مع استقبال شهر رمضان تشهد الأسواق زحامًا معتادًا، لكن الشكوى هذه المرة أكثر حدة.

المواطنون يتحدثون عن موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية ومستلزمات رمضان، بينما تتحدث حكومة السيسي عبر وزارة التموين عن خطط لـ“تحقيق التوازن في السوق” وتوفير كراتين وشنط مخفضة في المجمعات الاستهلاكية، في ظل غياب رقابة يشعر بها الناس على الأرض، وتفاوت واضح بين الرواية الرسمية وتجربة المستهلك اليومي.

 

خطط وزارة التموين ومعارض «أهلاً رمضان» بين الخطاب والواقع

 

وزارة التموين أعلنت قبل رمضان عن “خطة” بالتنسيق مع مديريات التموين في المحافظات، وحددت مستهدفات على الورق: توفير مستلزمات الشهر الكريم، وضخ السلع الأساسية بأسعار يفترض أنها أقل من السوق، وتجهيز كراتين وشنط رمضان في المجمعات لطرحها بكميات “وفيرة” وبأسعار “مخفضة”.

 

على الجانب الآخر، تتزايد شكاوى المواطنين من انفلات الأسعار، ويقلل كثيرون من أهمية المنافذ الحكومية، مؤكدين أن أغلب السلع تُباع بفروق محدودة عن السوق الحر، وأن التخفيضات الحقيقية تتركز في أصناف محدودة الكمية، بينما باقي السلع تسير مع موجة الغلاء نفسها.

المواطنون يرون أن هذه المنافذ تُستخدم أكثر في الدعاية الإعلامية، بينما أثرها الفعلي على فاتورة الأسرة محدود.

 

الدكتور علاء عز، مستشار رئيس اتحاد الغرف التجارية، يؤكد في تصريحات إعلامية أن أسعار السلع الأساسية قبل رمضان ٢٠٢٦ “أقل في مجملها” مقارنة بمواسم ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، وأن معارض “أهلاً رمضان” ومعها منافذ القوات المسلحة والداخلية والزراعة تطرح سلعًا بتخفيضات بين ١٥ و٢٥%، مع مخزون استراتيجي يكفي أكثر من ٦ أشهر.

لكن هذه الصورة الرسمية تصطدم بما يقوله المشترون عن نفاد السلع الأرخص سريعًا، وتركهم أمام أسعار لا تختلف كثيرًا عن السوق.

 

شهادات من الشارع: منافذ مزدحمة وكميات محدودة وأسعار تلتهم الدخل

 

علي محمود، مدرس ٥٥ عامًا، يلخص جانبًا من الأزمة بقوله إن أسعار السلع الأساسية قفزت مع دخول رمضان، خاصة الزيت والسكر، وإن منافذ “أهلاً رمضان” تقدم أسعارًا أقل نسبيًا، لكنها لا تغيّر الصورة العامة؛ لأنه عندما ينتقل بين أكثر من سوبر ماركت يجد الألبان والجبن ومعظم السلع عند مستويات مرتفعة، مع غياب فعلي للرقابة من موظفي التموين على التسعير أو هوامش الربح.

 

يوسف حسن، موظف، يقول إنه يلجأ للمعارض الحكومية فعلًا، لكن الكميات “قليلة وتنفد بسرعة”.

يذكر أنه ذهب إلى مجمع في العجوزة فوجد معظم السلع المنخفضة السعر قد اختفت من الرفوف، خاصة اللحوم والدواجن التي تشهد ارتفاعًا جنونيًا لدى التجار؛ فسعر كيلو الدواجن في المجمع ١١٠ جنيهات، بينما لدى “الفرّارجي” يصل إلى ١٣٠ جنيهًا، وسعر كيلو اللحمة داخل المجمع ٣٢٠ جنيهًا، بينما لدى الجزار الخارجي لا يقل عن ٤٤٠ جنيهًا، وهو فارق لا يمنع الإحساس بأن الأصل أصبح فوق قدرة الأسرة.

كما يشير إلى أن أسعار الأرز تبدأ من ٣٠ جنيهًا للكيلو، والمكرونة ٤٠٠ جرام بين ١١ و١٥ جنيهًا، والسكر بين ٢٩ و٣٥ جنيهًا، وهي مستويات ترهق أي دخل ثابت.

