أشعل قرار فرض الضريبة العقارية على السكن الخاص، بالتوازي مع إلغاء إعفاء المسافرين من جمارك الهواتف المحمولة، موجة غضب وسخرية على منصات التواصل؛ ليس فقط بين نشطاء معارضين، بل بين اقتصاديين وإعلاميين ورجال أعمال كانوا يومًا ما أقرب إلى دوائر السلطة.
جوهر الاعتراض لم يعد على “فكرة الضريبة” في حد ذاتها، بل على دولة تُصرّ على حلب جيوب المواطنين، بينما تتراجع جودة حياتهم، وتنهار الخدمات العامة، وتبقى الأسئلة الكبرى: أين تذهب حصيلة الضرائب؟ ومن يدفع الثمن فعلًا؟
من د. مدحت نافع إلى نجيب ساويرس، ومن لميس الحديدي إلى توفيق عكاشة، مرورًا بعشرات الحسابات النشطة؛ تبلورت صورة واحدة: سلطة تبحث عن أي وعاء تتحصل منه بضعة مليارات، ولو كان شقة سكنٍ أساسي أو موبايل هدية من مصري مغترب لأهله، في ظل برلمان صوري لا يناقش، واقتصاد مرتهن لتوصيات صندوق النقد، وطبقة حاكمة تتصرّف كأن البلد “عزبة” خاصة.
ضريبة على السكن الخاص: من أي وعاء يدفع المواطن؟
الاقتصادي د. مدحت نافع لخص العبث في جملة واحدة: الحديث عن فصل الضريبة العقارية عن الأجور الحقيقية للمواطنين “مضحك جدًا”، متسائلًا: من أي وعاء يدفع المواطن؟ هل المطلوب أن يبيع سكنه كي يسدد؟
الحديث الآن عن فصل فكرة الضريبة العقارية عن الأجور الحقيقية للمواطنين مضحكة جداً.. من أي وعاء يدفع المواطن؟! هل المطلوب يبيع سكنه كي يسدد؟!!!
— Dr. Medhat Nafei د. مدحت نافع (@DrMnafei) January 23, 2026
وفي تغريدة أخرى، يؤكد نافع أن دستورية فرض الضريبة لا تعني أنها حتمية أو مقدسة، داعيًا إلى نقاش حقيقي: هل يجب أن تُفرض على المسكن الأساسي أصلًا؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة الضريبية بدلًا من سحق الطبقة الوسطى ومن هم تحتها؟
الضريبة العقارية والمسكن الخاص: دستورية الفرض لا تمنع الإلغاء!
— Dr. Medhat Nafei د. مدحت نافع (@DrMnafei) January 24, 2026
هل يجب أن تُفرض الضريبة على المسكن الأساسي؟ وكيف نحمي العدالة الضريبية؟
▶️ https://t.co/lkQ9BF8CzZ#الضريبة_العقارية #PropertyTax #عدالة_ضريبية #EconomicJustice
رجل الأعمال نجيب ساويرس – الذي طالما استفاد من سياسات النظام – لم يجد بدًّا من الاعتراف بأن أغلب دول العالم تُعفي السكن الخاص من الضريبة العقارية، متسائلًا ضمناً: لماذا يُصر النظام في مصر على تحويل بيت الأسرة إلى “بقرة حلوب” جديدة؟
و قرار الضريبة علي السكن الخاص ... معظم الدول بتعفي السكن الخاص من الضريبة ... https://t.co/9xyyPPbTSo
— Naguib Sawiris (@NaguibSawiris) January 23, 2026
لكن نشطاء لم يتركوا ساويرس يخرج من المعادلة نظيفًا؛ فالبعض ذكّره بأنه كان من أكثر المستفيدين من قانون الإيجار القديم وطرد ملايين المصريين من وسط البلد، وها هو “يشرب من نفس الكأس” مع الضريبة العقارية على وحداته، في مشهد يلخص كيف تأكل سياسات النظام حتى بعض أبرز داعميه:
اللي فرح في ملايين المصريين المتضررين من "الإيجار القديم" عشان يمتلك وسط البلد، بيشرب من نفس الكأس النهاردة!
