في لحظة يستمر فيها حصار قطاع غزة وتجويع سكانه للعام الثامن عشر، أعلن أسطول الصمود العالمي اليوم عن إطلاق مهمة جديدة برية وبحرية، وُصفت بأنها أكبر حشد مدني منسّق في التاريخ الحديث باتجاه غزة، تنطلق بحراً من برشلونة يوم 29 مارس المقبل، وتتمدّد عبر عدة موانئ متوسطية، بالتوازي مع قافلة برية تحاول الوصول إلى معبر رفح. مهمة يقول منظموها إنها إنسانية وسلمية، لكنهم يدركون مسبقاً أنها تصطدم بحصار عسكري راسخ، وحدود عربية مغلقة، وصمت دولي طويل على جريمة مستمرة.
في مؤتمر صحفي استضافته مؤسسة نيلسون مانديلا في جوهانسبرج، أعلنت عضوة اللجنة التنسيقية سميرة أكدنيز أوردو أن المهمة ستضم آلاف المشاركين ومئات السفن، مدعومة بأكثر من ألف متطوع في مجالات الطب والتعليم والحماية المدنية وإعادة الإعمار، في محاولة لخلق "ممر إنساني تقوده الشعوب" إلى غزة، لا الحكومات. وأكد زميلها سيف أبو كشك أن الاتصالات مع الداخل تصف وضعاً لا يزال كارثياً رغم الكلام عن وقف إطلاق النار، مع استمرار القيود على الإجلاء الطبي والقصف المتقطع وارتفاع أعداد الأطفال الذين فقدوا ذويهم.
تحرك مدني ضخم من المتوسط إلى معبر رفح
المهمة الجديدة ليست سفينة أو اثنتين، بل خطة مرحلية تجمع بين أسطول بحري وقافلة برية منسّقة، تنطلق من موانئ أوروبية عدة، وتتجه نحو غزة عبر شرق المتوسط ومحاور برية تحاول الوصول إلى معبر رفح وغيره من المعابر. المنظمون يصفونها بأنها "أكبر حشد مدني منسّق إلى غزة"، يضم نقابيين وبرلمانيين وأطباء ومتطوعين من قارات مختلفة، ويهدف إلى تحويل التضامن من شعارات إلى محاولة عملية لكسر الحصار أو على الأقل فضح شرعيته أمام الرأي العام العالمي.
الرسالة الأساسية أن المدنيين قرروا التقدم إلى خط النار بأنفسهم، بعدما تحوّل الحصار إلى أداة تجويع ممنهجة؛ فالتقارير الأممية تتحدث عن حرمان واسع من الغذاء والمياه والدواء، وتحذيرات متكررة من مجاعة وشيكة، خاصة في شمال القطاع، مع استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات وعرقلة القوافل حتى في ظل وقف إطلاق النار المعلن.
في موازاة الأسطول البحري، تتحرك قافلة برية تستهدف تحدي القيود على المعابر، وتسليط الضوء على الدور المصري الحاسم في إبقاء غزة معزولة أو فتح نافذة تنفس لها. التجارب السابقة تقول إن السلطة في القاهرة استخدمت أحياناً القبضة الأمنية ضد المتضامنين الأجانب، كما حدث في يونيو 2025 حين تم منع مئات المتضامنين من الوصول إلى رفح، ومصادرة جوازات سفرهم وترحيلهم قسرياً، في مشهد كشف أن الحصار ليس قراراً إسرائيلياً خالصاً، بل منظومة إقليمية متشابكة.
ذاكرة الأساطيل السابقة: قمع متكرر ورسائل سياسية فاضحة
أسطول الصمود يدخل البحر المتوسط وهو محمّل بذاكرة ثقيلة لأساطيل سابقة؛ من "أسطول الحرية" عام 2010 حين هاجمت قوات الاحتلال سفينة "مافي مرمرة" في المياه الدولية وقتلت 10 ناشطين، في واقعة اعتبرتها تقارير أممية استخداماً مفرطاً للقوة وانتهاكاً للقانون الدولي، مروراً بمحاولات متكررة منذ ذلك الحين لاختراق الحصار، كان القاسم المشترك بينها اعتراض عسكري عنيف وانتهاك لحرية الملاحة.
