ضربت السوق المصرية للموبايلات المستعملة موجة اضطراب حادة عقب قرار الحكومة إنهاء الإعفاء الاستثنائي من الرسوم الجمركية على الهواتف الواردة من الخارج، ما أدى إلى زيادات سريعة في الأسعار تراوحت بين 5 و10% خلال أيام قليلة فقط، وفق ما أكدته مصادر بوزارة الاتصالات وشعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية.
القرار، الذي جاء امتدادًا لسياسة جباية ضريبية وضغوط متصاعدة على المستهلك، كشف عن خلل أعمق في طريقة تسعير الجمارك، وفتح بابًا واسعًا للغضب الشعبي والانتقادات البرلمانية، خصوصًا مع تضارب الأرقام بين السعر العالمي وسعر السوق، وغياب رؤية اقتصادية حقيقية سوى البحث عن أي مصدر عاجل لزيادة الحصيلة.
سوق المستعمل يشتعل: زيادة طلب وارتفاع أسعار 5–10%
بحسب ثلاثة مصادر تحدثت لـ«المنصة» من داخل وزارة الاتصالات وشعبة المحمول، ارتفعت أسعار الموبايلات المستعملة في السوق المحلية بنسب تتراوح بين 5 و10% مباشرة بعد قرار إنهاء الإعفاء الجمركي. هذا الارتفاع لم يكن نتيجة زيادة في تكلفة المنتج نفسه، بل انعكاسًا مباشرًا للضغط الواقع على سوق الأجهزة الجديدة، بعد فرض ضريبة جمركية إجمالية تصل إلى نحو 38.5%، ما دفع شريحة واسعة من المستهلكين إلى الاتجاه اضطرارًا لسوق المستعمل.
نائب رئيس شعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية، وليد رمضان، وصف ما يجري بأنه "ارتفاع مبالغ فيه" في أسعار الأجهزة المستعملة، مشيرًا إلى زيادة الطلب على هذا القطاع بنسبة تقارب 10% في وقت قصير، باعتباره البديل الوحيد أمام مواطن لم يعد قادرًا على تحمل أسعار الهواتف الجديدة. النتيجة الطبيعية لهذا الضغط هي أن التاجر الذي يرى الطلب يتضاعف في ظل معروض محدود، يرفع السعر، مستفيدًا من حالة الفوضى وغياب رقابة سعرية جادة.
بهذا الشكل يتحول قرار جمركي صيغ في مكاتب مغلقة إلى حلقة جديدة في سلسلة إفقار المواطن: أسعار الأجهزة الجديدة تقفز، فيلاحقها المستعمل، فيُترك المستهلك بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما هاتف بسعر مبالغ فيه، أو الاستغناء عن أداة أصبحت اليوم عصب الحياة والعمل والتعليم والتواصل.
من iPhone Pro Max إلى المواطن المقهور: جمارك رقمية أم فوضى مقننة؟
رمضان قدّم مثالًا فاضحًا على الخلل في آلية التسعير الجمركي؛ فهاتف iPhone Pro Max يبلغ سعره العالمي حوالي 1200 دولار، أي ما يقرب من 57 ألف جنيه مصري. حتى لو افترضنا تطبيق الضريبة الجمركية المعلنة بواقع 38.5%، فإن السعر النهائي – كما يشرح – لا ينبغي أن يتجاوز 79 ألف جنيه. لكن الواقع في السوق يقول إن الجهاز نفسه يُباع للمستهلك المصري بين 92 و94 ألف جنيه.
هذه الفجوة التي تصل إلى أكثر من 15 ألف جنيه فوق السعر المفترض ليست "الهواء" الذي يتنفسه الهاتف في الشحن، بل هي نتيجة مباشرة لما سماه رمضان "خطأ في آلية التسعير الجمركي"؛ حيث تعتمد الجمارك أرقامًا قطعية ثابتة لتقدير قيمة الأجهزة، بدلًا من التسعير بناء على فاتورة شراء حقيقية يمكن التحقق منها. ومع كل خطوة غير دقيقة في حساب الجمارك والرسوم، تتضخم الفاتورة النهائية على المستهلك، بينما لا يجد التاجر حرجًا في تحميله كل هذه الفروق مع هامش ربح إضافي.
