ما حدث داخل هرم الملك أوناس في سقارة لم يكن مجرد خطأ فردي بمرشد سياحي متحمس، بل كاشف فجّ لحالة تساهل رسمية مع الآثار، حولتها في نظر كثيرين إلى «سبوبة» مفتوحة للحفلات والبيزنس، من قاعات أفراح في المتاحف، إلى حفلات رجال أعمال تتحرك فيها المعدات والمنصات فوق أرض مواقع يفترض أنها محمية ومحترمة.
استخدام الطباشير على جدران أقدم نصوص دينية
الواقعة بدأت بفيديو انتشر على مواقع التواصل لمرشد سياحي وهو يشرح داخل هرم الملك أوناس مستخدمًا «الطباشير» للكتابة مباشرة على الجدران الحجرية التي تحمل نصوص الأهرام، أقدم نصوص دينية وجنازية ملكية في العالم.
المرشد ظهر وهو يرسم ويخط على الحجر الجيري في الحجرة الداخلية، بدلًا من استخدام عصا الإشارة أو وسائل عرض محترمة، رغم أن النقوش محفورة بدقة ومتخذه أحبارًا ملونة أصلية باللون الأزرق أو الأخضر تجعل أي احتكاك مباشر أو مواد كيميائية تهديدًا مباشرًا للنقوش الأصلية.
خبراء آثار حذروا من أن مكونات الطباشير قد تتفاعل مع الحجر الجيري والجرانيت بمرور الوقت، ما قد يؤدي إلى تآكل السطح أو طمس تفاصيل النقش، خاصة في أثر يتجاوز عمره 4 آلاف عام، ويُعد علامة فارقة في تاريخ الدولة القديمة حوالي 2350 قبل الميلاد.
مع انتشار الفيديو، تصاعد غضب واسع في الأوساط الأثرية والشعبية، واعتبر كثير من الأثريين أن الشرح باللمس أو بالكتابة على الأثر نفسه ليس مجرد مخالفة مهنية، بل «جريمة أثرية» مكتملة الأركان تستوجب محاسبة فورية لا تترك مجالًا للتسويات أو التبريرات.
رقابة غائبة وقطاع يتحول لـ«سبوبة»
رد الفعل الرسمي اقتصر على الإعلان عن إحالة المرشد للتحقيق، ووقفه مؤقتًا عن العمل، ثم الإعلان عن ضبطه والتحقيق معه، والبدء في أعمال ترميم موضع الكشط وإزالة آثار الطباشير من على الجدار.
هذه الإجراءات لم تُطفئ الغضب، بل فتحت الباب لأسئلة مباشرة عن آليات الرقابة داخل المواقع الأثرية، وكيف ينجح مرشد واحد في الوصول بهذه السهولة إلى جدران داخلية حساسة، والكتابة عليها أمام مجموعة سياح، دون تدخل حاسم من مفتش أو أمين أو مسؤول متواجد بالموقع.
الواقعة جاءت فوق تراكم شعور عام بأن التعامل مع الآثار لم يعد ينطلق من منطق الحماية والقدسية، بل من منطق «استثمار أي مساحة متاحة»، ما أنتج ممارسات متكررة: مواقع أثرية تُفتح لحفلات خاصة، وساحات متاحف تتجهز لأفراح، وقلاع ومساجد تاريخية تستخدم كخلفية لاستعراض النفوذ والثراء.
هذا النمط يجعل حادثة الطباشير على جدران أوناس تبدو امتدادًا طبيعيًا لسياسة أوسع، تسمح بالتعدي على روح المكان، سواء تم ذلك بعصا طباشير في يد مرشد، أو بمنصة حفلات ودي جي ومدعوين يتحركون وسط آثار يفترض أن تكون مناطق عبور هادئ واحترام.
حفلات رجال الأعمال والمتاحف التي تتحول لقاعات أفراح
خلال العامين الماضيين تصاعدت الانتقادات لما وصفه أثريون وإعلاميون بسياسة «متاحف للإيجار»، بعد السماح بإقامة حفلات زفاف وفعاليات خاصة في مناطق شديدة الحساسية مثل منطقة الأهرامات، وسقارة، وساحات المتحف المصري بالتحرير، ومساجد تاريخية داخل مواقع أثرية.
من بين الأمثلة التي أثارت غضبًا واسعًا، حفل زفاف ابنة فنان شهير في منطقة هرم سقارة بمشاركة مطربين كبار، وسط انتقادات حادة للملابس والسلوكيات التي وُصفت بأنها خارجة عن العادات والتقاليد ولا تليق بقدسية المكان الأثري، فضلًا عن المخلفات والقمامة التي تترَك خلف الحفل.
مشاهد تجهيزات حفلات في ساحة المتحف المصري بالتحرير، وتحويل الساحات المحيطة بقطع أثرية نادرة إلى مسرح معدات وإضاءة وضوضاء، انتشرت على منصات التواصل وأثارت تساؤلات حادة: من يسمح؟ لصالح من؟ ولماذا تتكرر نفس الصورة في أكثر من موقع أثري دون ردع واضح؟
خبراء آثار، منهم الدكتور محمد عبد المقصود، حذروا من أن هذه السياسات تضر بسمعة مصر قبل أن تضر بالأثر نفسه، مؤكدين أن الحفلات تترك وراءها مخلفات وسلوكيات لا تليق، وتُظهر المواقع التاريخية في صورة خلفية لاستعراضات المال والنفوذ لا كقيمة حضارية يجب صونها.
غضب شعبي ومطالب بحماية حقيقية للآثار
انتشار الفيديو الخاص بواقعة هرم أوناس ترافق مع موجة منشورات وتعليقات غاضبة على مواقع التواصل، ربطت بين ما فعله المرشد وبين مشاهد حفلات رجال الأعمال وتحويل المتاحف وساحات الآثار لمسارح أفراح، معتبرة أن الرسالة واحدة: كل شيء قابل للتأجير والتطويع، من جدار يحمل نصوص أقدم ديانة ملكية، إلى متحف وسط العاصمة.
منشورات عديدة تساءلت عن دور وزارة السياحة والآثار، وعن علاقة رجال أعمال وشركات كبرى بملف تنظيم الحفلات داخل المناطق الأثرية، وسط اتهامات شعبية بأن القرار لم يعد يُدار بمعيار علمي أو أثري، بل بمعيار من يملك الدفع والقدرة على تحويل الموقع إلى منصة دعاية أو احتفال.
حملات مدنية مثل «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» جددت رفضها لإقامة الحفلات في المواقع الأثرية، محذرة من التأثير الفيزيائي والضوضاء والاهتزازات، ومطالبة بضوابط صارمة تحمي الآثار من الاستخدام التجاري والعبث، بدل الاكتفاء ببيانات إنشائية أو تحقيقات تنتهي بلا تغيير حقيقي في السياسات.
في ظل هذا المناخ، تبدو واقعة الطباشير على جدران هرم أوناس بمثابة إنذار واضح: استمرار التعامل مع الآثار كفرصة ربح سريعة، أو خلفية لحفلات نخبوية، لن ينتج إلا مزيدًا من الإهانات المتكررة لتراث إنساني لا يتكرر، ومزيدًا من الغضب الشعبي الذي يرى في كل حادثة جديدة تأكيدًا على أن حماية الآثار لم تعد أولوية فعلية.

