على خلاف موقفها قبل سنوات، رصد مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث ضغوطًا تمارسها العديد من دول الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة لمنع الولايات المتحدة من شن هجوم على إيران. 

 

وقال غالب دالاي زميل استشاري أول مبادرة تركيا ببرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنه قبل فترة وجيزة، كان معظم قادة الشرق الأوسط يشعرون بالإحباط من الولايات المتحدة لعدم اتخاذها موقفًا أكثر حزمًا تجاه إيران. 

 

واستشاط العديد من النخب الإقليمية غضبًا من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لاتباعها نهجًا دبلوماسيًا مع طهران، وتبنيها موقفًا متساهلاً، وإعطائها الأولوية للاتفاق النووي، الذي تُوّج باتفاق لم يدم طويلاً.

 

وفسر المحلل السبب وراء ذلك بأنه كان يُنظر إلى إيران على نطاق واسع على أنها تهديد كبير للاستقرار الإقليمي. 

 

وأشار إلى أنه بين عامي 2003 و2023، ازداد نفوذ إيران في المنطقة، ففي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ازداد نفوذ طهران فيه، إلى جانب تحالفها التاريخي مع سوريا (في ظل نظام الأسد المخلوع)، ونفوذها الكبير في لبنان عبر حزب الله، كما شهد الصراع في اليمن تعميق نفوذ إيران فيه من خلال تحالفها مع الحوثيين. 

 

وأنشأت إيران شبكة قوية من الحلفاء في المنطقة، تُعرف باسم "محور المقاومة"، وكانت هذه الشبكة التي تتمحور حولها في السابق وسيلة بالغة الفعالية لطهران، لاستغلال الصراعات وعدم الاستقرار وتعميق نفوذها. وقد خشي القادة العرب منها فقد وصفها الملك عبد الله الثاني ملك الأردن بأنها "هلال شيعي" ناشئ، في أعقاب غزو العراق.

 

معارضة إقليمية للهجوم الأمريكي على إيران

 

لكن اليوم، ومع وجود احتمال حقيقي لعمل عسكري أمريكي ضد إيران، لاحظ التحليل سعي دول المنطقة جاهدةً لكسب تأييد الولايات المتحدة وثنيها عن الهجوم. وقد كثّفت عُمان وقطر وتركيا جهودها للتوسط. كما دعت السعودية ومصر إلى خفض التصعيد واللجوء إلى الدبلوماسية. 

 

وفسر هذا التحول اللافت، بتضاؤل قوة إيران وطموحاتها في المنطقة، وتراجع احتمالية قيام نظام يتمحور حولها. علاوة على تغير التهديدات بالنسبة لقادة الشرق الأوسط؛ فالمخاطر الأكبر الآن تتمثل في إسرائيل التوسعية والعدوانية، وفوضى انهيار الدولة الإيرانية المحتمل.

 

وذكر أن "محور المقاومة"، الذي كان في يوم من الأيام شبكة قوية، يتحول تدريجيًا إلى مقاومة بلا محور، وقد تضرر بشدة منذ هجمات حماس عبر الحدود في 7 أكتوبر 2023، والحرب على غزة، وسلسلة من الحملات العسكرية الإسرائيلية.

 

ورصد التحليل التطورات التي شهدتها المنطقة مع تراجع نفوذ حزب الله في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة. وسقوط الأسد في سوريا، وتعرض الميليشيات الشيعية العراقية والحوثيين في اليمن لضغوط متزايدة. 

 

كما ضعفت إيران نفسها جراء الأضرار التي لحقت بشبكتها، وحرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، والضربة الأمريكية على منشأتها النووية، وأدى ذلك بدوره إلى تقليص التهديد الإيراني لدول المنطقة.

 

قلق من توسع إسرائيل

 

وعلى النقيض من ذلك، فقد ازداد توسع إسرائيل وعدم القدرة على التنبؤ بها، مما يثير قلقًا متزايدًا لدى الدول المجاورة لها. 

 

وأشار هجومها على الدوحة في سبتمبر 2025 على وجه الخصوص إلى استعداد إسرائيل لخرق التفاهمات الشائعة حول الأمن الإقليمي والمظلة الأمنية الأمريكية، مما زاد من تصور منطقة الخليج للتهديد الناجم عن إسرائيل.  

 

ويسود الاعتقاد في المنطقة بأنهم بالغوا في تقدير الخطر الإيراني، وقللوا من شأن الخطر الإسرائيلي. وكلما قلّ شعور قادة المنطقة بالخطر الإيراني، ازداد شعورهم بالتهديد الإسرائيلي وسعوا إلى موازنة قوته.

 

كيفية التعامل مع إيران

 

رأى التحليل أن طبيعة التغيرات في تصورات دول المنطقة للتهديدات تؤثر على استراتيجياتها تجاه إيران. وبشكل عام، هناك ثلاثة مناهج سياسية رئيسة: تغيير النظام، والاحتواء، والرد السياسي.

