أشعلت تصريحات الإعلامى محمد الباز عن ختم النبوة والديانة البهائية غضبًا واسعًا بين علماء ودعاة وناشطين، بعد أن قدّم نموذجًا جديدًا لخطاب دينى «رسمى» يخلط بين احترام حقوق المواطنين فى الدولة الحديثة وبين التشويش على أصل من أصول العقيدة الإسلامية، فى سياق يراه معارضون جزءًا من سياسة أوسع يستخدم فيها النظام ملفات الدين والإعلام لإعادة تشكيل وعى المصريين بما يخدم منطق «حرية بلا ضوابط» تحت سقف السلطة.
يجب ألا نكفرهم»..
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) February 23, 2026
مازال الإعلامي المقرب من النظام «محمد الباز» في برنامجه الديني في رمضان يتطاول على الدين الإسلامي دون ان يحاسب: «هل الرسول محمد هو فعلا خاتم النبيين في المطلق؟
دي عقيدة تخص المسلمين، والتاريخ بيقول إن في ديانة جديدة ظهرت، وهي الديانة البهائية، ووصل أتباعهم إلى… pic.twitter.com/fCpswEy5qS
تصريحات الباز.. تسييل العقيدة تحت لافتة «الاحترام»
فى حلقته على برنامج إذاعى دينى فى رمضان، تحدث محمد الباز عن حادثة الإسراء والمعراج باعتبارها تأكيدًا لختم النبوة بالنبى محمد، لكنه عاد وفتح بابًا للتأويل حين قال إن عقيدة الختم «عقيدة تخص المسلمين»، وإن غير المسلمين غير ملزمين بها، قبل أن ينتقل مباشرة إلى مثال البهائية باعتبارها ديانة جديدة ظهرت فى القرن الـ19، ولها نحو 7 ملايين تابع حول العالم، يؤمنون بوجود نبى بعد الرسول.
الباز أضاف أن الإسلام لا يعترف بالبهائية كدين سماوى، لكنه شدد على «ضرورة احترام عقيدتهم وحقوقهم» وأنه «لو عرض أمر البهائيين على الرسول لن ينكره»، وهى جملة أثارت العاصفة لأنها تربط بين احترام الحقوق المدنية ـ وهو مبدأ لا يختلف عليه كثيرون ـ وبين رسم صورة لرسول الإسلام يتسامح مع فكرة نبى لاحق، فى تعارض صريح مع نصوص قطعية الدلالة عند جمهور العلماء، ما جعل منتقدين يرون فيها تمهيدًا نظريًا لتطبيع وجود تيار عقائدى يناقض ختم النبوة تحت زعم التعايش.
فى المقابل، حاولت صحف ومواقع مقربة من السلطة تقديم تصريحات الباز كجزء من «خطاب تجديد» يركز على التفرقة بين الإيمان الإسلامى وبين التعايش المواطنى، مشيرة إلى أنه أكد أكثر من مرة أن الإسلام لا يعترف بالبهائية، وأن ختم النبوة عقيدة إسلامية خالصة، لكن هذا الدفاع لم يطفئ غضب قطاع واسع من العلماء الذين رأوا أن المشكلة ليست فى سرد معلومات عن البهائيين، بل فى طريقة صياغة الكلام التى تجعل أصلًا عقديًا مجالاً للتشكيك أو إعادة التفاوض الإعلامى.
زنادقة الإعلام أم «تمهيد رسمى» لفوضى دينية؟
الرد الأول جاء من الدكتور محمد يسرى إبراهيم الذى وصف ما يجرى بأنه «ترويج للكفر الصراح والردة البواح» من «زنادقة الإعلام» مقابل أموال مشبوهة، معتبرًا أن المنظومة الإعلامية الرسمية لم تعد تكتفى بالهجوم على التيار الإسلامى أو تشويه العلماء، بل انتقلت إلى الترويج لمذاهب كوصفه «الإبراهيمية والبهائية والقاديانية» من قلب الشاشات، دون أى حساب أو مساءلة تليق بخطورة المسألة على عقيدة عامة الناس.
زنادقة الإعلام يأبون إلا أن يروجوا الكفر الصراح والردة البواح لأجل ما يدفع لهم من الأموال المشبوهة!
— د.محمد يسري إبراهيم (@DrMohamadYousri) February 23, 2026
فتارة يروجون الإبراهيمية وأخرى البهائية وثالثة القاديانية!
