تستعد وزارة البترول المصرية لتصدير 4 شحنات غاز مسال جديدة بحمولة إجمالية 600 ألف متر مكعب، لصالح شركات أجنبية بينها شل وبتروناس، بقيمة تقارب 200 مليون دولار، لن تدخل إلى الخزانة العامة بل تُحوَّل مباشرة إلى حسابات الشركات العالمية كجزء من مستحقاتها المتراكمة لدى الحكومة، في وقت تعلن فيه الوزارة أن إنتاج الغاز يبلغ 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا مقابل استهلاك يصل إلى 6.2 مليار قدم مكعبة خلال الشتاء، أي فجوة تقارب 2 مليار قدم يوميًا تُسد عبر ضغط الاستهلاك واستيراد غاز من الخارج.

 

غاز يُصدَّر لسداد ديون الشركاء.. وفجوة محلية تُدار بالترقيع

 

المسؤول الحكومي أكد أن الشحنات الأربع، بواقع 150 ألف متر مكعب للشحنة، ستُخصص بالكامل للشركات الأجنبية كجزء من مستحقاتها على “إيجاس” ووزارة البترول، نظير حصول الدولة على حصة هذه الشركات من الغاز المنتج في الحقول المشتركة، أي أن الحكومة عمليًا تستخدم جزءًا من الغاز المصري لسداد ديون تراكمت نتيجة عجزها عن السداد النقدي في سنوات نقص الدولار.

 

هذه الخطوة تأتي بعد إعلان رسمي بسداد نحو 5 مليارات دولار من متأخرات شركات النفط والغاز الأجنبية، مع استهداف خفض المتبقي إلى 1.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، في محاولة لإقناع الشركاء بضخ استثمارات جديدة لتوقف نزيف تراجع الإنتاج.

لكن طريقة السداد – عبر شحنات مخصصة لا تستفيد منها الميزانية – تعني أن المجتمع لا يرى من صادرات الغاز إلا أرقامًا في بيانات رسمية، بينما عائدها الفعلي يذهب لسد فجوة ديون صُنعت بسوء إدارة ملف الطاقة والعملة خلال السنوات الماضية.

 

الخبير الاقتصادي د. ممدوح الولي يرى أن سداد جزء من المتأخرات للشركات ضرورة لتشجيع الاستثمار، لكن تحويل صادرات الغاز بالكامل لحساب الشركاء “يعكس مأزقًا حقيقيًا”، لأن الدولة تفقد في المقابل موردًا دولاريًا كان يمكن أن يخفف أزمة العملة، معتبرًا أن السبب الأصلي هو تراكم ديون الشركات بسبب تأخر السداد لسنوات، ثم اللجوء اليوم إلى بيع جزء من ثروة الغاز تحت ضغط الحاجة لا في إطار خطة متوازنة.

 

حكومة تصدّر من حوض شبه فارغ.. وتستغل انخفاض استهلاك الكهرباء بدل معالجة الجذر

 

المسؤول نفسه أوضح أن الشحنات ستُوجه أساسًا إلى السوق الأوروبية، وأن تدبير الكميات سيتم من إنتاج حقول جديدة وآبار مُنمّاة دخلت الخدمة منتصف 2025، مع استغلال تراجع استهلاك السوق المحلية من الغاز داخل محطات الكهرباء التقليدية لتوجيه كميات إلى مجمّع الإسالة في إدكو، بواقع شحنة قبل نهاية فبراير وشحنتين في مارس وشحنة رابعة في أبريل 2026، أي أن فرصة التصدير مرتبطة بانخفاض الضغط المحلي مؤقتًا، لا بوجود فائض مستقر.

 

الأرقام الرسمية نفسها تعترف بأن إنتاج الغاز الحالي 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، بينما الاستهلاك في الشتاء حول 6.2 مليار قدم، مع استهداف الوصول إلى 6.6 مليار قدم يوميًا خلال 5 سنوات عبر استثمارات جديدة. هذه الأرقام تعني أن مصر تتحرك حاليًا في هامش ضيق، لا يمتلك “فائضًا مريحًا” بل فجوة تُدار بالمناورة بين الضغط على الاستهلاك واستيراد غاز، ثم اقتناص نافذة موسمية قصيرة للتصدير من أجل سداد المتأخرات.

 

د. إبراهيم زهران، خبير الطاقة، انتقد في تصريحات سابقة المنطق الذي يتعامل مع الغاز وكأنه “فائض مطلق”، موضحًا أن تراجع إنتاج حقل ظهر وغيره، وعودة مصر لاستيراد الغاز المسال والتفاوض على شراء 40–60 شحنة لتغطية احتياجات 2025، يعني أن الحديث عن “مركز إقليمي للطاقة” لا يستند إلى وفرة حقيقية، بل إلى إدارة قصيرة المدى لثروة متراجعة. ويرى أن تصدير شحنات لسداد مستحقات الشركاء بينما البلد يحتاج لاستيراد شحنات أخرى لاحقًا “نموذج لإدارة مالية، لا لإدارة موارد”.

