يُقبل علينا شهر رمضان المبارك كل عام، وهو موسم عظيم من مواسم القرب من الله، ومدرسة إيمانية متكاملة لتزكية النفوس وتهذيب القلوب.

 

ولا يُكتب للمسلم أن يستثمر هذا الشهر الاستثمار الأمثل إلا إذا أحسن استقباله، وأعدّ نفسه له إعدادًا واعيًا. ومن هنا تأتي *المفاتيح العشرة* التي تُعين على حسن الاستقبال، وتمام الانتفاع.

 

المفتاح الأول: التطهّر

 

التطهّر هو تكلّف الطهارة، وهو أعم من طهارة الجسد، إذ يشمل تزكية النفس وتنقية القلب من الرذائل.

 

وهو وسيلة وغاية في آنٍ واحد؛ فهو وسيلة لحسن استقبال رمضان، كما يُنقّي المزارع أرضه قبل نزول الغيث ليحسن الإنبات، فكذلك المؤمن يُنقّي قلبه ليحسن استقبال نفحات الرحمة.

 

وهو غاية كذلك، لأن الصيام نفسه يزكّي النفس، ويطهّرها من الأخلاق الرديئة.

 

ومن أعظم أصول هذا المفتاح السعي في *إصلاح القلوب وقطع الخصومات، كما جاء في الحديث: *«أنظروا هذين حتى يصطلحا».

 

المفتاح الثاني: التشوّق

 

التشوّق هو تكلّف الشوق، وهو نزوع النفس ولهفتها إلى المحبوب.

ولا يعرف الشوق إلا من كابده، ولا يدرك لذته إلا من ذاقه.

 

وشأن المؤمن أن يتشوّق لعبادته، ويتطلع إلى مواسم الطاعة، كما يتشوّق كثير من المؤمنين إلى القيام والصيام في رمضان.

 

وقد عبّر موسى عليه السلام عن هذا الشوق بقوله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}

 

كما كان النبي ﷺ يُشوّق أمته بقوله: «أتاكم رمضان شهر مبارك».

 

المفتاح الثالث: التعرّض لنفحات الله

 

لله في أيام الدهر نفحات من رحمته، والسعيد من تعرّض لها.

ويكون التعرض لهذه النفحات *بتزكية القلب، وكثرة الدعاء، ودوام الذكر في كل حال؛ قيامًا وقعودًا، وفي شؤون الدنيا، فالعابد لا يدري في أي وقت يُفتح له باب المنن.

قال ﷺ: «إن لربكم في أيام الدهر نفحات فتعرّضوا لها».

 

المفتاح الرابع: الترويض

 

والترويض هو تليين النفس وتهيئتها بالطاعات قبل الدخول في الفرائض العظيمة.

ومن ذلك الإكثار من السنن والنوافل قبل رمضان، كما كان النبي ﷺ يكثر من صيام شعبان.

فالترويض يخفف ثقل العبادة على النفس، ويمنع النفور المفاجئ، ويجعل الصيام محبوبًا مألوفًا.

 

المفتاح الخامس: التخيّر

 

والمقصود به *اختيار الصحبة الصالحة عالية الهمة*، التي تعين على الطاعة، وترفع الهمة، وتدفع إلى المعالي.

 

قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم}

 

فالمرء يقوى بإخوانه، وبهم تسمو همته، كما قيل: إخوانُ صدقٍ إن دعوتهم عونوا.

 

المفتاح السادس: التخلّي والتحلّي

 

وهو التخلّي عن الرذائل، والتحلّي بالفضائل. فليس المقصود من رمضان ترك الطعام فقط، بل ترك الذنوب، وتهذيب الأخلاق.

وقد خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يُغفر له، كما جاء في دعاء جبريل عليه السلام، وأمّن عليه النبي ﷺ.

 

المفتاح السابع: التذوّق

 

والمراد به *تذوّق حلاوة الطاعة، لا مجرد أدائها. فالإيمان له طعم، والعبادة لها لذة، كما قال ﷺ: *«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا».

وحلاوة الإيمان تظهر في انشراح الصدر للطاعة، والصبر على مشقتها. وقد قال بعض السلف: كابدت الصلاة عشرين سنة ثم تلذذت بها باقي عمري.

 

المفتاح الثامن: التنويع

 

والمقصود التنويع في أبواب التطوع، حتى لا تمل النفس، ولكي يُفتح للعبد أكثر من باب من أبواب الخير.

وقد أخبر النبي ﷺ أن أهل الأعمال يُدعون من أبوابها، ومن فُتح له باب خير فليبادر إليه، فلعله لا يُفتح له مرة أخرى.

 

المفتاح التاسع: التأنّس بالله

 

والأنس هو روح القرب، وهو سكون القلب إلى الله، وذهاب الوحشة عنه.

 

قال تعالى:

{فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ}

 

فالأنس ثمرة الطاعة والمحبة، وهو الذي يملأ القلب طمأنينة، ويورث الرضا واليقين.

 

المفتاح العاشر: التدبّر

 

وهو التأمل في القرآن، وفهم معانيه، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتمثّلها في الواقع.

 

فكان الصالحون لا يمرّون بالآيات مرورًا عابرًا، بل يقفون عندها، ويدعون بها، كما كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تفعل.

 

وبتحقيق هذه المفاتيح العشرة، تتحقق التقوى التي هي الغاية العظمى من الصيام، وزاد القلوب، وأصل الاستقامة، وبها يكون رمضان نقطة تحوّل حقيقية في حياة المسلم، لا مجرد أيام معدودة تمضي