والأمة تنتظر كلمة علمائها الصالحين في هؤلاء المفسدين! pic.twitter.com/b2xQ7IblSW
فى خط موازٍ، نشر حزب «تكنوقراط مصر» تغريدة تساءل فيها: «أين الأزهر من كل هذا؟»، مؤكدًا أن الباز «يتطاول على الدين الإسلامى» من موقعه كإعلامى مقرب من النظام، وأن استمرار برنامجه الدينى فى رمضان رغم هذه التصريحات رسالة واضحة بأن السلطة ترعى هذا النوع من الخطاب، أو على الأقل تتسامح معه، ما يفتح الباب أمام مزيد من التفلت فى تناول الثوابت العقائدية تحت عنوان «نقاش جرىء» أو «طرح الأسئلة الصعبة».
يجب ألا نكفرهم»..
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) February 23, 2026
مازال الإعلامي المقرب من النظام «محمد الباز» في برنامجه الديني في رمضان يتطاول على الدين الإسلامي دون ان يحاسب: «هل الرسول محمد هو فعلا خاتم النبيين في المطلق؟
دي عقيدة تخص المسلمين، والتاريخ بيقول إن في ديانة جديدة ظهرت، وهي الديانة البهائية، ووصل أتباعهم إلى… pic.twitter.com/fCpswEy5qS
الشيخ يحيى موسى صعد النبرة أكثر، واعتبر أن ما قيل «كلمة كفر» لا يمكن تمريرها كـ«رأى» فى بلد الأزهر، متسائلًا كيف يسمح بأن يقال على الهواء إن الوحي لم ينقطع، وإن ختم النبوة «عقيدة تخص المسلمين»، وإن البهائية ديانة ظهرت بعد الإسلام ولها ملايين الأتباع، دون أى بيان أو رد مؤسسى يحدد الموقف الشرعى، محذرًا من أن الصمت أمام هذا النوع من الخطاب يضرب «الأمن العقائدى» للمجتمع فى عمقه.
أيُّ زمانٍ هذا الذي يُتجرَّأ فيه على أصول #الإسلام في العلن، وتُقال كلمةُ الـKـفر على مسامع الناس ثم تُمرَّر كأنها رأي؟!
— حاتم الحويني | Hatem Al-Howainy (@Hatem_alhowainy) February 23, 2026
أيعقل أن يبث هذا الـKـفر في بلد مصر #الأزهر!
كيف يقال: إن الوحي لم ينقطع، وإن خاتمية محمد ﷺ عقيدة تخص المسلمين، وإن دين #البهائية قد ظهر بعد الإسلام ويعتنقها… pic.twitter.com/OtSMjYI63G
خطاب موسى يستند إلى نصوص قطعية مثل قوله تعالى «ولكن رسول الله وخاتم النبيين» وقوله «اليوم أكملت لكم دينكم»، وحديث «لا نبى بعدى»، ليؤكد أن من يقرّ بنبوة بعد محمد أو بوحي تشريعى جديد إنما يكذب القرآن والسنة ويقع فى «الكفر البواح»، ما يعنى أن مجرد تقديم الفكرة فى برنامج دينى جماهيرى على أنها احتمال قابل للنقاش يمثل ـ فى رأيه ـ تفكيكًا تدريجيًا لمفهوم «المعلوم من الدين بالضرورة» تحت ضغط إعلامى وسياسى.
أيُّ زمانٍ هذا الذي يُتجرَّأ فيه على أصول #الإسلام في العلن، وتُقال كلمةُ الـKـفر على مسامع الناس ثم تُمرَّر كأنها رأي؟!
— حاتم الحويني | Hatem Al-Howainy (@Hatem_alhowainy) February 23, 2026
أيعقل أن يبث هذا الـKـفر في بلد مصر #الأزهر!
كيف يقال: إن الوحي لم ينقطع، وإن خاتمية محمد ﷺ عقيدة تخص المسلمين، وإن دين #البهائية قد ظهر بعد الإسلام ويعتنقها… pic.twitter.com/OtSMjYI63G
الأزهر الغائب الحاضر.. سؤال المسئولية الدينية فى زمن الدولة الأمنية
أخطر ما فى ردود العلماء لم يكن فقط توصيف كلام الباز، بل الإلحاح على سؤال: أين الأزهر؟ إذ يطالب الشيخ حاتم الحوينى ـ فى سلسلة تغريدات مطولة ـ المؤسسة الأزهرية بإصدار بيان صريح يصف القول باستمرار الوحى بعد النبى أو ظهور دين جديد بعد الإسلام بأنه كفر، ويرفض الاكتفاء بصمت أو تعليقات فردية، معتبرًا أن السكوت «خيانة لميثاق البيان» الذى حمّل الله به أهل العلم فى الآية «لتبيننه للناس ولا تكتمونه».
