بينما تردد حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي اسطوانة «استقرار سوق الدواء»، تكشف الأرقام الرسمية نفسها عن كارثة صحية مكتملة الأركان: ارتفاع متوسط أسعار الأدوية بنسبة 42% خلال عام واحد فقط، ليقف ملايين المرضى أمام خيارين كلاهما قاتل؛ إمّا علاج لا يقدرون على ثمنه، أو موت صامت بعيدًا عن ضجيج «إنجازات» مجلس الوزراء وهيئة الدواء.

 

بحسب بيان رسمي صادر عن الحكومة، قفزت قيمة سوق الدواء في 2025 إلى 438 مليار جنيه مقابل 309 مليارات في 2024، مع زيادة عدد العبوات من 3.5 إلى 4 مليارات عبوة فقط؛ أي أن القفزة ليست في الخدمة ولا في التغطية العلاجية، بل في السعر الذي يُسحق تحته المريض المصري، بينما تظهر الحكومة في صورة «المدير الكفء» لسوق يدر المليارات لصالح شبكة ضيقة من المستفيدين.

 

زيادات قياسية.. حكومة تبيع الوهم والمريض يدفع الفاتورة

 

في الاجتماع الذي ترأسه مصطفى مدبولي بحضور وزير الصحة خالد عبد الغفار ورئيس هيئة الدواء علي الغمراوي، قدّمت الحكومة المشهد كقصة نجاح: لا نقص في الأدوية، صادرات ترتفع، وسوق دواء «هو الأسرع نموًا في الشرق الأوسط». لكن خلف هذه اللغة الملساء يقف واقع أكثر قسوة؛ أسعار ارتفعت بأكثر من 40%، وأسر كاملة تضطر لتقليل جرعات علاج السرطان أو إيقاف أدوية الضغط والقلب والسكري لأنها لم تعد قادرة على الشراء أصلًا.

 

الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، اعترف صراحة بوجود «أزمة حقيقية» في سوق الدواء، موضحًا أن المشكلة ليست ابتزازًا لزيادة الأسعار، بل نتيجة لاختلال المعادلة بين تكاليف الإنتاج المتصاعدة وثبات التسعير لفترات طويلة، ما أدى إلى نقص أصناف كثيرة وفتح الباب لسوق سوداء تباع فيها الأدوية المستوردة بأسعار مضاعفة.

 

من جهة أخرى، يصف الدكتور محمد الشيخ، نقيب صيادلة القاهرة وعضو مجلس الشيوخ، جزءًا من المشهد من زاوية الصيدليات؛ فارتفاع التكلفة على المريض وانفلات الأسعار يدفعان كثيرين إلى شراء الأدوية دون روشتة، أو الاعتماد على تجارب الأقارب والمعارف، بدل مراجعة طبيب لا يملكون ثمن «الفيزيتا»، وهو ما يضاعف مخاطر سوء الاستخدام الدوائي وتعقيد الحالات المرضية.

 

هكذا يتكامل دور الحكومة: ترفع الأسعار باسم «استدامة الصناعة»، وتترك المريض وحيدًا أمام سوق فوضوي يخلط بين الدواء والتجارة العمياء، بينما ينحسر الحق في العلاج إلى رفاهية لا يملكها إلا الأغنياء.

 

خصخصة الصحة وتحويل حق العلاج إلى «بيزنس»

 

أزمة الدواء ليست منفصلة عن المسار الذي دفع به النظام نحو خصخصة مقنّعة للقطاع الصحي؛ من طرح مستشفيات حكومية للتشغيل أو البيع لمستثمرين خليجيين، إلى تحويل مرافق عامة إلى منصات ربح لا إلى مؤسسات علاج، في ظل وزير للصحة جاء من خلفية «التعليم الخاص» وخرج من بوابة الجامعات الأهلية إلى منصة إدارة صحة المصريين.

 

تاريخ خالد عبد الغفار في التعليم العالي شاهد على المنهج نفسه؛ توسعات الجامعات الحكومية تحوّلت إلى جامعات أهلية بمصروفات تفوق الجامعات الخاصة، ما أغلق أبواب التعليم العام في وجه أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة. واليوم يُعاد إنتاج المنطق ذاته في ملف الدواء: من يملك يدفع ويتعالج، ومن لا يملك عليه أن يتدبر أمره مع الأمراض أو يموت في صمت.