 

ولا تزال الولايات المتحدة وإسرائيل متمسكتين بالنهجين الأولين. وقد شهدت بعض دول المنطقة في بعض الأحيان تبني عناصر من هذين النهجين. ففي عام 2018، خلال ولاية ترامب الأولى، حاولت الولايات المتحدة إنقاذ التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط (MESA)، المعروف باسم حلف شمال الأطلسي العربي، الذي كان يتألف من ست دول خليجية، بالإضافة إلى مصر والأردن، كحصن منيع ضد إيران.

 

لكن في سياق ما بعد أحداث 7 أكتوبر، فإن سياسات تغيير النظام والاحتواء لا تجد آذانًا صاغية بين الدول العربية.

 

ويُنظر إلى تغيير النظام، عبر الحرب، على أنه أمر بالغ الخطورة، كما يذكر التقرير. إذ لا توجد معارضة منظمة وشعبية وذات مصداقية على مستوى البلاد في إيران، والنظام والدولة متشابكان لدرجة أن أي انهيار للنظام يُنذر باحتمال انهيار الدولة، أو بتحول النظام إلى كيان أكثر عسكرة. 

 

تداعيات انهيار الدولة في إيران 

 

وحذر التحليل من أن تداعيات انهيار الدولة ستتجاوز بكثير ما شهده الشرق الأوسط نتيجة للصراع في العراق أو سوريا أو اليمن، سواء كان ذلك في شكل عدم استقرار، أو هجرة، أو تطرف، أو انتشار الجماعات المسلحة، أو امتداد إقليمي. 

 

كما أن التركيبة السكانية لإيران، مع وجود أقليات عرقية كبيرة متمركزة في مناطق محددة من البلاد، تزيد من المخاوف من أن تصبح البلاد متشرذمة داخليًا، بحسب التحليل. 

 

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد قادة المنطقة على نطاق واسع أن إقصاء إيران من المعادلة سيشجع إسرائيل على محاولة إعادة تشكيل المنطقة على صورتها - وهو أمر مرفوض بالنسبة لمعظم دول المنطقة. 

 

ورأى التحليل أن عدم وضوح موقف ترامب بشأن حجم وهدف أي خيار عسكري يزيد من المخاوف الإقليمية بشأن تداعيات ضربة عسكرية محتملة.

 

وكان احتواء إيران أحد العناصر الأساسية للمبادرات الإقليمية المدعومة من الولايات المتحدة، مثل اتفاقيات أبراهام، والتي قامت على فكرة نظام قائم على التعاون العربي الإسرائيلي ضمن إطار يتمحور حول الولايات المتحدة.

 

وربما كان منطق الاحتواء هذا أكثر ملاءمةً للسياسة الإسرائيلية منه لدول الخليج العربي، لكن الأخيرة تتخلى بشكل متزايد عن هذه الاستراتيجية. ففي الشرق الأوسط، نادرًا ما حققت سياسات الاحتواء النتائج المرجوة، إذ فشلت في الاحتواء، بل ساهمت في زيادة الاستقطاب والتشرذم الإقليمي.

 

ونظرًا للتكلفة الباهظة والمخاطر المرتبطة بالخيارين الأولين، تبنت دول المنطقة بشكل متزايد نهجًا قائمًا على السياسات تجاه إيران. وهذا يعني معارضة بعض السياسات الإيرانية والتصدي لها بدلاً من السعي لتغيير النظام، أو فرض حصار شامل. وفي النزاع الأمريكي الإيراني المستمر، يُعدّ برنامج طهران النووي، وصواريخها الباليستية، وشبكتها الإقليمية وسياستها، العناصر الأساسية.

 

وفقًا للتحليل، تعارض دول المنطقة توجيه ضربة أمريكية لإيران كوسيلة لحل هذه القضايا، لكنها في الوقت نفسه تشعر بالقلق إزاءها. ويُعدّ رفض شبكة الوكلاء الإيرانية موقفًا سياسيًا مشتركًا يوحد معظم دول المنطقة، وبالمثل، لا ترغب هذه الدول في رؤية إيران تمتلك أسلحة نووية، مع أنها لا تعتقد أن ذلك مرجح الحدوث في المستقبل القريب.

 

معارضة إيران للمسار الدبلوماسي الإقليمي

 

وإدراكًا منها للمخاوف الإقليمية بشأن العناصر الأساسية للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، أوضح التحليل أن طهران لا تُبدي رغبة كبيرة في اتباع نهج دبلوماسي لا يقتصر على الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل يشمل أيضًا دولًا إقليمية، كما اقترحت تركيا. 

 

وثمة سبب آخر محتمل لمعارضة إيران لمسار دبلوماسي أوسع، كما يذكر التحليل، وهو أنه في حال فشل الدبلوماسية في مفاوضات ثنائية، يُمكن لإيران إلقاء اللوم على الولايات المتحدة لسوء نيتها، بينما قد يُتيح تنسيق أوسع للدول الإقليمية تحميل إيران جزءًا من المسؤولية عن تعنّتها.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/02/why-are-middle-eastern-governments-lobbying-against-us-attack-iran