فرضت وزارة التموين المصرية على المصانع المستورِدة للسكر الخام إعادةَ تصدير الكميات التي تقوم بتكريرها، سواء من شحنات العام الماضي أو الكميات المتوقع دخولها خلال العام الجاري، بعد الانتهاء من عمليات التكرير محليًا، مع خطة أولية لتصدير نحو 300 ألف طن قابلة للزيادة.

القرار يأتي بعد أيام من رفع حظر تصدير السكر لأول مرة منذ نهاية 2023، وبعد موسم إنتاج قياسي، وفائض يُقدَّر بنحو مليون طن، وفق تقديرات رسمية وصحفية.

 

على الورق، الهدف المعلن هو «تصريف المخزون المتراكم من السكر المحلي» وحماية المصانع من الخسائر.

لكن على أرض الواقع، نحن أمام حلقة أخرى من سلسلة «إدارة الأزمات بالمقصّ»؛ مرة بحظر التصدير والاستيراد، ومرة أخرى بإخراج السكر الأرخص من السوق المحلية، لضمان بقاء الأسعار عند مستوى يرضي المنتجين، مهما كانت قدرة المستهلك على الاحتمال.

 

من سكر بـ60 جنيهًا للكيلو إلى فائض بالمليون طن… فشل تخطيط لا قصة نجاح

 

قبل عام واحد فقط، كان السؤال المسيطر: «أين السكر؟».

الأسعار قفزت في مطلع 2024 إلى ما فوق 60 جنيهًا للكيلو في بعض المناطق، مع نقص واضح في المعروض، ما دفع الحكومة لاحقًا لاستيراد كميات ضخمة – قُدِّرت بنحو مليون طن في 2024 – للسيطرة على الأزمة.

 

في موسم الإنتاج الأخير، انقلب المشهد تمامًا: إنتاج السكر في مصر قفز إلى نحو 2.964 مليون طن، بنمو 34% مقارنة بموسم 2024 الذي سجل حوالي 2.215 مليون طن، وفق بيانات نقلتها تقارير صحفية عن مصادر رسمية. مع التوسع في زراعة البنجر وزيادة المساحات، تكوّن مخزون ضخم لدى المنتجين، قُدِّر بنحو مليوني طن من السكر في مخازن القطاعين العام والخاص بنهاية الموسم الماضي.

 

في الوقت نفسه، استمرت المصانع في استيراد كميات كبيرة من السكر الخام – قُدِّرت بنحو 876 ألف طن في 2025 بزيادة تقارب 17% عن العام السابق – بحجة الاستفادة من انخفاض الأسعار العالمية وضبط الأسعار المحلية بعد موجة الـ60 جنيهًا.

النتيجة: فائض سنوي يقارب 1.2 مليون طن بين إنتاج محلي قياسي واستيراد واسع للسكر الخام، وفق أرقام الصناعة المتداولة.

 

اليوم، ومع توقعات إنتاج لا يقل عن 2.8 مليون طن في 2026، ووصول إجمالي المعروض (إنتاج + مخزون) إلى نحو 4 ملايين طن مقابل احتياج داخلي يتراوح بين 3.3 و3.5 مليون طن سنويًا، تبدو مصر في وضع «فائض مزمن» لا «اكتفاء ذاتي منضبط».

 

هذا الانتقال السريع من ندرة خانقة إلى فائض يضغط على الأسعار ليس دليل كفاءة، بل علامة على غياب سياسة سكر واضحة: قرارات متذبذبة بالحظر والسماح، توسع في الإنتاج بلا خطة تسويق، واستيراد زائد بلا تنسيق، ثم محاولة إصلاح كل ذلك بمقص «إعادة التصدير» الإجباري.

 

إقصاء السكر الأرخص لإنقاذ المنتج الأغلى

 

جوهر القرار الجديد ليس «تشجيع التصدير»، بل إجبار المصانع التي تستورد السكر الخام على إخراج إنتاجها المكرر إلى الخارج وعدم طرحه في السوق المحلية، مع إلزامها بتغطية الطلب الداخلي من خلال السكر المحلي فقط.

 

لماذا؟ لأن هناك فجوة سعرية واضحة:

 

  • تكلفة إنتاج السكر المحلي على المصانع تقارب 25 جنيهًا للكيلو، بحسب تقديرات مسؤولي القطاع.
  • في المقابل، يدخل السكر الخام المستورد بتكلفة أقل، وبعد تكريره يمكن بيعه محليًا بسعر يقل عن 25 جنيهًا للكيلو، مستفيدًا من تراجع السعر العالمي، وهو ما أكدته تصريحات مسؤولين في اتحاد الصناعات: كلفة طن السكر الخام المستورد يمكن أن تنخفض إلى نحو 19 ألف جنيه للطن، أقل من تكلفة السكر المحلي حتى بعد إضافة 4–5 آلاف جنيه تكلفة تكرير.