 

سعيد ربيع، عامل ٤٣ عامًا، يرى أن الأسعار في السلاسل الكبرى والهايبر ماركت “قريبة جدًا” من المنافذ الحكومية، وأحيانًا تكون أرخص في بعض العروض، مع تفاوت واضح في أسعار اللحوم والدواجن المجمدة؛ حيث تبدأ الدواجن من ١٠٠ جنيه للكيلو داخل بعض المنافذ، وتباع في الخارج بـ١٣٠ جنيهًا، بينما تتراوح أسعار اللحوم السوداني بين ٣١٠ و٣٢٠ جنيهًا، ويؤكد أن التجار يستغلون هذه الفترة لزيادة الأسعار اعتمادًا على ارتفاع الطلب.

 

سوزان علي، موظفة ٤٩ عامًا، تحكي أنها قطعت مسافة كبيرة للوصول إلى منفذ حكومي لشراء مستلزمات رمضان، لكنها فوجئت بنفاد بعض السلع مثل الدواجن المجمدة التي يبلغ سعرها حوالي ١٠٠ جنيه، بينما تباع خارج المنفذ بـ١٢٥ جنيهًا، وأن نصف كيلو اللحم المفروم وصل إلى ١٣٠ جنيهًا داخل المنفذ، وهو أقل من السوق لكنه يظل رقمًا ثقيلًا على ميزانية أسرة متوسطة.

وتشير إلى أن باقي السلع الأساسية لا تشهد تخفيضات كبيرة، ما يدفعها للمطالبة بزيادة عدد المنافذ وتوزيعها جغرافيًا بشكل عادل بدل اضطرار الناس لرحلات بحث طويلة من أجل فارق بسيط في السعر.

 

تضخم ممتد وطلب موسمي وفاتورة يدفعها المستهلك وحده

 

من زاوية أصحاب المحال، يعترف حمادة ناصر، صاحب سوبر ماركت، بأن الأسعار ارتفعت بالفعل مع اقتراب رمضان “بسبب زيادة الطلب”.

يوضح أن كيلو السكر ارتفع من ٢٨ إلى ٣١ جنيهًا، وسعر الأرز الجيد من ٣٠ إلى ٣٣ جنيهًا، وزجاجة زيت عباد الشمس ٨٠٠ مل من ٦٣ إلى ٦٥ جنيهًا، ويشير إلى أن بعض الشركات وتجار الجملة يرفعون الأسعار استباقيًا مع تكالب المواطنين على الشراء والتخزين، ما يخلق ارتباكًا في السوق ويغذي حلقة مفرغة من توقع الزيادة ثم التسابق على الشراء خوفًا منها.

 

هذه الصورة اليومية ترتبط بسياق تضخمي أوسع.

الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وعضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، يشير في تحليلاته إلى أن التضخم في مصر أصبح “شاملًا” يطال معظم المجموعات السلعية، وأن الزيادات لا تقتصر على بنود محددة، بل تمتد إلى السلع الأكثر تأثيرًا على حياة المواطنين، وهو ما يفسّر شعور الأسر بأن كل زيارة للسوق تكشف عن سعر جديد.

 

من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من الخلط بين تراجع “نسبي” في أرقام التضخم وبين تحسن حقيقي في معيشة الناس، موضحًا أن انخفاض التضخم الناتج عن ضعف القدرة الشرائية وتراجع الإقبال على الشراء ليس مؤشر تعافٍ، بل علامة ركود، لأن المواطن يصبح عاجزًا عن ملاحقة الأسعار، فيقل استهلاكه مضطرًا، بينما تظل مستويات الأسعار نفسها مرتفعة.

 

في النهاية، يظهر مشهد رمضان هذا العام كتركيبة من ثلاث طبقات متوازية: تصريحات رسمية تتحدث عن تخفيضات ومخزون وافر، ومنافذ حكومية تطرح كميات محدودة من السلع الأرخص التي تنفد سريعًا، وسوق حر يواصل رفع الأسعار تحت غطاء “زيادة الطلب” و“تكاليف الإنتاج”، بينما يواجه المواطن – من علي المدرس إلى سوزان الموظفة وحمادة التاجر الصغير – تضخمًا مزمنًا ورقابة باهتة، فيجد نفسه مضطرًا إلى تقليص الكميات، أو الاكتفاء بالضروريات، في شهر يفترض أن يكون شهر كرم وراحة لا شهر حسابات مرهقة على باب كل محل وبقالة ومجمع استهلاكي.