تراجع ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 إلى المركز 130 عالميًا، مع حصولها على 30 نقطة فقط من أصل 100، في موقع يضعها تحت متوسط المؤشر العالمي البالغ 42 نقطة بفارق كبير، ويجعلها ضمن الدول ذات الفساد المرتفع في القطاع العام، في وقت تؤكد فيه البيانات أن هذا المستوى المتدني ليس استثناء عابرًا، بل جزء من مسار ممتد يعكس خللًا عميقًا في بنية الحكم والاقتصاد، وعجزًا حكوميًا عن بناء منظومة شفافة وخاضعة للمساءلة.

 

مؤشر عالمي فاضح.. موقع متأخر وبيئة سياسية تغذي الفساد بدل كبحه

 

مؤشر مدركات الفساد، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، يقيس مستويات الفساد المتصوَّرة في القطاع العام في 182 دولة، على مقياس من 0 (فاسد للغاية) إلى 100 (نزيه للغاية)، وقد سجلت مصر 30 نقطة فقط، مقابل متوسط عالمي 42، في أدنى مستوى للمعدل العالمي منذ أكثر من عقد، ما يعكس اتجاهًا تنازليًا مقلقًا دوليًا، ويضع مصر بوضوح في النصف الأسفل من الدول ذات المخاطر العالية على مستوى النزاهة والحوكمة.

 

تقارير الشفافية الدولية عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تصف الفساد بأنه "متجذر بعمق"، وتشير إلى أن معظم الحكومات فشلت في معالجة فساد القطاع العام، مع تأكيد أن الفساد في المنطقة يرتبط بضعف المؤسسات، وانكماش الفضاء المدني، وتعثر الإصلاحات، وهي أوصاف تنطبق بدرجة كبيرة على الحالة المصرية، حيث تتقلص مساحة النقد والمساءلة، بينما تتوسع صلاحيات الأجهزة التنفيذية والأمنية في إدارة الموارد والعقود بعيدًا عن الرقابة البرلمانية أو القضائية الفعالة.

 

في المقابل، تظهر دول عربية أخرى في مواقع أفضل بكثير؛ إذ حققت الإمارات 69 نقطة، وقطر 58 نقطة، والسعودية 57 نقطة، ما يعني أن الفساد – ورغم حضوره في المنطقة – يمكن كبحه عندما تتوافر إرادة سياسية وآليات رقابة أكثر صرامة، بينما استمرار مصر في موقع 30 نقطة يعكس – بحسب خبراء الحوكمة – فشلًا حكوميًا مزمنًا في تبني إصلاح مؤسسي جاد، لا مجرد إطلاق شعارات حول "مكافحة الفساد" دون إجراءات بنيوية.

الخبير في قضايا الحوكمة عمرو عادلي يؤكد أن تراجع أو ثبات مصر عند مستويات متدنية في المؤشر يعكس مشكلات هيكلية لا تُعالج بحملات إعلامية أو تغيير بعض الوجوه، بل تحتاج إلى إعادة بناء نظام المشتريات العامة، تقليص صلاحيات الجهات السيادية الاقتصادية، وتفعيل أجهزة الرقابة لتعمل باستقلالية حقيقية، وهي شروط لا تبدو الحكومة مستعدة لتوفيرها في ظل هيمنة أمنية وسياسية على مفاصل الدولة.

اقتصاد تحت هيمنة عسكرية وشبكات نفوذ.. عقود بالأمر المباشر ومال عام مهدَر
تحليلات متخصصة تربط تراجع موقع مصر في مؤشر الفساد بالتوسع الكبير في النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، التي تحظى بامتيازات واسعة لا تتوفر للقطاع الخاص، من السيطرة على الأراضي وملفات التخصيص، إلى الإعفاءات الضريبية والجمركية واحتكار بعض أنشطة الاستيراد والتصدير، مع غياب شبه كامل للشفافية حول ميزانيات هذه الكيانات وحجم أرباحها وخسائرها وكيفية إدماجها – أو عدم إدماجها – في الموازنة العامة.

 

التعاقدات الحكومية تُسند غالبًا بالأمر المباشر إلى شركات تابعة للجيش أو لجهات سيادية أو لشخصيات نافذة، في مشروعات بنية تحتية وإسكان وطرق وسلع استراتيجية، وهو ما يفتح – كما يشير خبراء الاقتصاد – الباب واسعًا أمام تضخيم أسعار العقود وإهدار المال العام على مشروعات لا تخضع لتنافس حقيقي في العطاءات، ولا لرقابة لاحقة على الجودة أو الكلفة الفعلية، في ظل برلمان ضعيف يتحول دوره من المراقبة إلى تمرير العقود والقوانين التي توسّع صلاحيات السلطة التنفيذية.