قرار جهاز تنظيم الاتصالات إنهاء الإعفاء الاستثنائي اعتبارًا من الأربعاء الماضي جاء بعد عام كامل من الارتباك؛ ففي يناير من العام الماضي بدأت الحكومة ملاحقة الأجهزة المستوردة التي تم تشغيلها في مطلع 2025 برسائل تحذيرية تطالب بسداد الرسوم، مع وقف تشغيل بعض الأجهزة "بالخطأ" بشهادة مصادر من داخل وزارة الاتصالات نفسها. هذه الأخطاء لا تضرب الثقة في السوق فقط، بل تجعل الهاتف – وهو سلعة شخصية وحيوية – رهينة مزاج جهات تنفيذية وأنظمة احتساب مرتبكة.
أحد المصادر اعترف بوجود "اضطراب سعري" لكنه حاول تطمين الناس بأنه "أثر طبيعي" لأي قرار حكومي، متوقعًا عودة الأسواق لطبيعتها تدريجيًا. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن "الطبيعي" نفسه صار أزمة: طبيعي أن ترتفع الأسعار، طبيعي أن يعاني المواطن، طبيعي أن تُفرض ضرائب جديدة دون مراجعة أو تقييم، وطبيعي أن يُقال للناس بعدها: اصبروا… الأمور ستستقر!
غضب في البرلمان ووسط المصريين بالخارج.. واقتراحات ترقيعية لا تعالج الأصل
الارتباك لم يتوقف عند حدود السوق؛ بل انتقل إلى مجلس النواب. النائب أحمد حلمي، أمين سر لجنة الاقتراحات والشكاوى، قدّم طلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزراء المالية والاتصالات، مؤكدًا أن التطبيق العملي للقرار كشف عن "إشكاليات جسيمة"، سواء في طريقة الاحتساب أو في أثر القرار على المواطنين والتجار معًا.
من جانبها، أعربت النائبة عبير عطا الله، ممثلة المصريين بالخارج، عن تحفظها على تحميل المصريين العائدين من الخارج أعباء مالية إضافية على هواتفهم الشخصية، في رسالة واضحة بأن القرار يضرب فئة تعتبر اليوم أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر. كيف تطلب الدولة من هؤلاء أن يحوّلوا مدخراتهم واستثماراتهم إلى بلدهم، ثم تحاسبهم على هاتف يستخدمونه هم أو أهاليهم؟
في محاولة لتخفيف الضغط، طرح عضو شعبة المحمول حمد النبراوي مقترحًا بمنح المصريين بالخارج خصمًا يصل إلى 25% عند شراء الهواتف من المصانع أو الفروع المحلية باستخدام "الإقامة"، باعتبار أن ذلك قد يساعد في موازنة السوق والحد من التشوه في التسعير الجمركي. غير أن هذا المقترح – رغم وجاهته الجزئية – يظل حلًا ترقيعيًا؛ إذ لا يعالج أصل المشكلة: آلية جمارك عشوائية، وسياسة ضريبية لا ترى في المواطن إلا مصدرًا لسد فجوة العجز بأي ثمن.
الغضب الذي انفجر بعد أقل من 48 ساعة من القرار، خاصة بين المصريين في الخارج، ليس مفاجئًا؛ فهو جزء من شعور أوسع بأن السلطة تمارس سياسة "جباية بلا مقابل": ضرائب ورسوم تُفرض بلا حوار، وقرارات تمسّ حياة الملايين تُتخذ دون دراسة شفافة لأثرها الاقتصادي والاجتماعي.
في النهاية، ارتفاع أسعار الموبايلات المستعملة بنسبة 5–10% ليس مجرد خبر اقتصادي عابر؛ بل مؤشر إضافي على سوق مرتبكة تُدار بعقلية الجباية لا التنمية، وعلى دولة تصرّ على تحميل المواطن ثمن أخطائها، من دون أن تُبدي استعدادًا حقيقيًا لمراجعة المسار أو الاعتراف بأن المشكلة ليست في الهاتف… بل في من يمسك بمفاتيح القرار.

