تجدد الجدل في الأيام الأخيرة حول الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في تمويل إعلاميين ومؤثرين وصناع محتوى في مصر، بعد اعترافات علنية من اليوتيوبر المصري محمد قنديل بتلقي أموال من جهات إماراتية، مقابل محتوى هجومي على الثورة وجماعة الإخوان المسلمين وأطراف عربية أخرى.
الخلاف الذي خرج إلى العلن بين قنديل وبعض من يُقال إنهم مشغّلوه السابقون، أعاد إلى الواجهة ما تداوله معارضون لسنوات عن “شبكات تمويل” تستهدف تشكيل الخطاب الإعلامي المصري، والطعن في الثورة، وتشويه الإسلاميين، ومهاجمة دول بعينها، مع حضور خاص لملف السعودية والجيش السوداني وحركة حماس.
اعترافات قنديل.. من الدفاع عن الخط إلى فضح الممول
النقطة المفصلية كانت خروج قنديل في تسجيلات وتصريحات يتحدث فيها عن طبيعة الدعم الذي تلقاه من أطراف إماراتية، قائلًا إن الهدف كان توظيف محتوى صناع القنوات في حملات إعلامية موجهة، بينها هجوم على السعودية وإثارة توتر بين الشعوب.
أحد المقاطع المتداولة التي توثّق جانبًا من هذه الاعترافات يظهر في هذا الرابط:
رخيص محمد قنديل ، 75 ألف بس، لكن عموما هو ماحدش بيتابعه، مليون حد لسه يادوب سامع عنه، مجرد جاعورة زي مولي أم باروكة pic.twitter.com/AlFtBUvBPb
— تيران وصنافير مصرية (@HopeMe86352142) February 10, 2026
قنديل يقول إنه لم يكن يعلم – بحسب روايته – أن ما يجري جزء من “مشروع إسرائيلي” لإضعاف الدول العربية، ويقدّم نفسه اليوم باعتباره كشف اللعبة ورفض الاستمرار فيها.
أهمية هذه التصريحات لا تأتي فقط من مضمونها، بل من شخصية قائلها؛ إذ إن قنديل كان يُقدَّم في الخطاب الإعلامي الموالي للسلطة بوصفه “باحثًا مصريًا متخصصًا في شئون الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة”، أي جزءًا من ماكينة الدعاية التي عملت لسنوات على مهاجمة الثورة والخصوم السياسيين، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين.
خصومه وصفوه في النصوص المتداولة بأنه “خبير بير سلم المتحدة”، في إشارة ساخرة إلى ضعف القيمة العلمية، وإلى توظيف هذه الصفات البحثية في إطار الحرب التي تخوضها أبوظبي على خصومها في المنطقة، وعلى رأسهم معارضو محمد بن زايد.
سجال على منصة إكس.. أرقام بالدولار وتخوين متبادل
منصة إكس تحولت إلى ساحة سجال علني حول هذه القضية.
حساب “كونكس” @palotker رأى أن ما يفعله قنديل “مكس ثعلب مع حرباء متلونه”، واعتبر أن الضجة التي أثارها ليست سوى “زوبعة إعلامية” للتغطية على زيارة عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي، وتهيئة رواية عن خصومة إعلامية بين مصر والإمارات:
رخيص محمد قنديل ، 75 ألف بس، لكن عموما هو ماحدش بيتابعه، مليون حد لسه يادوب سامع عنه، مجرد جاعورة زي مولي أم باروكة pic.twitter.com/AlFtBUvBPb
— تيران وصنافير مصرية (@HopeMe86352142) February 10, 2026
حساب “اللجنة” نقل ما وصفه بـ“اعترافات مثيرة”، مشيرًا إلى أن قنديل قال إنه ضحّى بـ 75 ألف دولار من أصل 100 ألف خُصصت لإطلاق قناة “عرب بلس” لصالح ممولين إماراتيين، وهو ما اعتبره بعض المعلقين دليلاً على تحوّل “الذباب الإلكتروني” إلى مرتزقة يعملون تحت الطلب.
