يتزامن تجدد المقترحات الخاصة بتعديل الدستور مع بداية فصل تشريعي جديد وبرلمان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مواليًا بالكامل للنظام، بما يجعل الطريق مُمهدًا لتمرير أي تغييرات ترغب فيها السلطة التنفيذية دون مقاومة تُذكر داخل القاعة.
في هذا السياق، تبدو دعوة المستشار عدلي حسين داخل لجنة الإدارة المحلية بمجلس الشيوخ لتغيير الدستور “شكلًا وموضوعًا” بحجة أنه يحمل بصمات الإخوان، مجرد ذريعة سياسية وليست نقاشًا قانونيًا جادًا حول الحقوق والحريات أو توازن السلطات. فالسلطة لا تستهدف تصحيح مواد تُقيّدها، بقدر ما تسعى إلى التخلص من أي سقف زمني أو مؤسسي يمكن أن يضع حدًا لاستمرار عبد الفتاح السيسي ومنظومته في الحكم، بعد أن مُدِّدت ولايته أصلًا عبر التعديلات التي سمحت له بالبقاء حتى عام 2030.
الخطير أن هذه الدعوات تأتي في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية خانقة، وديون متراكمة، وتضخم يضغط على حياة ملايين المصريين، بينما تنشغل السلطة وحكومتها بالحديث عن تعديلات جديدة تعيد تفصيل قواعد اللعبة لأجل رأس النظام. بدلاً من مراجعة السياسات التي أوصلت الاقتصاد إلى هذا الوضع، أو فتح المجال العام لاستيعاب طاقات المجتمع وقواه المختلفة، يصر السيسي وحلقته الضيقة على إدارة الدولة بمنطق تمديد الإقامة في القصر الرئاسي، مع تجميد الحياة السياسية وحصار المعارضة وقمع أي صوت مختلف.
دستور تحت الطلب: من 2019 إلى اليوم
تجربة تعديل الدستور في 2019 تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تعامل النظام مع الوثيقة الأسمى في البلاد كأداة لخدمة بقاء الحاكم، لا كعقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع. فالمواد التي مددت فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وسمحت بولاية إضافية السيسي، لم تُطرح في سياق إصلاح شامل، بل جرى تمريرها عبر برلمان مهيمن عليه، ثم استفتاء محاط بدعاية رسمية وضغوط تنظيمية وإعلامية ضخمة. اليوم، عندما يتجدد الحديث عن تعديل جديد، يفهم كثيرون أن الدستور بات ورقة قابلة للطيّ وإعادة الصياغة كلما اقتضت الحاجة السياسية حماية رأس السلطة من أي تغيير أو مساءلة.
هذا السلوك يكشف أزمة أعمق في طريقة إدارة السيسي وحكومته للدولة، حيث تُختزل السياسة في شخص الحاكم وتُختزل مؤسسات التشريع والرقابة في مجرد أذرع مكمّلة لقرار رئاسي مسبق. بدل أن يكون البرلمان مساحة لموازنة السلطات، تحول إلى معبر لتمرير أي تعديلات تُطلب منه، في غياب حقيقي للمعارضة، وفي ظل قوانين وإجراءات انتخابية صُمّمت لضمان أغلبية مضمونة موالية للنظام، ما يجعل النقاش الدستوري محصورًا داخل غرفة مغلقة تديرها السلطة نفسها.
أصوات معارضة تحذر من تكريس الحكم الفردي
على الرغم من القبضة الأمنية والتضييق الواسع على المجال العام، بقيت أصوات سياسية مصرية تعلن بوضوح رفضها لأي توجه لتعديل الدستور بما يفتح الباب أمام مد جديد لبقاء السيسي في السلطة. محمد أنور السادات، على سبيل المثال، طرح مرارًا فكرة ضرورة تداول السلطة وترك المجال لأجيال جديدة، منتقدًا بقاء الرئيس لفترات طويلة وما يصاحبه من جمود سياسي وغياب للتنافسية الحقيقية. مواقفه تجاه تعديلات 2019 عكست إدراكًا لخطر إعادة إنتاج تجربة التمديد المستمر، التي عرفتها مصر سابقًا، والتي قادت في النهاية إلى انفجارات سياسية واجتماعية.
