في مشهد بدا كأنه إعلان رسمي عن نهاية نظام دولي وبداية آخر أكثر فجاجة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تأسيس ما يُسمى بـ“مجلس السلام” أو “Board/Peace Council” لإدارة ملف غزة، من دافوس، وبقواعد لعبة جديدة عنوانها: من يدفع أكثر ويحصل على مقعد أطول. فالمسودة المسرّبة لميثاق المجلس تنص على أن الدولة التي تريد مقعدًا دائمًا عليها أن تدفع مليار دولار، بينما يحصل من لا يدفع على عضوية لثلاث سنوات فقط.

 

المجلس الذي قُدم للرأي العام باعتباره خطوة لإدارة وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة، تحول سريعًا – بحسب تقارير غربية – إلى كيان طموح ينافس الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مع توجيه دعوات إلى نحو 60 دولة، وإعلان أن ترمب سيكون رئيسًا للمجلس بصلاحيات واسعة، بل ومقعد يمكن أن يستمر مدى الحياة وفقًا لبعض التسريبات.

 

الأخطر أن تشكيلة المجلس المقترحة تضم شخصيات متهمة أو متورطة سياسيًا وأخلاقيًا في الحروب والكوارث الإنسانية: بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، توني بلير المسؤول عن غزو العراق، وفلاديمير بوتين الذي يواجه اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، إلى جانب حلفاء آخرين لواشنطن، في مجلس يُفترض أن يحمل اسم “السلام”.

 

وسط هذا المشهد، انفجرت موجة رفض وسخرية وغضب واسعة في الأوساط العربية والدولية، عبّرت عنها تغريدات سياسيين وصحفيين وحقوقيين ومنظمات دولية، رأت في “مجلس السلام” محاولة فجة لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية، والقفز فوق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وتحويل غزة إلى “معمل” للنظام العالمي الجديد.

 

مجلس بلا فلسطينيين… ونتنياهو عضو في هيئة “السلام”

 

أول ما يلفت الانتباه في المجلس هو الغياب الكامل لأي تمثيل حقيقي للشعب الفلسطيني، مقابل حضور مجرم حرب متهم رسميًا أمام المحكمة الجنائية الدولية.

هذا الخلل الأخلاقي الصارخ عبّر عنه بوضوح السياسي المصري الدكتور محمد البرادعي، حين كتب أن من غير المقبول من أي منظور أخلاقي أو سياسي أو قانوني أو حتى عقلاني، أن يقبل رئيس أي دولة عربية الانضمام إلى مجلس ترمب للسلام بعد انضمام نتنياهو إليه، وفي غياب ممثل للشعب الفلسطيني أو للأمم المتحدة، قبل أن يختم بسؤال وجودي: “إلى أين نحن ذاهبون؟”

 

 

غياب الفلسطينيين عن أي دور حقيقي في إدارة شؤون وطنهم ليس تفصيلًا صغيرًا، بل جوهر الأزمة.

 

الصحفي خالد الصافي يلتقط هذه النقطة مركّزًا على سؤال الشرعية: لماذا يُقصى الفلسطيني حين يكون الحديث عن إدارة شؤون بلاده؟ وكيف يمكن الوثوق بمن موّل المحتل بالسلاح أن يصبح فجأة “راعٍ للسلام” لغزة وأهلها؟ ثم يكشف في تغريدته تشكيلة مجلس السلام الخاص بإدارة غزة، التي تضم أسماء وشخصيات أغلبها منحاز بالكامل لإسرائيل، أو متورط في دعم الحرب على غزة.

 

 

من داخل غزة المحاصرة، يكتب الدكتور فايز أبو شمالة بمرارة أن استبعاد محمود عباس والسلطة الفلسطينية من المجلس هو حصاد سنوات من التفريط والانقسام وإضاعة فرص وحدة الصف، وأن من أوقد النار لا يحق له اليوم الشكوى من دخانها، في إشارة إلى أن السلطة نفسها ساهمت في إضعاف الموقف الفلسطيني.

