فيما يسلط الضوء على الجانب الخفي في التحالف القائم بين أبوظبي والانقلاب في مصر منذ الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، كشف الباحث السياسي السعودي سلمان الأنصاري عن تفاصيل طعنات استراتيجية قال إن الإمارات وجهتها لمصر، تندرج جميعها تحت مظلة تفريغ مصر من سيادتها السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية والإعلامية.
وقال في تقرير مطول نشره عبر حسابه في منصة "إكس"، إنه في الوقت الذي كانت فيه مصر تواجه أخطر تهديد مائي في تاريخها قدمت أبوظبي دعما ماليًا وسياسيًا مباشرًا لإثيوبيا.
دعم إثيوبيا في بناء سد النهضة
وأشار إلى أنه في يونيو 2018، وخلال زيارة دولة إلى أديس أبابا، أُعلِن عن إيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي. كما كشفت صحف دولية، أن الاستثمارات والمساعدات الإماراتية لإثيوبيا تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، وشملت دعمًا لوجستيًا وعسكريًا غير مباشر لحماية السد.
وأبرز تقريرًا أصدره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب في مارس 2021 يحذر من أن أي تقارب مصري تركي سيقوض استراتيجيات الاحتواء في المنطقة، فيما نشرت صحيفة حرييت التركية في 20 سبتمبر 2020 تقريرًا أكدت فيه أن الإمارات ضغطت على القاهرة لتعطيل أي حوار مع أنقرة مقابل دعم مالي.
دور الإمارات في ملف التطبيع
وأشار إلى ما ذكرته تقارير متعددة في 21 ديسمبر 2020، حيث شهدت العلاقات المصرية الإماراتية توترًا غير مسبوق عقب شروع أبوظبي في التطبيع دون إخطار القاهرة ومحاولتها تهميش الدور المصري، بما في ذلك تجاهل دعوة مصر لحضور توقيع الاتفاقيات في البيت الأبيض.
وذكر أن كان موقف أبوظبي من دور القاهرة في غزة، حيث سعت إلى التشويش على جهود مصر في المصالحة الفلسطينية والتدخل لإفشال مسارات انتخابية كانت القاهرة ترعاها في فبراير وأبريل عام 2021.
وفي السودان، قال الأنصاري إن الخطر تحول إلى تهديد مباشر،ـمع دعم أبوظبي لميليشيا الدعم السريع تجاوز الخطوط المصرية. ومع تصاعد الفظائع أعلنت القاهرة في الثامن عشر من ديسمبر عام 2025 خطوطًا حمراء واضحة، معتبرة أي مساس بوحدة السودان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وفي السابع من نوفمبر عام 2025 نشرت مجلة "أفريكا إنتليجنس" الفرنسية تقريرًا أكد إدراك القاهرة لمخاطر تسليح الميليشيات المدعومة إماراتيًا بطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي. كما كشفت تحقيقات سودانية مستقلة، أبرزها منصة "فيستا"، شبكات تهريب سلاح مرتبطة بالإمارات عبر بونتلاند وليبيا وتشاد وصولا إلى دارفور. وقد فرضت واشنطن لاحقًا عبر وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قادة هذه الميليشيا بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية.
تعميق الانقسام الصومالي
وامتد هذا النهج إلى الصومال، كما يرصد الباحث السعودي، فقد عملت أبوظبي منذ سنوات على تعميق الانقسام الصومالي، وإفشال أي حل دبلوماسي داخلي، ودعمت قوى انفصالية بالسلاح والمال بما يهدد الأمن القومي المصري القائم على منطق الدولة لا الميليشيا. واستخدمت أبوظبي موانئ في إقليم أرض الصومال كقنوات لتهريب السلاح والمتفجرات لميليشياتها في شرق ووسط أفريقيا.