أحمد طنطاوي كان كذلك من أبرز الوجوه التي عارضت تعديلات 2019، واضعًا إصبعه على جوهر المشكلة حين حذر من أن تمرير هذه التغييرات يعني العودة إلى ما قبل ثورة يناير والقبول بسياسات إقصائية تعادي فكرة التداول السلمي للسلطة. وفي السياق ذاته، لا يتردد حسام بدراوي في وصف الدعوات لإضافة ولايات جديدة بأنها نوع من النفاق السياسي، وانتقاد لنخبة تسعى إلى التقرب من السلطة على حساب مبدأ أساسي هو احترام الدستور. هذه الأصوات، ومعها سياسيون مثل خالد داوود وغيره ممن رفضوا تعديلات 2019، تشترك في قراءة واضحة: أي تعديل جديد يمس مدد الرئاسة أو يعيد فتح الباب أمام بقاء السيسي، لن يكون إلا خطوة إضافية في طريق تكريس الحكم الفردي وإغلاق أي أفق للتغيير السلمي.
لماذا يخاف النظام من الاستقرار الدستوري؟
حين تصبح فكرة احترام الدستور واستقراره مصدر قلق للسلطة بدل أن تكون ضمانة لها، فهذا يعني أن بنية الحكم تعاني من هشاشة داخلية عميقة. نظام السيسي، الذي بنى شرعيته المعلنة على شعار “الاستقرار”، يتعامل في الواقع مع أي نص يقيّد مدة البقاء في السلطة كتهديد يجب التحايل عليه أو تعديله أو تعطيله، حتى لو كان هذا النص نابعًا من دستور أُقر في ظل هيمنة نفس النظام. المشكلة ليست في مواد الدستور فقط، بل في عقلية ترى في تداول السلطة خطراً وفي فتح المجال السياسي مغامرة، وفي مشاركة المجتمع مساومة غير مقبولة.
هذا الخوف من الاستقرار الدستوري ينعكس على أداء الحكومة التي تعمل باعتبارها جهازًا تنفيذيا مهمته الأساسية حماية رأس النظام من أي اهتزاز، لا خدمة المجتمع أو إصلاح الاقتصاد. فبدلاً من توظيف الأغلبية البرلمانية في إصلاح منظومة العدالة، أو إطلاق ضمانات حقيقية للحقوق والحريات، أو مراجعة السياسات التي عمقت الفقر واللامساواة، يجري توجيه الطاقة السياسية نحو تحصين موقع الرئيس، وإدارة التعديل الوزاري والدستوري كأدوات لإعادة تدوير الوجوه والتوازنات داخل الحلقة الحاكمة.
واخيرا فان النقاش المتكرر حول تعديل الدستور في ظل حكم السيسي يكشف أن الأزمة ليست في النصوص بقدر ما هي في طبيعة السلطة التي تتعامل مع الدولة باعتبارها ملكية خاصة، ومع الدستور باعتباره ورقة قابلة لإعادة الصياغة كلما اقتضت الحاجة حماية استمرار الحاكم. في ظل برلمان مُحكم السيطرة وأحزاب مهمشة ومجتمع مدني مقموع، تتحول فكرة تعديل الدستور من أداة إصلاح إلى أداة تكريس، ومن فرصة لتصحيح المسار إلى وسيلة لإغلاقه أكثر. ومع استمرار هذا النهج، تصبح أي حديث رسمي عن “الجمهورية الجديدة” بلا مضمون حقيقي، لأن الجمهورية التي تخشى تداول السلطة وتحاصر المعارضين وتضع الدستور في خدمة الرئيس، لا تبني مستقبلًا مستقرًا، بل تؤجل انفجار الأسئلة المؤجلة عن الشرعية والمحاسبة والعدالة والحقوق.