 

بمعنى مباشر: المستهلك كان يمكن أن يستفيد من سكر أرخص، لكن القرار اختار أن يطرده خارج الحدود، كي لا يضغط على سعر السكر المحلي الأعلى تكلفة.

 

هكذا يتحول شعار «حماية الصناعة الوطنية» إلى أداة لضمان حد أدنى مرتفع للأسعار في السوق الداخلية، ولو على حساب حق الناس في الاستفادة من تراجع الأسعار العالمية. ويُستخدم سلاح المنع – مرة بمنع استيراد السكر المكرر لمدة 3 أشهر في نوفمبر 2025، ومرة بإلزام إعادة تصدير الخام المكرر الآن – كأداة إدارية لتعويض ما عجزت عنه سياسات الإنتاج والتسعير الشفافة.

 

الأخطر أن القرار يكرس نمطًا متكررًا:

 

  • حين ترتفع الأسعار ويقع عبء الأزمة على المستهلك، تُبرَّر الاستيرادات الطارئة بأنها «لحماية المواطنين».
  • وحين تتكدس المخازن ويتضرر المنتجون، يُمنع دخول أو بيع السكر الأرخص في الداخل، تحت عنوان «حماية الصناعة».

 

في الحالتين، الطرف الذي لا يُستشار ولا يُحمى هو المستهلك.

 

من الرابح الحقيقي؟ المصانع أم المزارع أم المواطن؟

 

من زاوية ضيقة، يبدو القرار كأنه يقدم مكاسب لثلاثة أطراف:

 

  1. المصانع المحلية: تحصل على فرصة لتصريف المخزون المحلي بأسعار تغطي تكلفته المرتفعة، مع إمكانية تصدير السكر المكرر المستورد للحصول على سيولة دولارية تعينها على استمرار التشغيل.
  2. الحكومة: تتفاخر بفائض إنتاج وسماح بالتصدير بعد ثلاث سنوات من الحظر، وتضيف بضعة مئات الآلاف من الأطنان إلى إيرادات الصادرات، وتخفف الضغط عن مخزون يكلّفها تمويلًا ومساحات تخزين.
  3. بعض المزارعين: بعد رفع سعر توريد قصب السكر إلى 2500 جنيه للطن، يراهنون على استمرار الطلب على محصولهم، في ظل تصريحات رسمية عن استهداف توريد 6 ملايين طن قصب هذا الموسم.

 

لكن الصورة الأوسع تكشف خسائر أوسع:

 

  • المستهلك يخسر فرصة الاستفادة من السكر الأرخص، في وقت تآكلت فيه دخول الأسر بفعل موجات التضخم المتتالية، من الوقود إلى الكهرباء إلى الغذاء، بينما يظل السكر سلعة أساسية في كل بيت وكل مصنع غذائي.
  • المصنّع الصغير (حلويات، مشروبات، مخابز) يجد نفسه أسيرًا لسعر أعلى للسكر المحلي، ما يضغط على تكاليفه وهوامش ربحه، أو يدفعه لرفع الأسعار أكثر على المستهلك النهائي.
  • السياسة الزراعية والصناعية تزداد تشوهًا: توسع في المساحات والإنتاج بلا خريطة تسويقية واضحة، قرارات حظر واستثناء وتصدير تتغير كل عام، ورسالة ضمنية للمستثمرين مفادها أن السوق تُدار بقرارات فوقية لا بقواعد تنافس شفافة.

 

في النهاية، لا يمكن اختزال قرار إلزام إعادة تصدير السكر الخام المكرر في جملة «تصريف مخزون»؛ هو قرار يكشف منطقًا أوسع:

 

  • الدولة تتدخل لحماية هوامش ربح صناعة تعجز عن منافسة السعر العالمي،
  • وتستخدم ورقة «الأمن الغذائي» لتبرير السيطرة الإدارية على السوق،
  • بينما يتحمل المواطن تكلفة سوء التخطيط، مرة في شكل ندرة وارتفاع جنوني للأسعار، ومرة أخرى في شكل إقصاء متعمد للسلعة الأرخص من متناول يده.

 

السكر الذي حُجِب عن المصريين عندما وصل سعره إلى 60 جنيهًا للكيلو، يعود اليوم ليُعاد تصديره بعد أن تحوّل إلى فائض. وبين الندرة والفائض، شيء واحد ثابت: المواطن دائمًا آخر من يُحسب حسابه في معادلة القرار الاقتصادي.