اعتمد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي مبادرة «كاري أون» مشروعًا قوميًّا لإنشاء 40 ألف متجر حضري بهوية بصرية موحدة تحمل شعار زهرة اللوتس، عبر إعادة هيكلة وتطوير منافذ قطاع المجمعات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، في خطوة تقدمها الحكومة باعتبارها تنظيمًا للسوق ورفعًا لكفاءة الإمداد، بينما يقرأها كثيرون كتوسع جديد للحضور الاقتصادي المباشر للدولة في واحد من أكثر القطاعات حساسية للمواطنين، وهو قطاع تجارة السلع الغذائية والاستهلاكية اليومية.

 

تقول الحكومة إن المشروع لا يقتصر على تغيير لافتة أو شكل، بل يشمل توحيد اسم وشكل المنافذ التموينية، التي تضم المجمعات الاستهلاكية ومشروع «جمعيتي» والبقالين التموينيين، مع تطوير الخدمات ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، بحيث تصبح هذه المنافذ أقرب في نموذجها إلى سلاسل التجزئة الحديثة، وهو ما يعني عمليًّا بناء شبكة بيع ضخمة بتمويل وإدارة حكومية أو شبه حكومية، وانتشارها على مستوى الجمهورية تحت علامة تجارية واحدة يسهل ترويجها وتسويقها للمستهلكين.

 

هوية موحدة وسلسلة ضخمة تحت إدارة الدولة

 

تقدم الحكومة مشروع «كاري أون» باعتباره إعادة هيكلة لمنافذ قائمة منذ عقود، لا دخولًا جديدًا للدولة إلى مجال لم تكن حاضرة فيه، وتشير البيانات الرسمية إلى أن التطوير يستهدف توحيد الهوية البصرية والاسم والعرض داخل منافذ التموين، مع الاعتماد على شعار زهرة اللوتس كرمز رئيسي، بما يمنح المشروع حضورًا بصريًّا واضحًا في الشارع، ويميزه عن المحال الخاصة الصغيرة والسلاسل المحلية الموجودة بالفعل في المدن والقرى والأحياء الشعبية.

 

المنطق المعلن للمشروع يقوم على فكرة أن تجميع منافذ المجمعات الاستهلاكية ومشروع «جمعيتي» والبقالين التموينيين تحت علامة واحدة، مع تحسين الإدارة وتطوير المخازن والنقل والعقود مع الموردين، يمكن أن يخلق كيانًا تجاريًّا واسع النطاق، قادرًا على التفاوض على أسعار أفضل مع الشركات المنتجة والمستورِدة، ومن ثم إتاحة السلع للمستهلك النهائي بسعر أقل نسبيًّا، مقارنة بما هو متاح في المحال الصغيرة التي تعمل بقدرات تمويلية محدودة وهوامش ربح ضيقة وغير مستقرة.

 

الإعلان عن المشروع جاء خلال اجتماع ضم السيسي ورئيس الوزراء ووزير التموين ووزير الزراعة، خُصص لمتابعة الاستعدادات لشهر رمضان، حيث استُعرضت توافر السلع الأساسية ومعارض «أهلاً رمضان» التي تعِد الحكومة بأنها ستقدم خصومات بين 15 و25 في المائة، إلى جانب تجهيز 2.5 مليون كرتونة وحقيبة رمضانية، ما يربط بين إطلاق «كاري أون» وبين سياق سياسي واجتماعي حساس، تسعى فيه السلطة إلى إظهار أنها تتحكم في الأسواق وتؤمّن احتياجات المواطنين رغم الضغوط الاقتصادية المتصاعدة.

 

وخلال الاجتماع شدد السيسي على المتابعة اليومية للأسواق وضبط الأسعار وضمان جودة المنتجات ونسب التخفيضات، وهو خطاب يتكرر في بيانات رسمية عديدة، لكنه هذه المرة يأتي متزامنًا مع إطلاق مشروع جديد يمنح أجهزة الدولة أدوات إضافية للتأثير في السوق من خلال منافذ بيع تمتلكها أو تديرها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وليس فقط عبر أجهزة الرقابة أو حملات التفتيش على التجار والمنتجين في القطاع الخاص كما كان يجري في السابق.

 

“مرساة سعرية” أم منافسة غير متكافئة مع الصغار؟

 

تقول الحكومة إن «كاري أون» يستهدف خلق «مرساة سعرية» داخل السوق، بحيث تصبح أسعار تلك المنافذ مرجعًا لبقية التجار، وتراهن على أن وجود شبكة كبيرة بأسعار معلنة ومنتظمة قد يحد من المغالاة، ويوفر للمستهلك بديلًا منخفض التكلفة من دون اللجوء إلى تسعير جبري واسع أو حملات متواصلة لملاحقة المخالفين، في ظل شكوى رسمية متكررة من تعدد حلقات الوساطة وغياب الشفافية في تكاليف النقل والتخزين والتوزيع بين المنتج والمستهلك.