التعليقات الشعبية لم تخلُ من شماتة أو لغة قاسية؛ حساب @sherine412 كتب مخاطبًا قنديل:
ماذا بينك وبين الله عشان تتفضح الفضيحه دى كلها وتلف كل مصر والدول المحيطه بيها!!.. بس يلا واحد بقرون وتستاهل 😃 pic.twitter.com/v0Ik92F3ad
— Sherine Mohamed (@sherine412) February 9, 2026
وفي خيط آخر، أشار عمرو عبد الهادي @amrelhady4000 إلى أن اللجان التابعة للسيسي، التي أدارت قنوات على يوتيوب وروّجت لها صفحات محسوبة على المخابرات العامة بوصفهم “صقور المخابرات”، تبيّن – بحسب كلامه – أنهم ممولون من الإمارات، وأن أحدهم أقرّ باستعداده للاعتراف بما تقاضاه، وكانت آخر دفعة 25 ألف دولار:
اللجان بتاعت #السيسى اللي عاملين قنوات على يوتيوب وكانت صفحات تابعه للمخابرات العامة بتعمل لهم دعاية وسميتهم صقور المخابرات طلعو ممولين من الامارات واعترفو ان المخابرات الاماراتية بتقبضهم بالدولار واقر احدهم اللي متعلم عليه تحت بالابيض ده انه مستعد يعترف ويقر بالاموال اللي اخدها… pic.twitter.com/AR10A76Rqr
— AMR ABD ELHADY || عمرو عبد الهادي (@amrelhady4000) February 9, 2026
الصحفي سامي كمال الدين @samykamaleldeen ركّز على صفحة “صقور المخابرات المصرية” الموثقة على فيسبوك، التي يتابعها مئات الآلاف، وقال إنها قدّمت هؤلاء اليوتيوبرز بوصفهم “صوت الحق الذي يشكل وعي الشعب ويحمي مصر”، قبل أن يطرح سؤالًا مباشرًا: هل تموَّل هذه الصفحة نفسها من الإمارات؟ وهل يحصل كل من يظهر في الصورة على رواتب من مخابرات أبوظبي، أم أن “البلد كلها تحت إدارة الإمارات”؟:
صقور المخابرات المصرية هى صفحة موثقة على فيس بوك يتابعها 480 ألف، نشرت هذه الصورة وقالت هؤلاء صوت الحق الذي يشكل وعي الشعب و يحمي مصر!
— سامي كمال الدين (@samykamaleldeen) February 10, 2026
أحدهم- محمد قنديل- كتب أنه يحصل على الراتب من الأمن الوطني الإماراتي ، هو وعدد من اليوتيوبرز في مصر
السؤال: هل هذه الصفحة الموثقة تمولها الإمارات… pic.twitter.com/dnbv3btu8V
من جهة أخرى، ظهر غضب من داخل الخليج نفسه؛ حساب @Salman1022850 هاجم قنديل بألفاظ حادة، ورفض أن تُحمَّل السعودية مسؤولية هذا النوع من التجنيد الإعلامي، قائلًا إن “السعودي يدافع من نفسه لأنه صادق مع الله ومع حكامه”، ومتهمًا قنديل ومن على شاكلته بأنهم “لفو ساحل”:
اقول يا خني******ث محمد قنديل طلع فضائح التجنيد فلا تجي تحط بلاويكم علينا حنا مو حكومة ابو ظبي نجند المتردية والنطيحة عشان يدافعون عنا يالرخمة السعودي يدافع من نفسه لانه صادق مع الله ومع حكامه وهذا شيء ما تعرفه لانك لفو ساحل يا الفارسي https://t.co/TfrBEYDosS
— Salman (@Salman1022850) February 10, 2026
في خضم هذا كله، كتب قنديل ردًا على أحد الحسابات الإماراتية يقول فيه إن “الأمن الوطني الإماراتي كان على تواصل معه ومع يوتيوبرز”، وإنه مستعد – إذا استدعاه الأمن الوطني المصري – أن يكشف الأسماء وقيمة ما كانوا يتقاضونه شهريًا.
