تكتب سالي إبراهيم عن دخول غزة رمضان للعام الثالث على التوالي في ظل حرب إبادة إسرائيلية خلّفت مدينة مكسورة الملامح، حيث تحلّ الشعائر محلّ الفرح، ويغلب الصمت على الأزقة التي كانت عامرة بالفوانيس والضحكات.
وتنقل العربي الجديد صورة شهرٍ يُقاس فيه الصبر أكثر مما تُستعاد فيه الطقوس، في واقعٍ يتأرجح بين وقف نار هشّ وخوفٍ دائم من عودة القصف.
مدن بلا زينة.. وطقوس تحت الركام
مع قدوم رمضان، لا تستقبل غزة الشهر بالزينة ولا بروائح القطايف، بل بالدخان والغبار وصوت الطائرات المسيّرة. ورغم إعلان هدنة في أكتوبر 2025، تواصلت الخسائر؛ إذ تفيد وزارة الصحة في غزة بسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى بعد الهدنة، لترتفع الحصيلة منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف قتيل ومئات آلاف المصابين. يدخل الناس الشهر وهم يوازنون بين الصيام والبقاء، ويحاولون حفظ ما تبقى من يومياتٍ بسيطة وسط انعدام الأمن.
نزوحٌ يتكرر.. وموائد داخل الخيام
في مخيمات النزوح بدير البلح، تجلس أمّهات أمام خيامهنّ يفكرن بمن سيشاركهنّ الإفطار، ومن غاب إلى الأبد. تحكي أمٌّ نزحت من غزة المدينة عن بيتٍ دُمّر وبنتٍ فقدتها بعد تدهور المنظومة الصحية، وتتمنى “رمضانًا يمرّ بلا قصف أو تهجير”. يحاول الأطفال صناعة فوانيس من الورق وعلبٍ فارغة ليشعروا بأن الشهر “حقيقي”، بينما تتبدل العناوين سريعًا مع كل موجة نزوح جديدة.
تقول نازحات أخريات إن “المؤقت صار قاعدة”، وإن الخوف الأكبر أن يبدأ الشهر ويأتي أمر إخلاء جديد. وتشير تقديرات محلية إلى أن معظم سكان القطاع نزحوا مرة واحدة على الأقل، وكثيرون نزحوا مراتٍ متعددة، فصار رمضان يُعاش داخل خيامٍ بلا خصوصية، وتُقاس كل وجبة بندرة الموارد.
ذاكرة الفقد.. وأسماء لا تعود
يمتد الفقد في غزة إلى ما هو أبعد من البيوت. أمهاتٌ كثيرات ينتظرن مصير أبناءٍ مفقودين. تروي أمٌّ من خان يونس فقدت الاتصال بابنها منذ عام كيف صمت المطبخ، وكيف صار إعداد الحلويات جرحًا مفتوحًا. تقدّر تقارير أممية وجود آلاف المفقودين، ما يجعل الانتظار نفسه عبئًا يوميًا يرافق الصيام.
يتبدّل إيقاع رمضان مع الحزن: تقلّ الزينة، تخفت الزيارات، وتغدو الذكريات محور الأحاديث. وتحت هذا الثقل، تتراجع القدرة على الاحتفاء، ليحلّ التأمل القاسي محلّ التجمعات والصلوات الجماعية الآمنة.
اقتصاد الندرة.. والعبادة رغم الخطر
تتفاقم التحديات الاقتصادية مع ارتفاع أسعار الغذاء وغياب الدخل. يركّز الناس على الخبز والماء، بينما تصبح الحلويات “ترفًا”. يقول تجار محليون إن الأسواق تقتصر على الضروريات، وتندر الفوانيس والبضائع الرمضانية. وحتى المساجد التي بقيت قائمة تشهد صلوات في ساحات مفتوحة أو مبانٍ متضررة، حيث يطغى القلق على السكينة.
ومع ذلك، يتمسّك السكان بالتراويح بوصفها “مساحة سلام أخيرة”، ويقيمون طقوسًا صغيرة: إفطار مشترك، أدعية خافتة، وحكايات عن زمنٍ أقرب. يتحدّث كثيرون عن رمضان باعتباره امتحانًا للصبر، ورجاءً بأن يتوقف القتال وتعود العائلات إلى بيوتها.
صبرٌ بلا احتفال.. وأملٌ مؤجّل
يقول أهل غزة إن الشهر صار “ذاكرة مؤلمة”، لكنهم يصومون لأن الصبر بات ملاذهم الأخير. تظلّ الروح حاضرة رغم القسوة، وتستمر العبادة وسط هشاشة الحياة. هكذا يتحوّل رمضان من عيدٍ جماعي إلى مساحة احتمالٍ وأملٍ مؤجّل، حيث لا يطلب الناس أكثر من صيامٍ بلا خوف، واجتماعٍ بلا غياب، ومدينةٍ تستعيد حقها في الحياة.
https://www.newarab.com/news/third-ramadan-under-israeli-genocide-arrives-gaza