 

هذا الطرح يثير تساؤلات في الأوساط الاقتصادية حول ما إذا كانت «المرساة السعرية» ستعمل كأداة ضبط للسوق أم كآلية تضغط على المحال الصغيرة الهشة أصلًا، إذ يخشى بعض المراقبين أن يؤدي الانتشار الواسع للمنافذ الحكومية تحت علامة موحدة، مع ما تملكه من قدرة على الوصول إلى تمويل أرخص وامتيازات لوجستية وتنظيمية، إلى خلق منافسة غير متكافئة مع أصحاب المحال التقليدية الذين لا يملكون نفس الموارد أو الحماية.

 

الانتشار الكبير للمحال الصغيرة والسلاسل المحلية في المحافظات خلق عبر السنوات الماضية شبكة كثيفة تعتمد عليها الأسر في الأحياء والقرى، ويخشى البعض أن يؤدي تركيز القوة السوقية في يد كيان واحد أو شبكة واحدة مرتبطة بالدولة إلى إعادة تشكيل هيكل السوق، بما يقلص هامش الحركة أمام المحال الفردية، سواء عبر جذب المستهلكين بأسعار أقل أو عبر الحصول على أفضلية في التعاقد مع الموردين، وهو ما قد ينعكس على بقاء المشروعات الصغيرة وقدرتها على الاستمرار.

 

في المقابل، يلفت آخرون إلى أن نجاح المشروع أو فشله في التأثير على الأسعار سيتوقف على طريقة إدارة منافذ «كاري أون» على الأرض، ومدى التزامها الفعلي بتقديم أسعار أقل وأجود للمستهلك، وليس فقط تغيير اللافتات أو الهوية البصرية، ويحذرون من أن تتحول الفكرة إلى إعادة تغليف للمجمعات الاستهلاكية القديمة دون معالجة حقيقية لمشكلات البيروقراطية والهدر ونقص الرقمنة وضعف الرقابة الداخلية على الأداء، وهي مشكلات اعترفت بها تقارير رسمية في مراحل سابقة.

 

دور الدولة بين التنظيم والتوسع الاقتصادي المباشر

 

إطلاق مشروع «كاري أون» أعاد النقاش حول دور الدولة في النشاط الاقتصادي، خاصة بعد سنوات شهدت توسع جهات تابعة للقوات المسلحة في قطاعات متنوعة، من البنية التحتية إلى الصناعات الغذائية والإنشاءات، ويأتي المشروع الجديد ليضيف طبقة أخرى لهذا النقاش، حتى مع تأكيد مسؤولين أنه لا يمثل دخولًا جديدًا للدولة في قطاع لم تكن حاضرة فيه، بل تطويرًا لمنافذ قائمة تستهدف تحسين الإدارة وتوحيد الهوية التجارية وتعزيز الكفاءة التشغيلية للمنافذ التموينية.

 

هذا التأكيد الرسمي لا يلغي أن توحيد آلاف المنافذ تحت علامة واحدة، مع ربطها مباشرة بوزارة التموين، يعزز عمليًّا قدرة الدولة على التأثير في سوق التجزئة الغذائية، ليس فقط عبر أدوات التنظيم والرقابة، بل أيضًا من خلال موقع فاعل داخل سلسلة القيمة، من التعاقد مع المورد وحتى عرض السلعة على الرف، ما يوسع حضور الدولة كلاعب اقتصادي مباشر في سوق يعتمد عليه ملايين المواطنين في شراء احتياجاتهم اليومية من سلع أساسية.

 

المقارنات مع تجارب سابقة لحضور الدولة، بما فيها الجهات العسكرية، في الاقتصاد تظل حاضرة في خلفية النقاش، لكنها لا تظهر بالضرورة في الخطاب الرسمي الذي يركز على مفردات مثل “ضبط الأسعار” و“حماية المستهلك” و“تأمين السلع”، بينما يرى منتقدون أن أي توسع جديد يحتاج إلى معايير شفافة لضمان تكافؤ الفرص بين منافذ الدولة والقطاع الخاص، خاصة فيما يتعلق بإتاحة التمويل، وسلاسل التوريد، والحصول على التراخيص، وأي مزايا تنظيمية قد ترجح كفة طرف على آخر.

 

في النهاية، يطرح مشروع «كاري أون» سؤالًا واضحًا حول الشكل الذي تختاره الدولة للتعامل مع أزمة الأسعار وتذبذب السوق، هل هو تعزيز المنافسة العادلة وتنظيمها بشفافية، أم تكريس نموذج تعتمد فيه السلطة على توسيع شبكات البيع التي تديرها أو تهيمن عليها، وتستخدمها كأداة رئيسية لفرض إيقاع معين على السوق، في وقت يترقب فيه المواطن العادي النتيجة الأهم بالنسبة له، وهي مدى قدرته على شراء احتياجاته بسعر يمكن تحمله في نهاية كل شهر.