شهدت إيران، اليوم السبت 31 يناير 2026، يومًا متوترًا بعد انفجارين داميين في مدينتي بندر عباس والأهواز جنوبًا وغربًا، أسفرا – بحسب الحصيلة المعلنة حتى الآن – عن مقتل ما لا يقل عن 5 أشخاص وإصابة العشرات، وسط رواية رسمية تُرجع الحادثين لتسربات غاز، في مقابل حالة ارتياب داخلية وخارجية نظرًا لتوقيت الانفجارات وحساسية المناطق المستهدفة.

 

الحرس الثوري سارع لنفي أنباء عن استهداف قائد بحريته، كما نفت مصادر إسرائيلية أي علاقة لتل أبيب بما حدث، في وقت تحذر فيه الولايات المتحدة إيران من «سلوك غير آمن» في مضيق هرمز وتلوّح بخيارات عسكرية، ما يجعل أي انفجار – حتى لو كان حادثًا صناعيًا – جزءًا من لوحة توتر إقليمي قابل للاشتعال.
 

 

انفجار بندر عباس: مبنى سكني مدمَّر وشائعات اغتيال تنكسيري

 

الانفجار الأول وقع في مبنى سكني مكوَّن من ثمانية طوابق في مدينة بندر عباس الساحلية، المطلة على مضيق هرمز، حيث أعلنت وسائل إعلام رسمية عن مقتل طفلة وإصابة 14 شخصًا على الأقل، مع تدمير طابقين كاملين وأضرار واسعة بعدد من السيارات والمتاجر المحيطة بالمبنى.

 

رئيس جهاز الإطفاء في بندر عباس، محمد أمين لياقت، قال إن التقييم الأولي يرجِّح أن الانفجار ناتج عن «تسرب غاز وتراكمه داخل المبنى»، مؤكدًا أن فرق الدفاع المدني ما زالت تحقق في التفاصيل التقنية، وأنه لا توجد مؤشرات حتى الآن على عمل عسكري أو تفجيري متعمد.

 

 

لكن على منصات التواصل داخل إيران وخارجها، انتشرت سريعًا روايات غير موثقة عن محاولة اغتيال قائد بحرية الحرس الثوري، الأدميرال علي رضا تنكسيري، بدعوى أنه كان هدفًا مفترضًا في بندر عباس. وكالة «تسنيم» المقربة من الحرس الثوري سارعت إلى وصف هذه الأنباء بأنها «كاذبة تمامًا»، مؤكدة أن تنكسيري لم يكن في موقع الانفجار ولا علاقة له بالحادث.

 

في موازاة ذلك، نقلت رويترز عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن إسرائيل «لا علاقة لها» بالانفجارين، ولا علم لها بتفاصيلهما، وأنها «غير ضالعة في هذه الانفجارات»، في محاولة لنفي أي ربط بين ما جرى وبين حرب الظل القائمة منذ سنوات بين إسرائيل وإيران.

 

ورغم أن الرواية الرسمية حتى الآن تميل بشكل واضح إلى تفسير الانفجار باعتباره حادثًا مدنيًا ناجمًا عن تسرب غاز – وهو نمط متكرر في الداخل الإيراني – فإن وقوعه في مدينة إستراتيجية تضم أحد أهم الموانئ الإيرانية وقاعدة بحرية رئيسية للحرس الثوري، يجعل الشارع الإيراني أكثر حساسية وأقل ثقة في أي رواية حكومية، خاصة في ظل تراكم خبرات سابقة من التعتيم الإعلامي في ملفات الانفجارات والحوادث الكبيرة.

 

كارثة غازية في الأهواز: بنية تحتية متهالكة أم ثمن ثانوي لصراع أكبر؟

 

الانفجار الثاني وقع في مدينة الأهواز، مركز محافظة خوزستان الغنية بالنفط، حيث أعلنت السلطات عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين في انفجار ضخم داخل مبنى سكني في حي «كيانشهر»، رجّح المسؤولون أيضًا أنه ناجم عن تسرب غاز منزلي. فرق الإطفاء والإنقاذ هرعت إلى الموقع، وسط صور وفيديوهات أظهرت انهيار جزء من الواجهة وتحوّل سيارات متوقفة قرب المكان إلى ركام.
 