 

الخبير الاقتصادي إلهامي المرغني يشير إلى أن التحول من مُصدر صافٍ إلى مستورد صافٍ للغاز ثم العودة المؤقتة للتصدير لإرضاء الشركاء يخلق “دائرة مفرغة”، يدفع ثمنها المواطن في صورة انقطاعات كهرباء موسمية ورفع أسعار الطاقة على الصناعة، بينما تُعلن الحكومة عن كل شحنة تصدير باعتبارها إنجازًا، دون الإفصاح عن صافي موقف الطاقة بعد حساب الواردات والالتزامات المحلية.

 

خطط خمسية وشعار “مركز إقليمي”.. مقابل واقع ديون وإنتاج متراجع

 

وزارة البترول تعرض الخطوة كجزء من خطة لتحفيز الشركاء الأجانب على ضخ رؤوس أموال دولارية جديدة لرفع الإنتاج إلى 6.6 مليار قدم مكعبة، وتربط ذلك باستمرار سداد المستحقات وتعديل تسعير الغاز في العقود الجديدة، لكن هذا يعني أن زيادة الإنتاج مرهونة بتقديم مزيد من التسهيلات للشركات، من سعر مرتفع للغاز المنتج إلى منحهم حق تصدير جزء من حصتهم مباشرة، أي مزيد من تنازلات الدولة عن جزء من سيطرتها على مورد استراتيجي.

 

الوزير كريم بدوي تحدث في لقاءات مع مسؤولي الشركات العالمية خلال فبراير عن “مرحلة جديدة” في التعاون، تتضمن تطوير تكنولوجيا الحفر وتنمية الحقول، ومضاعفة إنتاج الزيت الخام خلال 5 سنوات، لكن خبراء يشيرون إلى أن الخطاب الرسمي يكرر منذ سنوات وعود “القفزة الإنتاجية” بينما تشير بيانات 2021–2025 إلى تراجع واضح في إنتاج الغاز من ذروته عند 6.6 مليار قدم إلى حوالى 4 مليارات قدم منتصف 2025، ما يجعل الحديث عن مضاعفة الإنتاج أقرب إلى تعويض التراجع لا تحقيق طفرة جديدة.

 

د. عمرو الشوبكي، الباحث في الشأن العام، يرى أن خطاب “مصر مركز إقليمي للطاقة” لم يُصاحبه نقاش شفّاف حول تكاليف الوصول لهذا المركز، سواء في شكل ديون للشركات الأجنبية، أو التزامات استيراد غاز من إسرائيل، أو منح حصص تصدير للشركاء لسداد متأخرات، معتبرًا أن المواطن يسمع عن “مركز إقليمي” بينما يواجه زيادة في أسعار الكهرباء والوقود، وما زالت الحكومة تشتري غازًا ثم تعيد تصديره بعد إسالته لصالح شركات أجنبية.

 

المستشار الاقتصادي د. عامر الشوبكي حذر في تحليلات منشورة من أن سوء إدارة ملف الغاز، وعدم الاستثمار في وقت مبكر في بدائل وكفاءة الطاقة، جعل مصر رهينة لتقلبات الإنتاج والأسعار العالمية، وأن الاعتماد على وعود استكشافات جديدة دون معالجة جذور أزمة تسعير الطاقة وتراكم ديون الشركاء يضع البلاد أمام مخاطر متكررة، من عجز صيفي إلى اضطرار لعقود استيراد مكلفة لسد العجز.

 

بين مستحقات الشركاء وحقوق المواطنين.. من يملك قرار الغاز؟

 

خلف قرار تصدير 4 شحنات لصالح الشركات الأجنبية يظهر نموذج صارخ لسياسة ترى في الغاز أداة لتسوية حسابات مع المستثمرين أكثر منه رصيدًا استراتيجيًا لاقتصاد مأزوم: شحنات بحوالي 200 مليون دولار لا تمر على الخزانة، تُقدَّم لضمان استمرار الشركاء في ضخ استثمارات، بينما تبقى فجوة 2 مليار قدم يوميًا على عاتق المواطن، في صورة ترشيد قسري أو ارتفاع أسعار وتوتر دائم قبل كل صيف.

 

هذه السياسة لا تنفصل عن تراكم اختلالات أوسع في ملف الطاقة: تراجع إنتاج حقل ظهر، الاعتماد على غاز مستورد من إسرائيل يشكل 15–20% من الاستهلاك، مفاوضات لشراء عشرات الشحنات من الغاز المسال للسنوات المقبلة، وسداد مليارات الدولارات لمستثمرين أجانب بالتقسيط، بينما لا يُطرح للنقاش مجتمعيا سوى عناوين عن “نجاح مصر في تصدير شحنات جديدة”.

 

في المحصلة، قرار تصدير 4 شحنات غاز مسال لصالح الشركات الأجنبية لسداد جزء من مستحقاتها يكشف جوهر المعادلة الحالية: حكومة تبحث عن استمرار تدفق الاستثمارات بأي ثمن، حتى لو كان جزءًا من ثمنه حرمان الاقتصاد من مورد دولاري نادر، وتحمّل المجتمع أعباء فجوة غاز داخلية.

السؤال الذي لا يطرح رسميًا هو: متى تتحول سياسة الغاز من إدارة أزمة ديون وعلاقات مع الشركات الأجنبية، إلى سياسة طاقة وطنية تبدأ من حق المواطن في أمن طاقي مستقر، قبل حق الشريك في شحنات مضمونة إلى أوروبا؟