خلال العامين الماضيين وحدهما، تعرّضت سفن عديدة لهجمات أو اعتراضات: طائرات مسيّرة إسرائيلية قصفت سفينة "الضمير" قرب مالطا في مايو 2025 وألحق بها أضراراً جسيمة؛ وأُوقفت سفن "مادلين" و"حنظلة" التابعة لتحالف تحالف أسطول الحرية وتم احتجاز النشطاء على متنها وترحيلهم. وفي خريف 2025 اعترضت البحرية الإسرائيلية أسطولاً من أكثر من 40 قارباً نظمه "أسطول الصمود" نفسه، واعتقلت مئات المشاركين بينهم برلمانيون أوروبيون وناشطة المناخ غريتا تونبرغ، بعد أن اقتربت بعض القوارب لمسافة غير مسبوقة من سواحل غزة منذ بدء الحصار البحري عام 2009.
رسالة هذه الإجراءات واحدة: أي محاولة لكسر الحصار، حتى لو كانت سلمية ومعلنة وشفافة، تُعامل كتهديد أمني. في المقابل، يرى منظمو الأساطيل أن هذه الردود العنيفة تكشف حقيقة الحصار: ليس مجرد "إجراء أمني" كما تدّعي إسرائيل، بل أداة عقاب جماعي وتجويع لسكان مدنيين يتجاوز عددهم مليوني إنسان، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، كما أشارت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية عدة.
بين الحصار والحدود العربية.. اختبار جديد لإرادة العالم
المهمة الجديدة لا تواجه فقط زوارق الاحتلال ودباباته، بل تصطدم أيضاً بنظام إقليمي ما زال يتعامل مع غزة باعتبارها عبئاً أمنياً لا واجباً أخلاقياً. فالقوافل السابقة التي حاولت العبور برّاً اصطدمت مرات بقوات أمن عربية منعت وصولها، كما فعلت السلطات المصرية مع قوافل المتضامنين على طريق الإسماعيلية–رفح، وكما فعلت سلطات شرق ليبيا حين أوقفت القافلة المغاربية واحتجزت عدداً من المشاركين فيها. الرسالة غير المعلنة: الحصار خط أحمر، وأي محاولة شعبية لكسره ستواجه بالقمع حتى خارج فلسطين.
اليوم، يراهن أسطول الصمود على حجم المشاركة واتساع التحالفات؛ آلاف النشطاء، مئات السفن، توقيع شخصيات عامة، أطباء، أساتذة جامعات، ونقابيين من دول الشمال والجنوب، في محاولة لتحويل الملف من قضية إنسانية "محجوزة" في أروقة الأمم المتحدة إلى قضية رأي عام عالمي ضاغط، يربط بين استمرار الحصار وبين مسؤولية الحكومات التي تغض الطرف عنه أو تشارك عملياً في تطبيقه عبر إغلاق المعابر ومنع القوافل.
لكن السؤال الحاسم يبقى مفتوحاً: ماذا لو تكرر السيناريو ذاته – اعتراض عسكري في البحر، ومنع على الحدود، وبيانات "قلق" دولية – هل سيتحول الأسطول إلى مجرد رمز آخر في سلسلة طويلة من محاولات كسر الحصار؟ أم أن تراكم هذه المبادرات، مع تعاظم حجم الكارثة الإنسانية في غزة، سيدفع أخيراً إلى تغيير حقيقي في قواعد اللعبة؟
إلى أن يُجاب على هذا السؤال، يظل أسطول الصمود العالمي اختباراً جديداً، ليس فقط لصلابة الحصار، بل لضمير عالم اعتاد مشاهدة غزة وهي تُخنق ببطء، مكتفياً بإحصاء الشهداء وشحن قوافل المساعدات عبر شاشات التلفاز، بينما يحاول مدنيون عُزّل تحويل البحر والبر إلى ممر إنساني بالقوة السلمية والإصرار.

