دراسة علمية حديثة في المجلة الدولية للحد من مخاطر الكوارث (عدد فبراير 2026) حذّرت من مؤشرات مقلقة تتعلق بأمان سد النهضة، بعد رصد هبوط أرضي وتسربات مائية ونشاط زلزالي قرب السد باستخدام صور أقمار صناعية وتقنيات استشعار عن بُعد، ما أعاد ملف السلامة الإنشائية للسد إلى واجهة النقاش الإقليمي.

 

مؤشرات هبوط وتسرب ونشاط زلزالي… ماذا تقول الدراسة وخبراء الجيولوجيا؟

 

الدراسة اعتمدت على تحليل بيانات رادار فضائي لرصد تغيرات millimetre-level في ارتفاعات سطح الأرض حول جسم السد وخزانته، وأشارت إلى وجود هبوط تفاضلي في بعض المناطق يصل إلى نحو 40 ملم، مع رصد تسربات مائية كبيرة داخل جسم السد وحول الخزان، وتوافق هذه الظواهر مع خطوط صدوع جيولوجية معروفة في نطاق الأخدود الإفريقي الشرقي.

 

البروفيسور هشام العِسكري، أستاذ الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض بجامعة تشابمان وأحد أبرز من درسوا المنطقة، أوضح في أكثر من مقابلة أن بيانات الرادار الاصطناعي كشفت اختلافًا واضحًا في سلوك الأرض بين الجهة الشرقية والغربية للسد، ووجود مناطق ضعيفة تحت جسم السد والسد الركامي (السد السرج)، مع رصد هبوط رأسي متواصل تزامن مع عمليات الملء الأولى، وظهور “تموجات مائية” عند حافة الجسم الخرساني، ما يعكس ضغطًا غير متجانس على القشرة الأرضية.

 

العِسكري أشار كذلك إلى ارتفاع معدل الزلازل في إثيوبيا بعد بناء السد، موضحًا أن المنطقة أصلًا نشطة زلزاليًا، لكن تزايد الهزات ووقوع إحداها عام 2023 على بُعد نحو 100 كيلومتر من السد أمر “مثير للقلق”، مع التأكيد أن الدراسات حتى الآن لا تجزم بأن بحيرة السد هي سبب الزيادة، لكنها تشير إلى “شيء غير طبيعي يحدث في النظام الجيولوجي المحيط”.

 

هذه النتائج دفعت بعض خبراء المخاطر الجيولوجية، مثل د. عباس شراقي (أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة)، إلى التحذير من أن أي خلل في إدارة التخزين أو استجابة السد للضغوط الزلزالية قد ينعكس مباشرة على استقرار السدود السودانية على النيل الأزرق، خاصة الروصيرص، التي صُممت لأحجام تصريف أقل بكثير من سيناريو انهيار مفاجئ أو فتح اضطراري كبير في بوابات سد النهضة.

 

السودان “خط الدفاع الأول” ومصر في دائرة الخطر المؤجل

 

الدراسة الجديدة حذرت من أن انهيارًا جزئيًا أو كليًا – إذا وقع – قد يؤدي إلى موجة فيضانية هائلة تعبر الحدود نحو السودان ثم مصر، مع تأثير مباشر على ملايين السكان في دولتي المصب.

 

الدكتور محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، شدد في مداخلات سابقة على أن حجم السد وموقعه في منطقة جيولوجية معقدة “يفرض ضرورة مراجعات فنية دولية دورية”، مؤكدًا أن أي خلل هيكلي ستكون تداعياته “كارثية على السودان أولًا بحكم القرب”، حيث يمكن أن تتعرض مدن رئيسية على النيل الأزرق لموجة فيضانية مدمرة خلال ساعات قليلة، في حين ستصل التأثيرات إلى مصر لاحقًا وبشكل أكثر تدرجًا بفعل طول مجرى النهر.

 

في السودان، حذر خبير الموارد المائية الدكتور أحمد المفتي من أن انهيارًا مفاجئًا لسد النهضة قد يطلق موجة مائية تتجاوز قدرة سدود الروصيرص وسنار على الاستيعاب، مشيرًا إلى أن الكثافة السكانية العالية على ضفاف النيل الأزرق تجعل المخاطر الإنسانية “جسيمة”، وأن السودان عمليًا هو “خط الدفاع الأول” في مواجهة أي خلل، ما يستدعي آلية تنسيق فني دائم وتبادل لحظي للبيانات بين أديس أبابا والخرطوم والقاهرة.

