بعد 3 سنوات من الترقب، تلقّى خريجو كليات الصيدلة دفعة 2023 ما يرونه "الضربة الأخيرة": قرار رسمي من اللجنة العليا للتكليف، في 19 فبراير 2026، بتكليف 45% فقط من خريجي الصيدلة، و40% من أطباء الأسنان، و25% من العلاج الطبيعي، وفق نظام "التكليف حسب الاحتياج" بدل التكليف الكامل المعمول به لعقود.

 

طلب الإحاطة العاجل الذي تقدّم به النائب د. فريدي البياضي بشأن تعطّل تكليف خريجي الكليات الصحية جاء كإنذار سياسي، لكن جوهر الأزمة أعمق من سؤال برلماني؛ فهو يتعلق بمستقبل جيل كامل من خريجي الصيدلة يجد نفسه عمليًا "خارج الخدمة" في قلب منظومة صحية تعلن في الوقت نفسه عن عجز مزمن في القوى البشرية.

 

أرقام التكليف الجديدة: أغلبية خريجي الصيدلة خارج المنظومة

 

وفق القرار الأخير، سيُستدعى أقل من نصف خريجي الصيدلة دفعة 2023 للتكليف الحكومي، بينما يُترك 55% منهم خارج إطار التعيين، رغم أن دراستهم تمت وفق نظام كان يضمن عمليًا التكليف الكامل حتى دفعات قريبة.

 

الوضع يبدو أكثر قسوة في العلاج الطبيعي بتكليف 25% فقط، مقابل 40% في طب الأسنان، ما يعني أن الأغلبية في التخصصات الثلاثة لن تحصل على فرصة دخول المنظومة الحكومية، رغم التزامهم بالشروط القانونية التي يحددها قانون رقم 29 لسنة 1974، والذي يلزم الدولة بالحسم في أمر التكليف خلال سنة من التخرج، وهو ما تم تجاوزه بالفعل بالنسبة لدفعة 2023.

 

النائبة د. سارة النحاس، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، تربط بين هذه النسب وبين غياب خطة استراتيجية واضحة، وتقول إن خريجي الصيدلة دفعوا ثمن التوسع في إنشاء الكليات، بينما لم تُحدّث الدولة أدواتها للتخطيط ولا آليات توزيع الخريجين جغرافيًا ومهنيًا، مؤكدة أن الحل لا يكون بمجرد تقليص نسب التكليف، بل بوضع نظام يرتب الأولوية للمجموع، والاحتياج الفعلي، وطبيعة المحافظة، مع مراعاة ظروف الصيادلة الإناث.

 

هذا الطرح يعكس رؤية تعتبر قرار التكليف الأخير "إقرارًا بالأزمة لا حلًّا لها"، لأنه يحدد من سيدخل الخدمة الآن، لكنه لا يجيب عن سؤال مصير الباقين، ولا يقدّم تصورًا متكاملاً لكيفية استيعابهم في السوق خلال السنوات المقبلة.

 

نقيب صيادلة القاهرة د. محمد الشيخ يقدّم زاوية أخرى تعتمد على الأرقام؛ إذ يشير إلى أن مصر وصلت إلى نحو 330 ألف صيدلي مقيدين بالنقابة، بمعدل صيدلي واحد لكل 450 مواطنًا تقريبًا، مقابل معيار دولي شائع يقوم على صيدلي واحد لكل 5000 مواطن، أي أن مصر تتجاوز النسبة العالمية بما يقرب من 10 أضعاف.

 

من وجهة نظره، هذه الفجوة العددية تجعل استمرار نظام التكليف الكامل غير قابل للاستمرار، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن فتح كليات جديدة عوّض أي خفض جرى في أعداد القبول، وأن غياب التنسيق بين التعليم العالي والصحة جعل قرار "التكليف بالاحتياج" يأتي متأخرًا وبعد تراكم أعداد ضخمة من الخريجين.