نفوذ أبوظبي وأسئلة مفتوحة حول استقلال الإعلام المصري
الصحفي نظام المهداوي @NezamMahdawi قدّم رقمًا أكثر تحديدًا، قائلاً إن قنديل تقاضى 30 ألف دولار من الإمارات لإنتاج ثلاث حلقات ضده شخصيًا، وإن إجمالي ما عُرض عليه كان 100 ألف دولار سنويًا، لكنه – بحسب رواية المهداوي – لم يحقق الأثر المطلوب فأُوقِف:
ثلاثون ألف دولار قبضها هذا القذر من #الإمارات ليبث ثلاث حلقات ضدي، ولم أردّ عليه بكلمة. ولم يطاوعني قلمي يومًا أن أنزل إلى مستواه.
— نظام المهداوي - Nezam Mahdawi (@NezamMahdawi) February 9, 2026
واليوم فقط يعترف بأنه تقاضى المال من الإمارات، ثم يحاول تسويق "شرفه" بقوله إنه توقّف بعد ذلك، وإنه ضحّى بخمسة وسبعين ألف دولار! أي إننا نتحدث عن مئة… pic.twitter.com/8MSPAHOvGa
المهداوي اعتبر أن اعتراف قنديل يفضح “سوقًا كاملة” تدفع فيها أبوظبي أموالاً طائلة لمن يصفون أنفسهم بأنهم “يوتيوبرز مصر”، مقابل خطاب يقوم على “انتهاك الأعراض والتطاول الرخيص”، وفق تعبيره.
حساب حزب تكنوقراط مصر @egy technocrats لخّص المشهد تحت عنوان “حين تنقلب اللجان على صُنّاعها: فضائح التمويل تكشف الوجه الخفي لكتائب التضليل”، معتبرًا أن ما يحدث هو “قلب الترابيزة” على الممول لا مجرد خلاف شخصي:
حين تنقلب اللجان على صُنّاعها: فضائح التمويل تكشف الوجه الخفي لكتائب التضليل
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) February 9, 2026
شهدت مواقع التواصل الاجتماعي سجالًا علنيًا بين أحد عناصر اللجان الإلكترونية المصرية، الذي قيل إنه كان يعمل لصالح جهات إماراتية، ومشغّليه السابقين، بعد خلافات مالية ومهنية بينهم. وتبادل الطرفان الاتهامات،… pic.twitter.com/NBoPP8CHQK
في المقابل، يرى مغردون مثل @youssakka49007 أن ما يجري يؤكد تحول “الذباب الإلكتروني” إلى مجرد مرتزقة، يكشفون المستور عندما تختلف الحسابات المالية، بينما اعتبر آخرون أن قنديل يحاول اليوم إعادة تسويق نفسه، لا بدافع مبدئي، بل لأنه خرج من “دائرة الرضا” لدى الممول.
في خلفية السجال، تظل الأسئلة الأوسع دون إجابة واضحة:
ما حجم الدور الذي تلعبه أبوظبي فعلًا في توجيه مضمون قنوات يوتيوب وصفحات ذات تأثير في الداخل المصري؟
هل ما كُشف عن تمويل بعض الأسماء هو الاستثناء، أم جزء من نمط أوسع لم يُكشف بعد؟
وأين تقف مؤسسات الدولة المصرية، بما فيها الأجهزة الأمنية، من وجود شبكات تمويل إعلامية خارجية تعمل في المساحة نفسها التي يفترض أن تخدم روايتها الرسمية؟
حتى الآن، لا توجد تحقيقات معلنة ولا ردود رسمية مفصّلة من الجانب المصري أو الإماراتي.
ما يظهر للرأي العام هو مشهد “انقلاب اللجان على صانعها”، وغسيل قذر يُنشر على العلن، يؤكد أن جزءًا معتبرًا من الخطاب السياسي والإعلامي في الفضاء الرقمي لم يكن يومًا تعبيرًا حرًا عن قناعات، بل تعاقدات مالية عابرة للحدود، ينقلب فيها الجميع على الجميع عندما يتعطل “الدفع بالدولار”.