 

الاقتصادي د. زياد بهاء الدين حذّر في أكثر من مناسبة من أن توسّع الكيانات التابعة للمؤسسة العسكرية في القطاعات المدنية – من الأسمنت والحديد إلى الزراعة والتجزئة – يخلق تشوّهًا بنيويًا في السوق، حيث تجد الشركات الخاصة نفسها أمام منافس يتمتع بامتيازات ساحقة، ما يدفعها إما للخروج من السوق أو للبحث عن حماية سياسية خاصة بها، فيتحول الاقتصاد إلى شبكة مصالح مغلقة بين السلطة والشركات المحظية، ويصبح الفساد شرطًا ضمنيًا للبقاء في اللعبة، لا استثناءً يُعاقب.

 

جنائيًا، يتجلى الفساد الإداري في الرشاوى اليومية، وتعطيل مصالح المواطنين في المصالح الحكومية، والتوظيف المبني على المحسوبية والواسطة، لا على الكفاءة، بينما يظهر الفساد المالي في التهرب الضريبي المنظّم، والتلاعب في الدفاتر المحاسبية، وغسيل الأموال عبر شركات ومشروعات استهلاكية غامضة المصدر، وهي ممارسات توثقها تقارير دولية عن الاقتصاد غير الرسمي في مصر، الذي يمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي دون خضوع فعلي للضرائب أو الرقابة.

 

أما الفساد السياسي فهو القاعدة التي يرتكز عليها هذا البناء؛ إذ تُشوَّه العملية الانتخابية لصالح نخبة ضيقة، يُشترى فيها النفوذ مقدمًا عبر تمويل الحملات وضمان مقاعد بعينها، ثم يُستغل هذا النفوذ لاحقًا داخل البرلمان وفي أجهزة الدولة لتحقيق مصالح خاصة، من تمرير قوانين لصالح مستثمر بعينه، إلى تسهيل تخصيص أراضٍ أو تراخيص لمشروعات غير شفافة، في غياب إعلام مستقل قادر على كشف هذه الشبكات، بعد إخضاع أغلب المؤسسات الصحفية لقنوات تمويل وسيطرة مرتبطة بالمخابرات والجهات السيادية.

 

الخبير السياسي د. ناثان براون يشير في دراسات عن مصر إلى أن "الفساد ليس انحرافًا عن النظام القائم، بل جزء من آلية عمله"، حيث تُستخدم شبكات الزبائنية والمحسوبية لضمان الولاء السياسي، ويُغض الطرف عن الفساد ما دام لا يهدد استقرار السلطة، بينما يُستخدم شعار "مكافحة الفساد" انتقائيًا ضد خصوم أو مسؤولين انتهت صلاحيتهم، في رسائل انتقائية لا تغيّر من القاعدة العامة.


تكلفة سياسية واقتصادية واجتماعية باهظة.. بيئة عالية المخاطر وفقر متزايد واستقرار هش

 

هذا المستوى من الفساد له ثمن مباشر على صورة مصر الخارجية ومكانتها الاقتصادية؛ فوكالات التصنيف الائتماني، وصناديق الاستثمار، وصنّاع القرار في الشركات الكبرى، ينظرون إلى مؤشرات مثل الفساد، والفقر، والجريمة، واستقلال القضاء، لتقييم المخاطر السياسية والاقتصادية، لا إلى الدعاية الرسمية أو مشروعات الشو الإعلامي، وحين تسجل دولة ما 30 نقطة فقط في مؤشر الفساد، مع معدلات فقر تتجاوز 30% رسميًا، فإن الرسالة واضحة: بيئة عالية المخاطر، وضعف في سيادة القانون، وقابلية مرتفعة للصدمات.

 

بيانات البنك الدولي ومنصات اقتصادية تشير إلى أن نسبة الفقر في مصر دارت حول 32.5% في 2018/2019، مع حديث حكومي عن تراجعها إلى 29.7% في 2019/2020، قبل أن تعود تقديرات دولية لاحقة لتشير إلى مستويات قريبة من 33–34% في 2021، وهو ما يعني أن ثلث السكان تقريبًا يعيشون تحت خط الفقر، في بلد يُنفق مليارات الدولارات على مشروعات رأسمالية ضخمة لا تخضع لنقاش عام حقيقي حول أولوياتها، ولا لرقابة صارمة على تكلفتها أو جدواها.