— منير الخطير (@farag_nassar_) January 24, 2026
نجيب ساويرس "بيصيح" من الضريبة العقارية على وحداته بعد ما كان مصلحجي وبيدعم طرد الناس. الحكومة بتديله على عينه بنفس المنطق.. اشرب يا باشمهندس، الدنيا دوارة. pic.twitter.com/YDB4fBTMYj
على الأرض، يعبّر مواطنون عن نوع آخر من الغضب؛ د. عمرو صقر يقول إنه من حيث المبدأ لا يرفض دفع 20 ألف جنيه سنويًا ضريبة على بيته في مصر، لكنه يشترط شيئًا بديهيًا: حقوقه كاملة، شوارع غير مكسّرة، مستشفيات محترمة، مدارس وجامعات آدمية. وإلا فالمعادلة تتحوّل إلى جباية صريحة:
قرار الضريبة العقارية صحيح و مستعد أن أدفع ٢٠ الف سنويا ضريبة على بيتي في مصر.
— Falcon Greens 🇺🇸 (@dramrsakr) January 25, 2026
لكن أريد حقوقي كاملة يا أولاد الجزمة. لا أريد شوارع مكسرة و ماكيرفونات و دق على الأنابيب و مستشفيات محترمة و مدارس و جامعات محترمة لأهلي في مصر.
الحقوقية سلمى الدالي تشخّص المشكلة بدقة: الأزمة ليست في الضريبة كأداة اقتصادية، بل في أن من يُسمَّون “دافعي الضرائب” تتراجع جودة حياتهم رغم أنهم يدفعون أكثر من أي وقت مضى، في غياب شفافية حقيقية أو عائد ملموس على حياتهم اليومية.
عشان اكون امينة معاكم الأزمة مش في الضريبة العقارية في حد ذاتها! ولا في اي ضريبة بتفرضها الحكومة، الازمة ان الناس اللي اسمهم "دافعي الضرائب" جودة حياتهم بتتراجع رغم انهم بيدفعوا اكتر من اي وقت مضى!
— Salma el Daly (@salmaeldaly) January 25, 2026
حتى توفيق عكاشة، الذي طالما مثّل صوتًا قريبًا من السلطة، اعتبر اقتراح فرض ضريبة على السكن الخاص “فاشلًا” يجب إلغاؤه فورًا، وهاجم تبعية القرار لوصفات صندوق النقد والبنك الدولي، مشيرًا إلى أن دخول المواطنين ثابتة أو متراجعة بينما الحكومة “تلعب في الأرقام” وتدّعي نموًا وهميًا.
لابد من الغاء اقتراح الحكومه الفاشل ب فرض ضريبه على السكن الخاص فوراً لانها تنفيذ لوجهة نظر صندوق النقد الدولى والبنك الدولى لانه لا يعلم ان دخل الفرد ثابت بل يتراجع علشان الحكومه بتعمل تقارير كذب تقول فيها انهم حققوا نسبة نمو بالكذب واللعب فى الارقام هذه عملية الخطر الكبير
— توفيق عكاشة (@TawfikOkasha_) January 24, 2026
من جمارك الموبايلات إلى «تعكير المزاج العام» وإغضاب المصريين بالخارج
في موازاة عاصفة الضريبة العقارية، فجّر قرار إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة للمسافرين غضبًا واسعًا، خصوصًا بين المصريين في الخارج. الإعلامية لميس الحديدي وصفت هذه النوعية من القرارات بأنها قرارات “تعكير المزاج العام”، منتقدة غياب أي دراسة جادة للأثر على الإيرادات العامة، أو تنافسية الصناعة، أو المستهلك النهائي.
قرارات "تعكير المزاج العام":
— Lamees elhadidi (@lameesh) January 23, 2026
حين تتخذ الحكومات قرارا اقتصاديا عليها ان تدرس و تحدد ما هو الأثر المنشود وفى المقابل من سيتضرر .