 

هذا التحول من «الخدمة العامة» إلى «البيزنس الصحي» سبق أن حذّر منه نقابيون قبل سنوات؛ فـنقيب الصيادلة السابق كان قد خاطب رأس السلطة مباشرة طالبًا التدخل في أزمة الدواء، ومؤكدًا أن «الدواء أمن قومي» يجب ألا يُترك في يد حسابات الربح والخسارة الضيقة. أما اليوم، فقد أصبح الأمن القومي الصحي نفسه أداة مقايضة سياسية ومالية، تُستخدم لتبرير الاحتكار ورفع الأسعار، لا لحماية المريض والدواء معًا.

 

في المقابل، يقف الأطباء على خط المواجهة يرون كيف يتحول عجز المرضى عن شراء العلاج إلى مضاعفات قاتلة، في وقت تتآكل فيه ميزانيات المستشفيات العامة، وتتم إحالة المزيد من الخدمات إلى القطاع الخاص، كأن الدولة تتخلص تدريجيًا من مسؤوليتها عن صحة مواطنيها، وتسلّمهم لرحمة السوق.

 

احتكار «الشراء الموحد» وسوق سوداء على جثث الفقراء

 

على الورق، تبدو «الهيئة المصرية للشراء الموحد» كيانًا هدفه ضبط السوق وضمان توافر الأدوية والمستلزمات. لكن على أرض الواقع، وبقرارات رئاسية منحتها حق الاحتكار الكامل لاستيراد الأدوية والمواد الخام وتدبير الدولار، تحوّلت الهيئة إلى بوابة وحيدة يتحكم عبرها النظام في شريان حياة القطاع الصحي، تحديدًا في لحظة شح العملة الصعبة.

 

تراكم مديونيات الهيئة لشركات الدواء خلال الأشهر الماضية هدد بتوقف التوريد، وخلق فجوات حقيقية في توافر أدوية حيوية داخل المستشفيات الحكومية، من علاج الأورام إلى أدوية القلب والضغط والسكري. هذا الانسداد فتح الطريق أمام دواء مهرب ومغشوش، يباع خارج الصيدليات عبر سماسرة يستغلون حاجة المرضى، ويعرضون حياتهم لمخاطر مميتة.

 

في هذا السياق، يشير الدكتور محمود عبد المقصود، رئيس الشعبة العامة لأصحاب الصيدليات، إلى أن الصيدليات الصغيرة تتحمل عبئًا هائلًا بين ارتفاع التكلفة والضرائب وتباطؤ سداد مستحقاتها، في ظل سياسات دوائية لا تهتم ببقاء الصيدليات كجزء من منظومة الرعاية الصحية بقدر ما تهتم بحماية مصالح كبار الشركات والهيئات المحتكرة.

 

ويضيف نقابيون في اتحاد المهن الطبية أن تراجع عدد المفتشين لسنوات، وضعف البنية الرقابية، خلق بيئة مثالية للفوضى؛ فحتى مع محاولات لاحقة لزيادة عدد مفتشي هيئة الدواء، بقي الواقع العملي في محافظات عديدة بلا مقار تفتيش كافية ولا أدوات حقيقية لضبط الأسعار ومنع التسريب والتهريب.

 

في المحصلة، نحن أمام مشهد متكامل:

 

•  حكومة انقلاب ترفع الأسعار 42% في عام واحد، وتتباهى بأرقام «نمو السوق».


•  هيئة احتكارية تتحكم في الدواء والدولار والموردين، وتترك المرضى فريسة لنقص الأصناف وسوق سوداء.


•  وزراء ونخب اقتصادية يتعاملون مع صحة المصريين كفرصة استثمار، لا حق دستوري وإنساني.


أما المريض الفقير، فهو الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الجشع الرسمي؛ إذا دفع ثمن الدواء جاع هو وأسرته، وإذا لم يدفع دفع ثمنًا آخر من صحته وحياته. وفي ظل استمرار هذه السياسات، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا ترتفع أسعار الأدوية؟ بل: كم روحًا جديدة ستُضاف إلى فاتورة نظام حوّل الدواء إلى امتياز طبقي، والموت إلى نتيجة طبيعية لعدم القدرة على الدفع.