مع بداية موجات البرد، اكتشف ملايين المصريين أن الدفء نفسه صار «سلعة فاخرة». أسعار البطاطين والمفروشات قفزت خلال موسم واحد بنسب وصفتها شُعب تجارية بأنها «غير مسبوقة»، لدرجة أن بعض الأسر باتت تؤجل الشراء، أو تلجأ لأقل الخامات جودة، بينما تقلصت كميات البطاطين التي توزعها الجمعيات الخيرية بعد أن تضاعفت الفاتورة تقريبًا في أسواق الجملة مثل «سوق الوكالة» بالقاهرة، حيث رصد تقرير لموقع مصراوي زيادات بين 40 و50% مقارنة بالعام الماضي، وبلوغ أسعار بعض الأنواع المستوردة أرقامًا تتجاوز ألفي جنيه للبطانية الواحدة.
من بطانية شعبية إلى «سلعة كمالية»
في جولات سريعة داخل أسواق الجملة والتجزئة، تظهر الفجوة بوضوح بين واقع دخول الأسر وأسعار المفروشات. تقارير صحفية عن سوق الوكالة تشير إلى أن البطانية التي كانت تُشترى قبل عامين بمئات قليلة من الجنيهات، باتت اليوم تقترب من ضعف هذا الرقم، مع وصول أنواع ذات أوزان كبيرة أو ماركات مستوردة إلى ما بين 1500 و2500 جنيه، وفق ما رصده التجار هناك. وعلى مواقع التجارة الإلكترونية، تُعرض بطاطين «دوبل» متوسطة الجودة بأسعار تقترب من 1800 جنيه، بينما تبدأ بطاطين الفايبر الخفيفة من نحو 350 جنيهًا فقط، لكنها لا تقدم الدفء الكافي في موجات البرد القاسية.
هذا الصعود المتواصل لم يقتصر على البطاطين فقط، بل امتد إلى أطقم الملايات والمفارش واللحاف الفايبر، حيث تشير بيانات غرف صناعية إلى أن تكلفة إنتاج مفروشات القطن ارتفعت تبعًا لزيادة أسعار الغزول الخام، والأقمشة المستوردة، والطباعة والصباغة، ليجد المستهلك النهائي نفسه أمام فاتورة مضاعفة تقريبًا إذا قرر «تجديد» فرش غرفة واحدة في بيته.
الدكتور محمد عبد السلام، رئيس غرفة الملابس الجاهزة والمفروشات الجاهزة باتحاد الصناعات المصرية، يربط بين ما يحدث في سوق البطاطين والمفروشات وبين الضغوط المتراكمة على قطاع المنسوجات ككل، موضحًا في تصريحات سابقة أن تكاليف الإنتاج في هذا القطاع تأثرت بشدة بارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام وفوائد التمويل، رغم قدرته الكبيرة على التصدير والتشغيل إذا توافرت له بيئة مستقرة. ويؤكد أن هذه الزيادات تضطر المصانع لتعديل قوائم الأسعار عدة مرات في الموسم الواحد، ما يُترجم مباشرة إلى زيادات حادة للمستهلك.
الدولار والجمارك وسلاسل الإمداد.. الفاتورة المخفية في كل بطانية
بعيدًا عن رفوف المحال، تدور معركة أخرى في الكواليس بين المنتجين والمستورِدين والبنوك. جزء كبير من البطاطين والمفروشات المتداولة في السوق المصرية يعتمد على خامات مستوردة كالألياف الصناعية، أو يأتي جاهزًا من الصين وتركيا وغيرها، وبالتالي فإن أي قفزة في سعر الدولار أو رسوم الشحن والجمارك تنعكس فورًا على المواطن.
أشرف هلال، رئيس شعبة الأدوات المنزلية بغرفة القاهرة التجارية، كان قد حذّر أكثر من مرة من أن تذبذب سعر الصرف وارتفاع تكلفة الإفراج الجمركي عن الحاويات يرفع أسعار السلع المعمرة والمنزلية كلها، بما فيها المفروشات، بنسب وصلت في بعض الفترات إلى ما بين 30 و50%، موضحًا أن التاجر أصبح يدخل الموسم وهو غير قادر على تسعير ثابت لبضاعته، لأن كل شحنة جديدة تأتي بتكلفة أعلى من سابقتها.