 

رئيس منظمة الإطفاء وخدمات السلامة في بلدية الأهواز أوضح أن المبنى المكوَّن من عدة وحدات سكنية تعرض لأضرار جسيمة، وأن عمليات رفع الأنقاض مستمرة تحسبًا لوجود ضحايا آخرين تحت الركام. هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها مدن إيرانية – خاصة في الجنوب الغربي – انفجارات مرتبطة بتسربات غاز، ما يعكس مزيجًا خطيرًا من قدم البنية التحتية، وسوء الصيانة، وغياب أنظمة أمان صارمة في كثير من الأحياء الفقيرة والمتوسطة.

 

إجمالاً، تشير تقديرات وكالات مختلفة إلى أن حصيلة الانفجارين بلغت على الأقل 5 قتلى وأكثر من 15 مصابًا، بينما رفعت بعض المصادر العدد إلى 6 قتلى مع تحديثات لاحقة لوفيات في الأهواز. هذا التضارب في الأرقام مألوف في الساعات الأولى للحوادث الكبيرة داخل إيران، خاصة حين تتزامن مع توتر داخلي سياسي وأمني حاد، يجعل السلطات تميل إلى التحكم في تدفق المعلومات خشية تضخيم أثر الحادث على الشارع.

 

في خلفية هذه المشاهد، لا يمكن فصل الانفجارات عن الواقع الداخلي المتفجر: إيران ما تزال تعيش على وقع احتجاجات واسعة وقمع دموي خلال الأسابيع الماضية، مع تقارير متزايدة عن أعداد ضخمة من الضحايا في صفوف المتظاهرين، وحديث منظمات حقوقية عن «كارثة إنسانية» وحملة قمع تعدّ من الأعنف منذ عقود.

 

مضيق هرمز على صفيح ساخن: مناورات إيرانية، تحذيرات أمريكية، وبيئة مشحونة بأي خطأ

 

الأخطر في توقيت الانفجارات أنها جاءت بينما كانت إيران تعلن عن مناورات بحرية بالذخيرة الحية بالقرب من سفن أمريكية في مضيق هرمز، في رسالة قوة واضحة من الحرس الثوري الإيراني إلى واشنطن وحلفائها. في المقابل، أصدرت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) تحذيرًا شديد اللهجة، قالت فيه إنها «لن تتسامح مع الأفعال غير الآمنة» من جانب الحرس الثوري، وإن أي سلوك غير مهني بالقرب من القوات الأمريكية أو السفن التجارية «يزيد خطر الاصطدام والتصعيد وزعزعة الاستقرار».

 

هذا التصعيد البحري يأتي فوق طبقات أخرى من التوتر: صراع مفتوح بالوكالة بين إيران والولايات المتحدة/إسرائيل في العراق وسوريا واليمن، وضغوط متجددة على برنامج إيران النووي، وعقوبات خانقة تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية. تقارير مراكز أبحاث دولية تشير إلى أن المنطقة تعيش واحدة من أكثر لحظات الاحتكاك خطورة منذ سنوات، مع تعدد اللاعبين والساحات، واحتمال أن تتحول أي حادثة صغيرة في البحر أو على البر إلى شرارة لمواجهة أوسع.

 

هنا من المهم تصحيح نقطة وردت في بعض الروايات المتداولة: حتى الآن، لم تقع «حرب مباشرة معلنة استمرت 12 يومًا بين الولايات المتحدة وإيران» كما يروّج بعض المحتوى على شبكات التواصل؛ ما جرى خلال الأشهر والسنوات الماضية هو سلسلة ضربات محدودة ومتبادلة، وهجمات نفذتها فصائل مرتبطة بإيران، وردود أمريكية أو إسرائيلية موضعية، لكنها لم ترقَ إلى مستوى حرب شاملة بالمعنى الكلاسيكي. أي حديث عن «حرب منتهية باتفاق» كما يُروَّج يحتاج للتعامل معه بحذر شديد، لأنه يعطي انطباعًا زائفًا باستنفاد خيارات التصعيد، بينما الواقع أن كل الأطراف ما تزال في قلب لعبة شد حبل خطيرة.

 

خلاصة المشهد: رسميًا، ما حدث في بندر عباس والأهواز «تسربا غاز» في مبانٍ مدنية. سياسيًا وأمنيًا، الانفجارات وقعت في قلب دولة مضغوطة داخليًا وخارجيًا، وعلى مرمى أمتار من ممر مائي تمر عبره خُمس تجارة النفط العالمية. في بيئة بهذا القدر من الاشتعال، لا يحتاج الأمر دائمًا إلى قنبلة مزروعة أو صاروخ موجّه؛ أحيانًا يكفي شرر من ماسورة غاز مهترئة، أو خطأ في مناورة بحرية، لتحريك موجة جديدة من التصعيد في منطقة أصلًا تتنفس على حافة الحرب.