 

فائض على الورق وعجز في الميدان: التناقض في سياسات القوى البشرية

 

المفارقة أن قرار تقليص التكليف يصدر في سياق تعلن فيه وزارة الصحة، والجهات الرقابية، عن عجز في بعض التخصصات، خاصة الأطباء والتمريض، بالتوازي مع التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، التي تحتاج إلى زيادة في القوى البشرية بجميع الفئات، لا تقليص مسارات دخول الخريجين.

 

تقارير مهنية تشير مثلًا إلى عجز يقترب من 75 ألف ممرض وممرضة حتى عام 2030، في حين يتم التعامل مع الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي باعتبارها تخصصات "متشبعة"، دون نشر حصر جغرافي دقيق للاحتياجات الفعلية لكل محافظة، أو إتاحة بيانات شفافة تفسر نسب 45% و40% و25% أمام الرأي العام والخريجين.

 

د. محفوظ رمزي، عضو مجلس نقابة صيادلة القاهرة، يضع الأرقام المصرية في مقارنة مباشرة مع دول أخرى؛ فمصر لديها نحو 32 صيدليًا لكل 10 آلاف نسمة، مقابل 10 لكل 10 آلاف في الولايات المتحدة، و9 في كندا، و7 في أستراليا، و12 في ألمانيا، ما يجعلها الأعلى عالميًا تقريبًا في نسبة الصيادلة إلى عدد السكان.

 

لكن رمزي يشدد على أن المشكلة ليست في "كثرة الصيادلة" بمطلق المعنى، بل في غياب تخطيط يعتمد على توصيف وظيفي واضح، وتوزيع جغرافي منضبط، وضبط منافذ مزاولة المهنة، بحيث تُستخدم هذه الكثافة في دعم مجالات كالرقابة الدوائية والبحث العلمي، بدل أن تتحول إلى بطالة مقنّعة أو صراع على عدد محدود من الصيدليات الخاصة.

 

من زاوية أكاديمية، يرى د. وليد بركات، أستاذ الأدوية والسموم بجامعة الزقازيق، أن جذور الأزمة تعود إلى التوسع غير المنضبط في كليات الصيدلة الحكومية والخاصة، مع تركّز أغلب الخريجين في العمل بالصيدليات الخاصة، بينما لم تُفعّل بعد بالشكل الكافي نظم الصيدلة الإكلينيكية داخل المستشفيات، والتي تتطلب وجود صيدلي ضمن الفريق الطبي في كل تخصص.

 

بركات يحذر أيضًا من أن سوق العمل الخارجي لم يعد قادرًا على استيعاب هذا الفائض، بسبب تزايد أعداد خريجي الصيدلة من مواطني دول الخليج وأوروبا، والاشتراطات الصارمة للمعادلات العلمية، ما يجعل "الهجرة" خيارًا أصعب مما يتصوره بعض الخريجين، ويزيد من خطورة تركهم خارج منظومة التكليف دون بدائل واضحة.

 

على الصعيد البرلماني، تعكس مداخلات نواب الصحة، ومنهم النائبة سارة النحاس، إدراكًا بأن استمرار التعامل مع خريجي دفعة 2023 بمنطق "الفائض" سيخلق فجوة ثقة بين الأجيال الجديدة ومؤسسات الدولة، خاصة أن دخولهم الكليات تم على أساس نظام تكليف كامل، وأن تغيير القواعد بعد التخرج يضرب مبدأ الاستقرار التشريعي والعدالة في الحقوق الوظيفية.

 

سيناريوهات الخروج: بين مراجعة الأعداد وتوسيع الدور المهني للصيدلي

 

نقيب صيادلة الإسكندرية د. محمد أنسي الشافعي يلفت إلى نقطة توازن مختلفة؛ فهو يعترف بزيادة أعداد خريجي الصيدلة خلال السنوات الماضية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه وجود احتياج حقيقي للصيادلة داخل القطاع الحكومي، إذا ما تم التوسع في شغل إدارات الجودة، ومكافحة العدوى، والترصد الوبائي، والسلامة والصحة المهنية، والعلاج الحر، بصيادلة مدرَّبين بدل تركها خارج حسابات التكليف.