 

على الجانب المصري، يؤكد وزير الموارد المائية والري د. هاني سويلم في تصريحات رسمية أن القاهرة تتابع “عن كثب” كل ما يخص أمان سد النهضة والسدود في حوض النيل، وأن “أمن وسلامة المنشآت المائية مسألة لا تقبل المخاطرة”. تصريحات سابقة له ولوزارته تناولت طلب مصر توضيحات مكتوبة من إثيوبيا بشأن إجراءات السلامة، مع الإشارة إلى أن أي ضغط مائي غير محسوب قد يفرض ضغوطًا إضافية على السد العالي وبحيرة ناصر إذا وصلت موجة فيضانية كبيرة إلى الحدود المصرية.

 

خبراء هيدرولوجيا مصريون يقدّرون أن وجود السد العالي قد يمتص جزءًا من الصدمة مقارنة بالسودان، لكنه لن يمنع مخاطر على القرى والمدن والمنشآت الواقعة على مجرى النيل، خاصة إذا تزامن السيناريو مع مناسيب مرتفعة أصلًا أو موجات مطرية غير معتادة، وهو ما يجعل الحديث عن “أمان السد” قضية أمن قومي للسودان ومصر معًا، وليس ملفًا فنيًا إثيوبيًا داخليًا فحسب.

 

بين التحذير العلمي والقرار السياسي: الحاجة إلى فحص دولي وآلية رقابة مشتركة

 

إزاء هذه المعطيات، تتقاطع آراء خبراء السدود والري على ضرورة الانتقال من “الاطمئنان عبر التصريحات” إلى مراجعات سلامة مستقلة بمشاركة خبراء دوليين، باستخدام مزيج من القياسات الميدانية والتحليل الجيوفيزيائي وصور الأقمار الصناعية، خاصة مع ضخامة حجم الخزان وطبيعة التربة الصدعية المحيطة بالسد.

 

البروفيسور هشام العِسكري دعا صراحة إلى لجنة دولية تراقب “الحركة الرأسية والأفقية للأرض تحت جسم السد والسد السرج”، معتبرًا أن الاعتماد على بيانات إثيوبية غير متاحة للعلن لا يكفي لطمأنة دول المصب، وأن الأقمار الصناعية توفر إنذارًا مبكرًا لكنه لا يغني عن فحوص إنشائية مباشرة.

 

محمد نصر علام كان قد طالب في مناسبات سابقة بإحالة ملف أمان السد إلى مجلس الأمن أو إلى آلية أممية مختصة، بحجة أن الخطر المحتمل “يتجاوز حدود الدول الثلاث” ليمس السلم والأمن الإقليميين، وأن طول أمد الأزمة دون اتفاق ملزم على التشغيل والسلامة “يرفع منسوب المخاطر بدلًا من تقليصه”.

 

في المقابل، يدعو خبراء إدارة مخاطر الكوارث إلى إنشاء آلية رقابة إقليمية مشتركة، تضم إثيوبيا والسودان ومصر، تتابع مناسيب التخزين، وحالات السد، وتضع سيناريوهات طوارئ واضحة، من نظم إنذار مبكر إلى خطط إخلاء محتملة في المدن المعرضة للخطر. تحليلات منشورة في مجلات متخصصة في إدارة المخاطر تؤكد أن “الإدارة الاستباقية للمخاطر” هي الخيار الوحيد لتجنب تداعيات يصعب احتواؤها لاحقًا، خاصة في أحواض أنهار عابرة للحدود ذات منشآت عملاقة كحال سد النهضة.

 

بهذا المعنى، لا تقتصر أهمية الدراسة الجديدة على ما رصدته من هبوط وتسربات؛ بل على أنها تدقّ جرس إنذار علمي في لحظة سياسية حساسة، وتعيد طرح سؤال معلّق منذ بدء البناء: من يضمن أن السد، بحجمه وموقعه الجيولوجي وتعقيدات إدارته، لن يتحول من مشروع طاقة وتنمية إلى مصدر خطر عابر للحدود؟ الإجابة، في تقدير الخبراء، لن تأتي من طرف واحد، بل من شفافية بيانات، وفحوص دولية مستقلة، وآلية مشتركة تُشرك دول المصب في مراقبة ما قد يصبح أكبر عامل مخاطرة مائية في وادي النيل خلال العقود المقبلة.