وفي الثاني عشر من يناير 2026 أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، بما فيها اتفاقيات الموانئ والتعاون الأمني، متهمة أبوظبي بتقويض السيادة الوطنية. وكشفت تقارير عن تجنيد شباب فقراء من إقليم بونتلاند ونقلهم عبر طائرات شحن من طراز اليشن 76 إلى مناطق نزاع قبل إرسالهم إلى السودان أو ليبيا، في مسار يتناقض جذريًا مع الرؤية المصرية القائمة على إنهاء الصراعات لا تصديرها.
تغلغل الإمارات في مفاصل حساسة داخل مصر
أما على الصعيد الاقتصادي، فأشار الأنصاري إلى أن أبوظبي حاولت التغلغل في مفاصل شديدة الحساسية داخل مصر. وشمل ذلك السعي للسيطرة على موانئ قريبة من قناة السويس بما يثير مخاوف سيادية تتعلق بشريان التجارة العالمي. كما برزت مشاريع عقارية كبرى، من بينها العاصمة الإدارية ومشروع رأس الحكمة.
فقد حاولت الإمارات سابقًا فرض شروط تمس السيادة المصرية في مشروع العاصمة الإدارية، وهو ما انتبهت له القاهرة ورفضته بشكل صريح، ثم أعلنت الإمارات انسحابها من إعطاء أي تمويل للمشروع في فبراير 2017، وهو ما كشف هشاشة كثير من الوعود الاستثمارية المشروطة بتنازلات سيادية.
أما فيما يتعلق برأس الحكمة، فقال إن القاهرة عملت بحذر واقتدار مع المشروع لكي لا تسمح بأي إخلالات سيادية، ولكن أصبح هذا المشروع كبوليصة تأمين لأبوظبي لكي تعمل كل ما تريد عمله ضد أمن مصر، وأصبح أداة ابتزاز لكي تكمل أبوظبي مشروعها العبثي في الشرق الأوسط وبالأخص حول مصر.
أما أحد أخطر أدوات النفوذ، كما يصفها المحلل السعودي فكانت الإعلام، حيث نفذت أبوظبي واحدة من أوسع عمليات شراء النفوذ في مصر عبر قنوات وصحف. وأنشأت عبر المواطن الفلسطيني الإماراتي محمد دحلان شبكات إعلامية كبرى منذ 2013.
تمويل وسائل إعلام في مصر بأكثر من 4 مليار دولار
واستشهد بتصريحات سابقة لوزيرة التنمية والتعاون الدولي الإماراتية، لبنى بنت خالد، قالت فيها ان الإمارات قدمت لمصر خلال عام 2013 فقط، مساعدات ومنح بلغت 16.99 مليار درهم إماراتي (أكثر من 4 مليار دولار)، أغلبها تعلق بتمويل أنشطة إعلامية، وثقافية. وبعد ذلك في عام 2015، قام دحلان على إنشاء قنوات تلفزيونية جديدة والاستحواذ على صحف مصرية.
وقال الأنصاري إنه بعد أن استفحل هذا النفوذ واتخذ أبعادًا تهدد السيادة اتخذت القاهرة قرارًا سياديًا بإخراج هذا النفوذ وإجبار الإماراتيين على نقل ملكية هذه القنوات والمنصات في عام 2020 ونجحت مرحليًا.
لكن النفوذ الإماراتي الإعلامي تم إجباره على الخروج من الباب، ثم عاد بعد عامين بشكل أكثر تعقيدًا من النافذة، وذلك عبر تمويل هائل لإعلاميين وأكاديميين ومفكرين بإشراف شبكة مغلقة يقودها رجل أعمال إماراتي، كما يرصد الباحث السعودي.
وقال إن هذه الشبكة عملت على محاولات تقزيم الرأي السيادي المصري وتلميع الرؤية الإماراتية وخلق ضغط غير مباشر على الأمن القومي عبر الابتزاز بتوجيه الرأي العام والشعبي. وكان لافتًا صمت هذه المنصات عن لقاءات مصرية سعودية بالغة الأهمية في لحظات مفصلية، مع تكثيف صناعة واختلاق حملات توتر شعبي إلكتروني ضد العلاقات المصرية السعودية.
— Salman Al-Ansari | سلمان الأنصاري (@Salansar1) January 26, 2026

