يرصد صالح سالم من القاهرة كيف باتت الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، في قلب العاصفة المناخية. يوضح سالم أن موجات عاتية بلغ ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار اجتاحت الساحل في الأيام الأخيرة، فأغرقت مقاهي ومطاعم الواجهة البحرية، وألحقت خسائر فادحة بأصحابها، وهددت مباني تقع على بُعد عشرات الأمتار من الشاطئ. لم يعد القرب من البحر نعمة كما كان، بل تحوّل إلى مصدر قلق يومي لسكان المدينة.
يشير العربي الجديد إلى أن هذه المشاهد لم تعد استثناءً، بل صارت جزءًا من نمط متكرر من الطقس المتطرف المرتبط بارتفاع منسوب البحر الناتج عن تغيّر المناخ، ما يضع مستقبل المدينة وسكانها أمام أسئلة مفتوحة ومخاوف متزايدة.
موجات غير مسبوقة وخوف متصاعد
تعيش الإسكندرية منذ سنوات على وقع ظواهر مناخية متطرفة، شملت أمواجًا أعلى، وأمطارًا أغزر، وسيولًا ألحقت أضرارًا بالمنازل والبنية التحتية. إلا أن شدة الموجات الأخيرة بدت غير مسبوقة، ما دفع هيئة الأرصاد إلى إصدار تحذيرات بحرية للمدينة ومدن متوسطية أخرى.
تحوّل تغيّر المناخ، الذي ظل طويلًا موضوعًا علميًا نخبويًا، إلى قضية يومية يتداولها الناس في الشوارع وعلى منصات التواصل، مع تعبيرات صريحة عن الخوف من قدرة المدينة على الصمود في السنوات المقبلة.
ما وراء العاصفة: تهديدات أوسع لمصر
لا تمثل أزمة الإسكندرية سوى رأس جبل الجليد، بحسب خبراء. يوضح مختصون أن مصر، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات العالمية، تقع بين الدول الأكثر تعرضًا لآثار الاحترار العالمي. ترتفع درجات الحرارة، ويتصاعد منسوب البحر، وتتضرر الأراضي الزراعية، ما يهدد الأمن الغذائي في المدى القريب.
يتعرض دلتا النيل، التي تضم غالبية السكان والنشاط الزراعي، لمخاطر فيضانات متزايدة، إذ لا يتجاوز ارتفاع كثير من مناطقه مترين فوق سطح البحر. كما تفاقم تغيّرات المناخ ندرة المياه عبر زيادة التبخر وتبدل أنماط الأمطار والضغط على نهر النيل، المصدر الرئيسي للمياه العذبة.
توقعات قاتمة واستجابة متسارعة
تعيش الإسكندرية، التي يقطنها نحو 5.6 ملايين نسمة، واقعًا مناخيًا ضاغطًا. تشير تقديرات علمية إلى أن مساحات واسعة من المدينة قد تتعرض للغمر خلال العقود المقبلة، مع احتمال نزوح مئات الآلاف وتكبّد خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. تُظهر دراسات أن تراجع الساحل بمعدل 3.5 أمتار سنويًا خلال العقدين الأخيرين، إلى جانب هبوط الأرض وتسرب المياه المالحة، يضعف أساسات المباني ويزيد مخاطر الانهيارات.
استثمرت السلطات مبالغ كبيرة في إجراءات التخفيف، مثل كتل خرسانية لتشتيت الأمواج، وإعادة تغذية الشواطئ بالرمال، ودعم الخط الساحلي. غير أن تسارع آثار الاحترار العالمي يدفع الخبراء إلى المطالبة بتحرك أسرع وأكثر شمولًا، وتنفيذ خطط التكيف المعلنة حتى عام 2050 بوتيرة عاجلة، لتفادي اتساع المخاطر وتضاعف شدتها.
تختزل الإسكندرية اليوم معركة مصر مع تغيّر المناخ: مدينة بتاريخ عريق وموقع حساس، تواجه بحرًا يتقدم بلا هوادة، وتوازنًا دقيقًا بين جهود التكيّف وسرعة التحولات المناخية.
https://www.newarab.com/news/egypts-alexandria-being-battered-climate-change