 

 

وفي تغريدة أخرى يصف أبو شمالة العالم بأنه “منافق دجال”، يجتمع قادته لتشكيل مجلس سلام بينما يواصل الاحتلال قتل الأطفال في غزة ومحاصرتهم، ويعيش 2.5 مليون إنسان في خيام وسجن كبير تحت رعاية “رئيس مجلس السلام”.

 

 

الحركة الإسلامية حماس من جانبها استنكرت بشدة ضم نتنياهو إلى مجلس السلام، واعتبرت ذلك مؤشرًا خطيرًا يتعارض مع العدالة، على خلفية ملاحقته من المحكمة الجنائية الدولية، داعيةً إلى محاسبة كافة المسؤولين عن الإبادة بدلاً من مكافأتهم بعضوية مجلس يزعم رعاية السلام.

 

 

وتزيد حدة التساؤلات عندما نعلم أن دعوات الانضمام طالت قادة شتى، من روسيا إلى دول أوروبية وآسيوية، مع عروض بأن من يدفع مليار دولار يحصل على مقعد دائم، ومن لا يدفع يكتفي بعضوية مؤقتة. هنا يتحول “السلام” إلى تذكرة مدفوعة مسبقًا، وتتحول غزة إلى ملف استثماري.

 

مجلس سلام أم مافيا عالمية؟ المال، العقار، وتبييض مجرمي الحرب

 

الصحفي وائل قنديل يلخص الفكرة في جملة قاسية لكنها معبّرة: “ليس مجلس السلام.. بل المجلس الأعلى للقضاء على القضية الفلسطينية”، في إشارة إلى أن ما يُبنى في دافوس ليس مسارًا للسلام بل هندسة سياسية جديدة لتصفية الحقوق الفلسطينية وتجريف ما تبقى من سقف قانوني وأخلاقي للقضية.

 

 

ومن دافوس أيضًا، يصف الإعلامي أسامة جاويش المشهد ساخرًا: “مجلس السلام في مؤتمر دافوس.. نصف العالم خارج القاعة!!” في إشارة إلى هشاشة شرعية هذا التكوين، وأن الكثير من القوى والدول والشعوب المتضررة تقف خارج لعبة جديدة يرسمها ترمب وحلفاؤه فوق رؤوس الجميع.

 

 

الكاتب البريطاني المخضرم ديفيد هيرست يذهب أبعد من ذلك، واصفًا “مجلس السلام” بأنه “أشبه بعصابة مافيا” تضم شخصيات منحازة بالكامل لإسرائيل؛ مجلس لا يضم ضحايا الحرب، بل من صنعوا الحروب نفسها، في مشهد تبييض أخلاقي خطير.

 

 

الدكتور عبد الرحمن الكسار يلتقط الخيط ذاته، ويكتب أن “مجلس السلام العالمي” الذي تم تدشينه عاجز عن تدفئة من يموت بردًا أو علاج من يموت نزفًا، وأن أعضاءه مسؤولون عن كل جرائم الحرب في العصر الحديث ودموع الثكالى واليتامى، معتبرًا أن البشرية تعيش “أكذوبة كبرى” لا يجد فيها حتى الأعور ما يتفوّق به على أدعياء السلام.

 

 

هذا البعد “الاستثماري” في القضية يوضحه الناشط ناصر بن حماد حين يتساءل بقلق: هل سيكون مجلس السلام الذي يديره ترمب وصهره كوشنر وابن عمه ويتكوف جسرًا لإضفاء شرعية كاذبة تسمح لهم بتطهير غزة من شعبها واستغلالها في مشاريع عقارية؟

 

 

التساؤل ذاته يردده الكاتب الصحفي عبدالعزيز الفضلي، مشيرًا إلى أن المجلس الذي يكون نتنياهو أحد أعضائه لا يمكن أن يُستبشر به خيرًا، وأن التركيز على “الاستثمار العقاري” وموقع غزة الاستراتيجي يكشف أن المشروع الحقيقي هو التطبيع مع الكيان الصهيوني وتحويل الأرض إلى فرصة استثمارية، لا إلى وطن لشعب يريد الحرية.