 

الشافعي يذكر كذلك بأن تكليف دفعات الصيدلة، ومن بينها دفعتا 2022 و2023، حق قانوني مستند إلى قانون 29 لسنة 1974، وأن الحديث عن "التكليف حسب الاحتياج" كان يفترض أن يبدأ من حركة 2025 وفق توصية اللجنة العليا للتكليف، لا أن يُستبق على دفعة أنهت دراستها في ظل نظام مختلف.

 

في المقابل، تكشف تحركات خريجي دفعة 2023 خلال 2025 عن حالة قلق متراكمة؛ فقد طالبوا وزارة الصحة مرارًا بالإعلان عن حركة تكليفهم، وحذّروا من أن تطبيق نظام "الاحتياج" عليهم بعد مرور أكثر من عام على تخرجهم، ودون توضيح مصيرهم، يضعهم في منطقة رمادية لا هم فيها ملحقون بالدفعات التي كُلفت بالكامل، ولا هم جزء من النظام الجديد المبني على برامج "فارما دي" الممتدة.

 

هذه الحالة النفسية والمعيشية لا تنفصل عن أعباء اقتصادية حقيقية؛ فدراسة الصيدلة تمتد 5 أو 6 سنوات، وتتحمل فيها الأسر تكاليف دراسية ومعيشية مرتفعة، على أمل دخول أبنائهم مباشرة إلى مسار وظيفي مستقر عبر التكليف، ثم العمل الحكومي أو السفر، وهو ما لا يتحقق الآن لغالبية دفعة 2023.

 

داخل هذا المشهد، يأتي طلب الإحاطة الذي تقدّم به د. فريدي البياضي كمؤشر على أن الأزمة لم تعد شأنًا نقابيًا أو شبابيًا فقط، بل تحوّلت إلى ملف رقابي يمس التزام الحكومة بقراراتها السابقة وبالمواعيد القانونية، خاصة بعد الإعلان عن نتائج ترشيح خريجي بعض التخصصات عبر الموقع الرسمي، ثم تعطّل إصدار قرارات التكليف النهائية.

 

البياضي يربط بين احترام جدول التكليف وبين هيبة القانون وكفاءة منظومة الرعاية الصحية، معتبرًا أن ترك خريجي الكليات الصحية، وبينهم الصيادلة، في حالة "تعليق إداري" يقوّض ثقة المواطنين في قدرة الدولة على إدارة ملف الموارد البشرية الصحية وفق قواعد واضحة ومستقرة.

 

في ضوء مواقف الخبراء والنقابيين والنواب، تتبلور أربعة مسارات رئيسية للخروج من الأزمة من دون تجاهل حقوق دفعة 2023: أولها إعلان حصر تفصيلي وشفاف للاحتياجات الفعلية من الصيادلة على مستوى كل محافظة وجهة تابعة لوزارة الصحة، وثانيها إعادة تقييم نسب التكليف المعلنة بما يسمح برفعها تدريجيًا لتقليل فجوة البطالة وسط الخريجين.

 

المسار الثالث يتصل بإعادة هيكلة دراسة الصيدلة وتوصيف المهنة بما يربط التخصصات الفرعية بسوق العمل، من صيدلة إكلينيكية وتصنيع ورقابة وبحث علمي، وهو ما طرحه بوضوح د. وليد بركات، بينما يركز المسار الرابع على ضبط بوابة الدخول إلى المهنة، من خلال تقليل أعداد القبول بكليات الصيدلة، وتفعيل امتحان موحد لترخيص مزاولة المهنة، على غرار ما يجري في تخصصات طبية أخرى.

 

في النهاية، تكشف أزمة "خريجو الصيدلة خارج الخدمة" أن قرار التكليف الأخير ليس مجرد إجراء إداري لتوزيع دفعة 2023، بل مرآة لاختلال أوسع في إدارة موارد المنظومة الصحية بين فائض رقمي وعجز نوعي وتوزيع غير عادل، وأن أي معالجة لا تضع هذه الصورة الكاملة في الحسبان ستنتج أزمات متكررة مع كل دفعة جديدة، وتترك آلاف الخريجين عالقين بين الشهادة والواقع بلا مسار مهني واضح.