أيُّ زمانٍ هذا الذي يُتجرَّأ فيه على أصول #الإسلام في العلن، وتُقال كلمةُ الـKـفر على مسامع الناس ثم تُمرَّر كأنها رأي؟!
— حاتم الحويني | Hatem Al-Howainy (@Hatem_alhowainy) February 23, 2026
أيعقل أن يبث هذا الـKـفر في بلد مصر #الأزهر!
كيف يقال: إن الوحي لم ينقطع، وإن خاتمية محمد ﷺ عقيدة تخص المسلمين، وإن دين #البهائية قد ظهر بعد الإسلام ويعتنقها… pic.twitter.com/OtSMjYI63G
فى الوقت نفسه، يشير مراقبون إلى أن الأزهر يعيش منذ سنوات تحت ضغط سياسى وإدارى يجعل تحركه فى مواجهة الإعلام الرسمى أو شخصيات محسوبة على النظام خطوة عالية الكلفة، ما يفسر تردد المؤسسة فى الدخول فى صدام مباشر مع إعلامى بارز، لكنه لا يبرر ـ من وجهة نظر منتقدين ـ ترك الساحة لخطاب يعبث بأصول العقيدة دون حتى «إنكار لفظى» يطمئن الرأى العام إلى أن المرجعية الدينية ما زالت تقوم بدورها الأساسى فى حماية الثوابت.
غياب موقف واضح من الأزهر يفتح الباب لاتساع دور «العلماء المستقلين» خارج المؤسسات الرسمية، كما يطالب الحوينى وغيره، الذين يرون أن واجب البيان لا يسقط بصمت الأزهر، وأن على الدعاة وطلبة العلم أن يتصدوا لتوضيح حقيقة الخلاف مع البهائية وغيرها من الحركات التى تنقض ختم النبوة، خاصة مع وجود مواد علمية وفقهية واسعة تشرح عقيدة البهائيين فى استمرار النبوة وتبين حكمها فى الفقه الإسلامى.
نظام يستعمل الدين أم دولة تحمى التعدد؟
سياق تصريحات الباز لا ينفصل عن مسار سابق له فى برامج أخرى حاول فيها تقديم «قراءة عصرية» للقرآن وقضايا التكفير والتدين الشعبى، وها هو اليوم ينتقل إلى برنامج دينى جديد فى رمضان عنوانه «أقول أمتى»، أعلن أنه سيكون منصة لطرح قضايا «شائكة» و«رؤية مختلفة» لقضايا الهوية والإيمان، وهو ما يجعل كثيرين يرون أن الحلقة عن البهائية ليست زلة معزولة، بل جزء من اختيار واعٍ لتفجير موضوعات عقائدية تحت سقف إعلام الدولة.
من زاوية سياسية، تبدو رسالة النظام واضحة لمعارضيه الإسلاميين والليبراليين على السواء: لا خطوط حمراء تقريبًا فى استخدامها لملفات الدين والإيمان ما دام ذلك يرسخ السيطرة على المجال العام ويضعف نفوذ المرجعيات التقليدية المنافسة، وفى مقدمتها الأزهر والتيارات الدعوية المستقلة، بينما تبقى «حرية العقيدة» شعارًا انتقائيًا يُستدعى حين يخدم هذا الهدف ويتراجع حين يتعلق بحقوق سياسية أو حريات حقيقية تمس السلطة نفسها.
فى النهاية، يعكس الجدل حول تصريحات محمد الباز معركة أوسع على تعريف الإسلام ذاته داخل المجال العام المصرى: هل يبقى دينًا له أصول قطعية تحرسها مؤسسات علمية مستقلة ومجتمع واعٍ، أم يتحول إلى مادة خام فى يد السلطة وإعلامييها يعاد تشكيلها وفق مقتضيات اللحظة السياسية، باسم التسامح تارة والتجديد تارة أخرى، بينما يُترك المجتمع أمام فوضى دينية مبرمجة تقوّض يقينه وتفكك ما تبقى من تماسكه العقائدى والأخلاقى.

