في خطوة جديدة تعمّق حضور المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية، وافق مجلس النواب عبر لجنة الدفاع والأمن القومي على تعديل مواد من قانون الخدمة العسكرية والخدمة الوطنية، توسّعت بموجبها مبررات الإعفاء من التجنيد لتشمل ضحايا العمليات “الإرهابية” إلى جانب العمليات الحربية، وفي المقابل جرى تشديد العقوبات على المتخلفين عن أداء التجنيد أو عدم الاستجابة للاستدعاء، لتصل الغرامة إلى ما بين 10 و100 ألف جنيه مع الحبس.
ورغم أن المذكرة الإيضاحية قدّمت التعديل باعتباره “تكريمًا لتضحيات الشهداء والمصابين وحماية للأمن القومي”، فإن توقيته وطبيعة العقوبات الجديدة تعززان شعورًا متناميًا بأن الدولة تسعى إلى إحكام قبضتها على الشباب المصري كـ“مورد بشري” لقوة عسكرية – اقتصادية آخذة في التمدد داخل كل مفاصل الدولة، بينما يُهمَّش دورها الدفاعي التقليدي.
“تكريم الشهداء” على الورق.. وتجريم أوسع للشباب في الواقع
التعديلات الجديدة توسّع مفهوم الإعفاء ليشمل المتضررين من العمليات الإرهابية، سواء بالإصابة أو استشهاد رب الأسرة، في محاولة لصياغة خطاب عاطفي حول “الوفاء لتضحيات الجيش والشرطة”. لكن في المقابل، تشدد المواد (49) و(52) العقوبات على كل من يتخلف عن أداء التجنيد أو يتجاهل الاستدعاء، عبر حبس وغرامات مالية ثقيلة تبدأ من 10 آلاف جنيه وقد تصل إلى 100 ألف جنيه، في بلد يعيش أغلب شبابه تحت خط ضيق من الدخول الهشة والبطالة المقنّعة.
بهذا الشكل، يتحول القانون إلى عصا غليظة في يد السلطة، تُرفع في وجه أي شاب يتأخر في إنهاء أوراقه أو يحاول – لأسباب شخصية أو اقتصادية أو سياسية – الهروب من الخدمة. فبدل مناقشة إصلاح شامل لمنظومة التجنيد، أو الانتقال إلى جيش مهني محترف يعتمد على الكفاءة والاختيار الحر، يرسّخ التعديل مبدأ “التجنيد الإجباري المُغلّظ” تحت شعار الأمن القومي.
جيش يتوسع في الاقتصاد.. وتشريعات تشدد قبضته على البشر والموارد
التعديل لا يمكن قراءته بمعزل عن الصورة الأوسع لدور الجيش في مصر خلال السنوات الأخيرة. الخبير يزيد صايغ، المختص في الاقتصاد العسكري المصري، يربط توسع المؤسسة العسكرية في المشروعات المدنية بهذا النوع من التشريعات، إذ يرى أن الجيش لم يعد لاعبًا دفاعيًا فقط، بل بات موجودًا في شبكات الطرق، والإسكان، والمواد الغذائية، والطاقة، وحتى السياحة، وهو ما يحوله إلى فاعل اقتصادي مهيمن ينافس القطاع الخاص بامتيازات هائلة.
تقرير صندوق النقد الدولي انتقد بوضوح هيمنة الكيانات المملوكة للدولة والجيش على الاقتصاد، معتبرًا أنها عقبة أمام الإصلاح الهيكلي، لأنها تحصل على إعفاءات ضريبية وأراضي وامتيازات لا يحلم بها المستثمر العادي. في ظل هذا الواقع، يصبح توسيع قاعدة المجندين الإجباريين – مع تشديد العقوبات – وسيلة لتأمين قوة عمل رخيصة ومنضبطة يمكن توجيهها لمشروعات “وطنية” يديرها الجيش، أكثر من كونها ضرورة دفاعية حقيقية تفرضها تهديدات خارجية.
رجل الأعمال نجيب ساويرس كان صريحًا حين حذر من أن توسع الجيش في الاستثمار المدني يخلق منافسة غير عادلة ويضر بالصناعة الوطنية، مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية ليست الجهة المناسبة لإدارة الاقتصاد أو الأسواق. ومع قانون تجنيد أكثر صرامة، تتعزز مخاوف أن يتحول الشباب إلى وقود لآلة ضخمة تمزج بين “الخوذة والخوذة الصفراء”؛ الجنود في الصباح، وعمال مواقع ومصانع بإدارة عسكرية في بقية اليوم.
أمن قومي حقيقي أم استخدام شعار الأمن لتكميم المجتمع؟
في المذكرة الإيضاحية، تُقدَّم التعديلات كجزء من “ترسيخ مبدأ التجنيد الإجباري كركن من أركان الدفاع الوطني وضمان جاهزية الاحتياط”. لكن السؤال الجوهري: هل تُستخدم ورقة الأمن القومي اليوم لتقوية قدرة الجيش على مواجهة تهديدات خارجية، أم لتعزيز قدرة السلطة على ضبط الداخل والسيطرة على المجتمع والاقتصاد؟
تشديد العقوبات المالية والجنائية على عشرات الآلاف من الشباب سنويًا، في ظل غياب شفافية حقيقية حول حجم القوات المطلوبة فعليًا، ومع استمرار توسع الجيش في الأنشطة الاقتصادية، يجعل من الصعب تصديق أن الهدف الوحيد هو “حماية الحدود”. فالدولة التي ترى في الشباب مجرد رقم في كشف تجنيد، أو عامل محتمل في مشروع تابع للمؤسسة العسكرية، لا يمكن أن تدّعي في الوقت نفسه أنها تحرر طاقاتهم أو تراهن عليهم في الابتكار والإنتاج المدني الحر.
في النهاية، تكشف تعديلات قانون الخدمة العسكرية عن اتجاه سياسي واضح: المزيد من عسكرة الحياة العامة، والمزيد من استخدام سيف العقوبات بدلًا من فتح حوار مجتمعي حول مستقبل الجيش ودوره وحدود حضوره في الاقتصاد والسياسة. وبين خطاب رسمي يتحدث عن “تكريم الشهداء” وواقع تشريعي يوسّع دائرة التجريم والإجبار، يظل الشباب المصري هو الحلقة الأضعف، يقف بين مطرقة البطالة وسندان التجنيد، في دولة تفكر في جسده قبل أن تفكر في مستقبله.