و فى موضوع الالغاء المفاجىء لإعفاء الموبايلات الذى تم تطبيقه من سنه واحدة ، لا بد من دراسة الأثر على صافى الايرادات العامة،تنافسية الصناعة و الأثر…
لميس تضع إصبعها على الجرح: إذا كان الهدف السابق من الإعفاء هو وقف التهريب، فقد تحقق بدرجة كبيرة، وإن كانت هناك ثغرات فتعالج بالرقابة لا بعقاب الجميع. كما تُعرّي حجة “توطين الصناعة”، موضحة أن ما يحدث في مصر مجرد تجميع لمكونات مستوردة، وأن أنواع الهواتف المجمعَة محليًا مختلفة تمامًا عن الهواتف الحديثة التي يشتريها المصريون من الخارج، بما يعني أن القرار في جوهره لا يحمي صناعة وطنية بقدر ما يحمي مصالح تجار ومحتكري سوق.
في تغريدة أخرى، يطرح د. مراد علي سؤالًا سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا: لماذا يشن الإعلام هجومًا عنيفًا على قرار جمارك الموبايلات تحديدًا، بينما قرارات أشد قسوة مثل رفع البنزين والكهرباء والبوتاجاز تمر بهدوء نسبي رغم تأثيرها الكاسح على حياة المواطنين اليومية؟ هل هناك صراع مصالح داخل أجنحة السلطة حول من يتضرر من القرار، أم أن النظام يريد امتصاص الغضب بتقديم كبش فداء إعلامي لهذا الملف بالذات؟
ما سر هجوم الإعلام على قرار جمارك الهواتف المحمولة؟
— Mourad Aly د. مراد علي (@mouradaly) January 24, 2026
نعم، هو قرار جائر لكن تأثيره على المواطن لا يقارن بزيادة البنزين أو البوتاجاز أو الكهرباء أو الرسوم التي تفرضها الحكومة وتضر الجميع في حياتهم اليومية وليس في موبايل يُشترى كل 3 سنوات؟
هل لديكم تفسير؟
pic.twitter.com/od3ZbKA3ir
هذا التناقض بين خطاب “تشجيع المصريين بالخارج” على تحويل الأموال والاستثمار في بلدهم، وبين معاقبتهم فعليًا على موبايل يشترونه هدية لأسرهم، تلتقطه لميس بوضوح وهي تحذر من أن هذه القرارات تعطي رسالة معكوسة لأهم مصدر للعملة الصعبة في مصر حاليًا.
ومع الضريبة العقارية، يُضاف شعور عام بأن الدولة لا ترى في المواطن إلا “حصالة ضرائب”، سواء كان مغتربًا أو مقيمًا، بينما لا تُلمس أي إرادة حقيقية لإصلاح جذور الأزمة الاقتصادية أو وقف نزيف الفساد والإنفاق العبثي.
ضرائب بلا خدمات ولا تمثيل: دولة المُلّاك والعسكر
في خلفية هذه الانتقادات كلها، يظهر توصيف سياسي فاضح لما آلت إليه العلاقة بين الدولة والمواطن. أحمد حسونة يكتب بوضوح: العسكر معتبرين الدولة ملكهم، وإحنا قاعدين فيها بالأجرة. الشقة “التمليك” تحوّلت فعليًا إلى سكن مهدّد بالضريبة العقارية، في بلد لا يعرف أصلاً أين تذهب حصيلة الضرائب، والصناديق الخاصة، وأموال المنح، وبيع الأراضي والمدن والمشروعات.
العسكر معتبرين الدولة ملكهم واحنا قاعدين فيها بالأجرة
— ahmadhassona (@ahmadhassona51) January 25, 2026
كل خدمة في البلد بندفع حقها حتي الشقة الملك هيأجرها لاصحابها تحت مسمى الضريبة العقارية
حد يعرف بتروح فين أموال الصناديق الخاصة أو أموال الضرائب او المنح أو أموال الاراضي والمدن أو المشاريع التي تباع
دول عصابه ولازم يغوروا .