 

 

ومن زاوية أخرى، يطرح الصحفي مؤمن فندي سؤالًا ساخرًا لكنه عميق: “كم عدد الأعضاء الذين يمثلون إسرائيل في مجلس السلام؟ وما هي أسبابك للعدد الذي اخترته؟” في إشارة إلى أن المجلس، بتكوينه الحالي، يكاد يصبح امتدادًا للمصالح الإسرائيلية والأمريكية أكثر مما هو منصة لحل النزاع.

 

 

هذه الصورة تتعمق أكثر مع تقارير صحفية دولية تشير إلى أن من بين المدعوين أو المشاركين شخصيات مثيرة للجدل مثل بوتين وبلير ونتنياهو، وأن مليارات الدولارات ستُضخ في المجلس وفي مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار، في ظل غياب الشفافية وغياب الطرف الأصيل: الشعب الفلسطيني.

 

نهاية الأمم المتحدة وبداية نظام بلا مكيال ولا ميزان؟

 

في قراءة أوسع للمشهد، يرى الصحفي سمير العركي أن ما جرى في دافوس هو إعلان عملي لنهاية النظام العالمي القديم وبداية تدشين نظام جديد بقيادة الولايات المتحدة، وأن مجلس السلام في غزة هو أول أعمال هذا النظام، بعيدًا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتحت زعامة أمريكا وحدها.

ويشير إلى أن الأوروبيين رضخوا لترمب بعد تهديدات اقتصادية (مثل ملف غرينلاند)، وأن الحديث عن “نهاية أمريكا” مجرد أمنيات، بينما الواقع أن واشنطن تُعيد تشكيل النظام وحدها.

 

 

قبل ذلك، كان مرصدون قد أشاروا إلى أن المجلس الجديد مرشح لأن يصبح منافسًا مباشرًا لمجلس الأمن، وأنه يستند إلى قرار سابق من مجلس الأمن دعم خطة وقف إطلاق النار في غزة بما فيها فكرة المجلس، لكن بطريقة تمنح ترمب سلطة واسعة على جدول أعماله وقراراته.

 

الناشط ناصر بن راشد النعيمي يضيف زاوية بالغة الأهمية؛ إذ يلفت إلى أن روسيا وبريطانيا وفرنسا لن يوقعوا على مجلس السلام، وبالطبع – كما يقول – فإن الصين لن توقع، ما يعني أن أربعة من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن غير موافقين على مجلس سلام ترمب.

ويرى أن هذا المجلس سيُكتب في التاريخ باعتباره بداية لعالم مختلف، بعد أن أصبحت الأمم المتحدة “في ذمة التاريخ”، وأن من يتخيل أن رجلًا واحدًا فقط يفعل كل ذلك يعيش في وهم، فالمسألة – في رأيه – تعبير عن “الصهيونية العالمية تغيّر جلدها”.

 

 

هذا الموقف يتقاطع مع أنباء رسمية عن رفض دول غربية الانضمام. فبريطانيا أعلنت أنها لن توقع على “ميثاق مجلس السلام”، وأرجعت ذلك إلى مخاوف تتعلق بالأساس القانوني للمبادرة، إلى جانب الكلفة المالية الضخمة التي تصل إلى مليار دولار للعضوية الدائمة، وفق ما نقلته تقارير صحفية، وهو ما يجعل المجلس يبدو أقرب إلى “نادٍ مغلق للأغنياء” منه إلى هيئة دولية محايدة.

 

في السياق نفسه، تشير تغريدة الدكتور حسام سامي إلى أن لندن رفضت التوقيع على الميثاق لهذه الأسباب، وأن المجلس يضم شخصيات مثل نتنياهو، وتوني بلير، وفلاديمير بوتين، وأن الخطة توسعت من إشراف محدود على إعمار غزة إلى هيئة دولية دائمة برئاسة ترمب، يتمتع رئيسها بصلاحيات واسعة، تشمل الدعوة للاجتماعات متى شاء واتخاذ قرارات منفردة، مع دعوة أكثر من 60 زعيمًا عالميًا للانضمام، ودفع مليار دولار للاحتفاظ بالمقعد أكثر من ثلاث سنوات.

