خلال أسبوع واحد فقط، قفزت أسعار الهواتف المحمولة في مصر بنسب وصلت إلى 20%، في واحدة من أسرع موجات الغلاء بسوق الإلكترونيات منذ تعويم الجنيه في مارس 2024. السبب المباشر كان قرار حكومة عبد الفتاح السيسي إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهاتف الشخصي الذي كان يحق للمصريين العاملين بالخارج إدخاله دون رسوم، وهو حق اكتسبوه خلال سنوات، قبل أن يُنتزع فجأة تحت لافتة “مكافحة التهريب” و“حماية الصناعة المحلية”.

 

عمليًا، تحوّل القرار إلى هدية جاهزة لعدد محدود من الوكلاء الكبار المسيطرين على سوق المحمول، وسط اتهامات واسعة بأن التشريع صُمّم على مقاس شبكة مصالح بعينها، في مقدمتها مجموعة “الصافي” ورجل الأعمال صافي وهبة، الذي تربطه تقارير إعلامية وعشرات المنشورات على المنصات بصلات نسب مع عائلة السيسي، وبأنه من كبار المستفيدين من الآلية الجديدة لفرض الرسوم على الهواتف المستوردة.

 

قرار واحد.. قفزة 20% وسوق مشلول في أيام

 

منذ لحظة إعلان مصلحة الجمارك إنهاء الإعفاء الاستثنائي للهاتف الشخصي، دخل سوق المحمول حالة صدمة. تقارير اقتصادية رصدت زيادات فورية في الأسعار بنسب اقتربت من 20% في بعض الفئات، مع تشديد القيود على إدخال الهواتف من الخارج وفرض رسوم وضرائب ورسوم منظومة تصل مجتمعة إلى نحو 38% من قيمة الجهاز على المصريين القادمين من الخارج.

 

الوكلاء المحليون لم ينتظروا حتى تظهر أجهزة جديدة على المنافذ الجمركية؛ بل سارعوا إلى تعميم قوائم أسعار جديدة على الموزعين في المحافظات، شملت زيادات على أجهزة مخزّنة أصلًا في المخازن قبل القرار، ما يعني أن “التكلفة” لم تكن قد تأثرت بعد، لكن “الفرصة” كانت مواتية لتعظيم هامش الربح تحت غطاء رسمي اسمه “جمارك المحمول”. تقارير صحفية نقلت عن تجار أن شركة سامسونج رفعت أسعار هواتفها تامة الصنع بنسبة تقارب 5% مع بداية فبراير، ثم لحقت بها أوبو وفيفو بزيادات بين 15% و17%، بينما قفزت هواتف آبل في بعض الموديلات بما بين 10 و15 ألف جنيه للجهاز الواحد، مع انتشار موجة الغلاء في القاهرة وبورسعيد والمنصورة وغيرها من المدن.

 

النتيجة المباشرة كانت شللًا شبه كامل في حركة الشراء؛ كثير من المستهلكين أوقفوا أي خطط لتغيير هواتفهم، والبعض عاد إلى إصلاح أجهزة قديمة بدلًا من الدخول في التزام جديد. تجار في سوق المحمول أكدوا لـ“العربي الجديد” أن الحكومة لم تتراجع عن القرار رغم الغضب المتصاعد، وأن أثره ظهر فورًا في ارتفاع تدريجي لأسعار الفئات غير المنتجة محليًا بنسب تصل إلى 20%، مع تنامي سوق موازية للهواتف بعيدًا عن التوكيلات الرسمية.

 

من “مكافحة التهريب” إلى “رعاية الاحتكار”: صافي وهبة في مرمى الاتهامات

 

الحكومة برّرت إلغاء الإعفاء الجمركي بالحديث عن “تسرب” هواتف قيمتها 1.3 مليار دولار عبر قنوات غير رسمية خلال عام 2025، في مقابل إيرادات رسمية لم تتجاوز 210 ملايين دولار، وقالت إنها تسعى لحماية صناعة وطنية تضم 15 شركة عالمية تقوم بتجميع نحو 20 مليون هاتف محليًا. لكن خبيرة الجمارك واللوجستيات الدكتورة نادية المرشدي وصفت هذه المبررات بأنها “قول جائر”، مؤكدة أن ما تسميه الحكومة تصنيعًا وطنيًا ليس سوى “تجميع وهمي” يعتمد على مكونات مستوردة بنسبة تصل إلى 70%، تُحاسَب جمركيًا عند حدود 2% فقط، بينما يُجبر المغترب على دفع أكثر من 38% على هاتف شخصي واحد، في نموذج فاضح – من وجهة نظرها – لدولة تدعم المصنعين مرتين، وتحمّل المواطن فاتورة وهم اسمه “التصنيع المحلي”.