 

نتيجة لهذه الصورة، تتردد الاستثمارات طويلة الأمد في الدخول إلى السوق المصري، أو تفضّل قطاعات محمية بعقود حكومية وضمانات سيادية، بينما يظل الاعتماد على "الأموال الساخنة" – استثمارات قصيرة الأجل في أدوات الدين – أحد المسارات الرئيسية لجذب العملة الصعبة، وهو مسار عالي المخاطر، يتأثر سريعًا بأي تغير في أسعار الفائدة عالميًا أو في تقييم المخاطر السياسية، ويضع الاقتصاد تحت رحمة خروج مفاجئ لتلك الأموال عند أول إشارة توتر.

الخبير الاقتصادي د. عاطف كامل يؤكد أن الفساد المؤسسي يجعل أي إصلاح اقتصادي عميق شبه مستحيل؛ لأن الإصلاح يتطلب شفافية في العقود، وإصلاحًا للنظام الضريبي، ومراجعة لمشروعات غير منتجة، بينما تستفيد من الوضع الحالي شبكة مصالح تمتد من كبار المقاولين إلى مسؤولي الأجهزة السيادية، ما يجعلهم – بحكم مصلحتهم المباشرة – عائقًا أمام أي محاولة جادة لتغيير قواعد اللعبة.

أمنيًا وسياسيًا، تربط دراسات عديدة بين ارتفاع مستويات الفساد وتزايد احتمالات الاحتجاجات وعدم الاستقرار؛ فالأجيال الشابة، خصوصًا جيل الألفية، قادت في 2025 موجة عالمية من الاحتجاجات المناهضة للفساد في دول عدة تقع في النصف الأدنى من المؤشر، كما توضح تقارير الشفافية الدولية، وهو نمط قابل للتكرار في مجتمعات تشهد فجوة متزايدة بين خطاب رسمي يتحدث عن "الجمهورية الجديدة" وواقع يومي يلمس فيه المواطن أن الفساد والواسطة هما الطريق الأسرع للحصول على حقه أو حماية نفسه من التعسف.

 

في هذا المشهد، تصبح سياسات التضييق على الصحافة، وحجب المواقع الإخبارية المستقلة، واعتقال الصحفيين، والسيطرة على المنصات الإعلامية عبر أذرع أمنية واقتصادية، جزءًا من منظومة حماية الفساد، لا مجرد انتهاكات منفصلة لحرية التعبير؛ فالنظام الذي يغرق في مستويات عالية من الفساد يخشى كشفه أو انتقاده، لأن أي تحقيق حقيقي في ملف واحد يمكن أن يفتح خيطًا يقود إلى رأس المنظومة السياسية والاقتصادية، وليس فقط إلى موظف صغير.

 

الخبير في دراسات الفساد ألفريد موبيور يذكّر بأن التجارب الدولية تثبت أن الفساد المتجذر، حين يقترن بضعف النمو الاقتصادي وارتفاع الفقر وتراجع الثقة في المؤسسات، يصبح عاملًا رئيسيًا في تفكك الدول، أو في دخولها دوامة اضطرابات سياسية واقتصادية يصعب التنبؤ بمآلاتها، وهو تحذير ينسحب على الحالة المصرية، حيث يمتلك النظام وحده – بحكم سيطرته شبه المطلقة على مفاصل الدولة – قرار الإصلاح أو الاستمرار في المسار الحالي الذي يقود إلى مزيد من الانسداد السياسي والإخفاق الاقتصادي والفساد المؤسسي.

 

في النهاية، يكشف موقع مصر في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 عن حقيقة لا يمكن تجميلها بالدعاية؛ دولة محكومة بشبكة مصالح مغلقة، لا تملك حتى الآن دافعًا ذاتيًا للإصلاح، لأن بنية حكمها نفسها قائمة على الفساد والمحسوبية، بينما يدفع المواطن الثمن اليومي في صورة فقر، وخدمات متدهورة، وفرص عمل محدودة، وانسداد في الأفق. ومع استمرار تجاهل هذه المؤشرات وتحويلها إلى مادة لخطاب رسمي دفاعي، يتزايد خطر أن يجد البلد نفسه في لحظة ما أمام دوامة اضطراب لا يمكن السيطرة عليها، بينما لا يملك المجتمع سوى الاستمرار في كشف الحقيقة والتنبيه إلى خطورة المسار، في مواجهة حكومة تبدو حتى الآن عازمة على إنقاذ منظومة الفساد من المساءلة أكثر من إنقاذ الدولة من السقوط.