 

 

وتضيف تغريدة أخرى أن إسبانيا قررت هي الأخرى عدم الانضمام إلى مجلس السلام الخاص بغزة، وأن ترمب أعلن على منصته “تروث” أنه قرر سحب الدعوة الموجهة لرئيس الوزراء الكندي كارني، ردًا على خطاب انتقد فيه الولايات المتحدة واتهمها بتدمير النظام الدولي القائم على القواعد.

 

 

الصحفية غادة نجيب تلخص التحول قائلة: “للأسف هنخرج من نظام عالمي بيكيل بمكيالين لنظام من غير أي مكيال ولا ميزان أصلاً؛ واحد معاه العصاية والباقي… إجراءات”. أي أن العالم ينتقل – برأيها – من ازدواج معايير إلى غياب كامل لأي معيار، حيث يمتلك طرف واحد العصا، بينما يتحول الآخرون إلى منفذين لتعليماته.

 

 

منظمة العفو الدولية (أمنستي) تدخل على الخط ببيان شديد اللهجة، تعتبر فيه أن مراسم إعلان تأسيس “مجلس السلام” العالمي تكشف عن تجاهل صارخ للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وتمثل تصعيدًا خطيرًا في الهجوم على منظومة الأمم المتحدة وآليات العدالة الدولية، وأن هذا المجلس – الذي شُكل بتوجيه من ترمب ويضم حلفاءه – يتعارض جوهريًا مع النظام القانوني الدولي، ويمثل صفعة لعقود من الجهود الرامية لتعزيز الحوكمة العالمية عبر القيم الإنسانية المشتركة والمساواة بين الدول.

 

 

الكاتب ياسر الزعاترة يقدّم صورة موجزة لطبيعة العقل الذي يقود هذا المجلس، فينقل حوارًا مثيرًا بين ترمب وأحد المراسلين، يسأله فيه: هل يمكنك الرد على ماكرون الذي قال إنه لن ينضم إلى مجلس السلام؟ فيجيبه ترمب مهددًا بفرض تعرفة جمركية بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي حتى يرضخ وينضم، في مثال واضح لمنطق “البلطجي” الذي يستخدم الاقتصاد لفرض إرادته على الآخرين.

 

 

أمام هذا كله، يبدو توصيف الدكتور عبد الرحمن الكسار بأننا نعيش “أكذوبة كبرى” أقرب إلى الواقع؛ مجلس سلام لا يستطيع أن يوقف القصف أو يدفئ المخيمات أو يعالج الجرحى، لكنه قادر على توزيع الأدوار والصفقات فوق ركام غزة.

 

خاتمة: أين العرب من سؤال البرادعي… وأين غزة من كل هذا؟

 

في قلب هذا المشهد، يعود سؤال محمد البرادعي الكبير: “من أي منظور يمكن لرئيس عربي أن ينضم لمجلس يضم نتنياهو، ويقصي الفلسطينيين والأمم المتحدة؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟”؛ سؤال لا يوجَّه للنخب الحاكمة فقط، بل للشعوب أيضًا.

 

ما يتشكّل اليوم في دافوس ليس مجرد “مجلس سلام لغزة”، بل عنوان لنظام عالمي جديد تُدار فيه الحروب والتسويات والصفقات خارج مؤسسات القانون الدولي، وبمنطق المال والقوة والاستثمار العقاري، بينما يُترك أصحاب الأرض في الخيام وتحت الحصار.

 

بين مجلس “سلام” يضم مجرمي حرب، ومليار دولار تذكرة دخول، وعالم صامت أو متواطئ، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الفلسطينيين والعرب وأحرار العالم على فرض معادلة مختلفة: أن غزة ليست مشروعًا عقاريًا، بل قضية تحرر وحق شعب في الحياة والحرية، وأن أي مجلس لا يبدأ من هذا الأساس لن يجد مكانه إلا – كما قال ديفيد هيرست – في “مزابل التاريخ”، مهما بدا اليوم قويًّا ومحصنًا بالدبابات والبنوك والمنتديات الفاخرة.