتلة البرلمانية.