 

في قلب هذه المنظومة يبرز اسم صافي وهبة، رئيس مجلس إدارة مجموعة الصافي، التي تعمل في مجالات متعددة بينها التكنولوجيا والتجزئة، وتُعد شريكًا رئيسيًا لعلامات كبرى مثل شاومي في السوق المصري، بالإضافة إلى شراكات مع شركات اتصالات كبرى في تصنيع الراوترات والأجهزة الإلكترونية. تقارير صحفية ومنصات معارضة، من بينها “متصدّقش” ووسائل تواصل تابعة لصفحات سياسية واقتصادية، ذكرت أن الآلية الجديدة لتحصيل الرسوم على الهواتف المستوردة صُمِّمت بحيث تمنح كبار الموزعين – وفي مقدمتهم صافي وهبة المرتبط بعلاقة نسب مع عائلة السيسي – قدرة شبه احتكارية على السوق، عبر قصر معظم الاستيراد الرسمي عليهم، وتجفيف المصادر البديلة التي كان المغتربون والمسافرون يوفرونها للسوق بأسعار أقل.

 

هذه الاتهامات لا تُقَدَّم كحقائق قضائية نهائية، لكنها تعكس شعورًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة من المصريين، بأن تشريعات من هذا النوع تُفصَّل على مقاس شبكات مصالح محددة، تُمنَح الأرض والدعم الجمركي وحماية السوق، بينما يُمنَع المنافس الصغير من التنفّس، ويُحوَّل المواطن – في الداخل والخارج – إلى بقرة حلوب لزيادة إيرادات الدولة وأرباح الحيتان في الوقت نفسه.

 

المغتربون بين جمارك 38% وغضب يتحول إلى سلاح في وجه النظام

 

الضربة لم تتوقف عند حدود المستهلك داخل مصر؛ المصريون في الخارج، الذين طالما تغنّت الدولة بتحويلاتهم واعتبرتهم “خط دفاع اقتصادي”، وجدوا أنفسهم فجأة متهمين ضمنيًا بالتهريب، ومطالبين بدفع جمارك وضريبة مضافة ورسوم منظومة تقترب في مجموعها من 38%–38.5% على هاتف شخصي واحد، مع إلزامهم بالسداد إلكترونيًا خلال مهلة لا تتجاوز 90 يومًا من تفعيل الهاتف داخل مصر.

 

تقارير صحفية نقلت عن مغتربين وصفهم للقرار بأنه “ضريبة عقابية” و“قانون صافي”، في إشارة إلى أنه يصب في مصلحة صهر السيسي كما يصفونه، لا في مصلحة الاقتصاد الوطني. بعضهم دعا صراحة إلى تقليص التحويلات الدولارية، ردًا على تحميلهم مسؤولية تهريب تقدّر وزارة المالية قيمته بـ2.3 مليار دولار، رغم أن هذه العمليات – حين تحدث – تمر أصلًا عبر منافذ رسمية تسيطر عليها أجهزة الدولة.

 

الدكتورة نادية المرشدي اعتبرت أن حرمان المصريين في الخارج من حق مكتسب بقرار مفاجئ يعكس حالة “اضطراب حاد” في السياسات الاقتصادية، مؤكدة أن الأثر المباشر للقرار كان انفجارًا في الأسعار بمعدلات قياسية، وأن الدولة، بدلًا من بناء صناعة حقيقية، اختارت الطريق الأسهل: حماية ورش تجميع تحصل على مكونات معفاة تقريبًا، ثم تبيع للمواطن هاتفًا أغلى في سوق محمية من المنافسة، مع تحميل المغترب عبء جمارك مرتفعة بذريعة دعم هذه الصناعة.

 

هكذا يتحول هاتف واحد كان يومًا “حقًا بسيطًا” للمغترب، إلى رمز مكثف لطبيعة الاقتصاد في عهد السيسي: اقتصاد يُدار عبر قرارات مفاجئة، تضرب الثقة، وتربط بين السلطة السياسية وشبكة ضيقة من المنتفعين، بينما يُترك المواطن – في الداخل والخارج – يواجه موجات غلاء متلاحقة، وضرائب مبتكرة، وسوقًا تُغلق فيها الأبواب أمام المنافسة العادلة، وتُفتح فقط لمن يملكون مفاتيح القرب من القصر.