المهندس رامي يلتقط تناقضًا آخر صارخًا: كيف تتباهى الدولة بتصدير العقار وجذب المستثمرين الأجانب، بينما تفرض ضريبة عقارية تثقل كاهل المستثمر المحلي؟ في عالم مفتوح، يمكن لصاحب المال أن يشتري في الإمارات أو السعودية بدون ضريبة، وفي بيئة تشجّعه بدلًا من مطاردته، فإلى أي مناخ استثماري تدفعه السياسات الحالية؟
بالنسبه للقانون الضريبه العقاريه ازاي انت كدوله بتقول انك بتصدر العقار وبتفرض ضريبه علي العقار ؟المستثمر هيأخد راس ماله ويشتري في
— Idon Simhon (@ramyi288) January 25, 2026
اي بلد تاني ولتكن الامارات ومأخرا السعوديه دخلت اللعبه وبدون ضرايب ومطورين موثوقين
من الدوله نفسها هناك بيشتروا العقار من التلفون
سلامة يربط بين هذه الكوارث وبين هندسة الحياة السياسية ذاتها؛ فيذكّر بأن إعادة انتخابات المجالس النيابية عدة مرات لم تكن عبثًا، بل لتركيب برلمان “على المقاس”، يمرر أي قانون ضد المواطن العادي بلا مناقشة حقيقية، كما جرى مع الضريبة العقارية.
عرفتوا ليه انتخابات المجالس النيابية اتعادت كذا مرة؟
— - SALAMA - سلامة (@FattahFattahh) January 25, 2026
أى قانون أو اختراع من هنا ورايح حيتعمل فى صالح أو ضد المواطن العادى المجالس النيابية حتوافق عليه بدون اى اعتراض أو مناقشة زى الضريبة العقارية كده ....... وعجبى pic.twitter.com/GE1VpTItxA
مصطفى بدوره يلخّص أداء السلطة في تغريدة حادة: السيسي والحكومة لا يجتمعون إلا لهدم البيوت، وسرقة الأراضي، وفرض الضرائب، وقطع الأشجار، أما أن يجتمعوا مرة واحدة من أجل خدمة الناس فـ“يعتبروها إنجازًا تاريخيًا”.
قلت كتير السيسي و الحكومة بيجتمعوا عشان يهدوا بيوت و يسرقوا اراضي يعملوا قهاوي للجنرالات و يفرضوا ضرائب و يقطعوا الشجر .. لو اجتمعوا مرة واحدة عشان خدمة للناس يقولوا عليها #عزل_السيسي #مجلس_الوزراء #الضريبة_العقارية #الاخبار #الاهرام
— mustafa othmen (@mostafatwits) January 25, 2026
المهندس ماجد عبيدو يسمّي ما يجري باسمه: الحلقة الثانية من مسلسل العكننة على المصري، في إشارة إلى أن الضريبة العقارية على المسكن الأساسي ليست إلا حلقة جديدة في سلسلة مستمرة من القرارات التي تُضيّق الخناق على المواطن بدلًا من إنقاذه.
حلقة ٢ من مسلسل العكننة على المصري، #الضريبة_العقارية على مسكنك الأساسي. https://t.co/otZ44mpEu1
— ماجد عبيدو (@mAbidou) January 24, 2026
في النهاية، ما تكشفه هذه العاصفة الرقمية أن معركة الضريبة العقارية ليست معركة “نشطاء” وحدهم، بل معركة مجتمع يشعر بأنه يُعامل كـ“ساكن بالإيجار” في وطن من المفترض أنه ملكه. ضرائب تُفرض بلا حوار، وبرلمان يمرر بلا نقاش، وخدمات تنهار رغم تضخّم الفواتير، وسلطة تعتبر السكن الخاص مجرد وعاء جديد للجباية… بينما يزداد اقتناع الناس بأنهم لا يدفعون “ثمن دولة” بقدر ما يدفعون فاتورة بقاء نظام فقد شرعيته الاقتصادية والأخلاقية معًا.