ويضيف خبراء استيراد أن القيود المشددة على فتح الاعتمادات المستندية، واشتراطات تدبير العملة الصعبة، أجبرت عددًا من المستوردين على تقليص حجم وارداتهم من البطاطين والمفروشات، أو رفع الأسعار لتعويض تكلفة التمويل بالدولار في السوق الرسمية وغير الرسمية على السواء. أحمد شيحة، الرئيس السابق لشعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أكد في أكثر من تصريح أن السياسات الحالية الخاصة باستيراد السلع ومشكلات توفير الدولار رفعت تكلفة البضائع المستوردة بشكل كبير، وأن المستهلك يدفع الثمن في النهاية، ليس فقط في الأجهزة الكهربائية أو السيارات، بل في أبسط مستلزمات البيت، من الأواني المنزلية إلى البطاطين.
على الجانب الإنتاجي، يشير ممدوح حنا، عضو شعبة القطن وغرفة الصناعات النسيجية، إلى أن تقلبات أسعار القطن عالميًا وارتفاع تكلفة الغزول والمواد الكيماوية المستخدمة في تجهيز الأقمشة جعلت مصانع المفروشات تعمل في هامش ربح ضيق، ما يدفعها بدورها إلى تمرير الجزء الأكبر من هذه الزيادات إلى تاجر الجملة فالمستهلك، محذرًا من أن استمرار هذه المعادلة سيُخرج عددًا من المصانع الصغيرة من السوق، ويزيد الاعتماد على المنتجات المستوردة الأعلى سعرًا.
أسرة على «الحيطة» وجمعيات تقلل البطاطين.. شتاء اجتماعي أصعب
تداعيات هذه الارتفاعات لا تتوقف عند حدود «التضجر من الغلاء»، بل تُترجم إلى خيارات قاسية في بيوت كثيرة. في الأحياء الشعبية والريفية، بات مشهد البطانية الواحدة التي يتقاسمها أكثر من فرد في الغرفة أمرًا متكررًا، بينما تؤجل أسر أخرى شراء أي مفروشات جديدة، وتلجأ إلى أسواق المستعمل أو إلى منتجات منخفضة الجودة أقل قدرة على الصمود أكثر من موسم أو اثنين.
تقرير عن سوق الوكالة أشار إلى أن الجمعيات الخيرية التي كانت تشتري مئات البطاطين لتوزيعها على الأسر الأكثر احتياجًا اضطرت هذا الموسم إلى تقليل الكميات، بعدما تضاعفت تقريبًا تكلفة «شنطة الدفء» التي تضم بطانية أو اثنتين وبعض المفروشات الأساسية، وهو ما يعني أن عددًا أقل من الأسر سيحصل على مساعدة عينية في ذروة البرد.
الدكتور محمد عبد السلام يحذر من أن استمرار هذا النمط من ارتفاع الأسعار، دون زيادة موازية في الأجور أو دعم حقيقي للسلع الأساسية، سيحوّل المفروشات إلى عنصر جديد في «سلسلة الفقر متعدد الأبعاد»، حيث لم يعد الضغط مقتصرًا على الغذاء فقط، بل امتد إلى حق الناس في الدفء والسكن اللائق. ومن جانبه، يرى أشرف هلال أن تراجع القوة الشرائية دفع بعض التجار إلى اللجوء لتقسيط المفروشات عبر أنظمة غير مصرفية، أو تقديم خصومات على المخزون القديم، لكن هذه الحلول تبقى جزئية ولا تعالج جذور أزمة التكلفة.
في المقابل، يؤكد خبراء اقتصاد أن تخفيف الضغط على سوق البطاطين والمفروشات يتطلب أكثر من مناشدات للمواطنين بـ«الترشيد». الإصلاح يبدأ من السياسات الكلية: استقرار سعر الصرف، وتخفيض أعباء الإنتاج على مصانع النسيج، وتوفير تمويل ميسر لصغار المنتجين، وضبط هوامش الربح في حلقات التوزيع، حتى لا يتحول الشتاء إلى موسم جديد لامتحان قدرة المصريين على احتمال «دفء» صار ثمنه فوق طاقتهم.

