لم يكن انقلاب الثالث من يوليو 2013 حدثًا عابرًا في علاقة السلطة التنفيذية بالقضاء في مصر، بل كان نقطة تحوّل حاسمة كشفت إلى أي مدى يمكن تسييل مؤسسة يفترض أن تكون “حَكَمًا” في الصراع السياسي لتصبح طرفًا فيه، ثم ضحية له لاحقًا.
فجزء واسع من النخبة القضائية شارك – تحريضًا أو صمتًا – في تقويض شرعية الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي وتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي، ظنًّا أن انحيازه للعسكر سيُتوَّج بدولة يعتلي فيها القضاة قمّة هرم السلطة ويُحصّنون من أي مساءلة.
لكن ما فعله الجنرال عبد الفتاح السيسي كان عكس ذلك تمامًا: استثمر اندفاع القضاة في خدمة الانقلاب، ثم بدأ، خطوة بعد خطوة، في تفكيك استقلالهم، وقصقصة أجنحة كل من تجرأ على الاعتراض، إلى أن وصلنا اليوم إلى لحظة تُنقل فيها صلاحيات تدريب وتعيين القضاة الجدد إلى الأكاديمية العسكرية، ويتحوّل القاضي – عمليًا – إلى “منتَج نهائي” لمؤسسة عسكرية لا ترى في العدالة إلا أداة ضبط وسيطرة.
هكذا امتطى السيسي القضاء، وجرّده من محتواه، وحوّل منصة العدالة إلى مسرح عرائس تُحرَّك خيوطه من قصر الحكم وثكنة الجيش.
من منصة العدالة إلى منصة التحريض: حين فتح نادي القضاة أبوابه لـ«تمرد»
مع بدايات عام 2013، خرج جزء مؤثر من القضاة من حيادهم المفترض إلى قلب الصراع السياسي.
يروي المستشار أحمد سليمان، وزير العدل الأسبق، أن المستشار أحمد الزند ومعه محمد عبد الرازق ومحمد عبد الهادي فتحوا أبواب نادي القضاة لحركة «تمرد» لجمع توقيعات القضاة ضد الرئيس مرسي، في سابقة لم يعرفها تاريخ القضاء المصري: نادي القضاة – رمز الاستقلال – يتحول إلى مقر لنشاط سياسي حزبي صريح.
لم يتوقف الأمر عند استقبال “استمارات تمرد”، بل امتد إلى مشاركة عدد من القضاة في فعاليات ميدان التحرير، وظهورهم في مقاطع موثقة دعمًا لموجة 30 يونيو.
قُدمت ضدهم بلاغات عديدة قبل الانقلاب تتهمهم بالاشتغال بالسياسة، لكن مجلس القضاء الأعلى لم يتحرك، بينما سُحقت في المقابل الأصوات القليلة داخل الجسم القضائي التي دافعت عن الشرعية أو انتقدت عسكرة الدولة؛ إذ جرى الانقضاض على “قضاة تيار الاستقلال” فور إصدارهم بيانات رافضة لتدخل الجيش في السياسة، فشُطبت عضويات بعضهم من نادي القضاة خلافًا للائحة الداخلية، في إشارة مبكرة إلى أن “التمرد المسموح” هو فقط ذاك الذي يخدم المشروع العسكري.
بعد إذاعة بيان الانقلاب وخارطة الطريق على لسان السيسي، هدأ فوران القضاة السياسي فجأة.
رأس مجلس القضاء الأعلى شارك في مشهد إعلان الانقلاب، ورئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور قبل تولي منصب رئيس الدولة المؤقت، في مخالفة صارخة لدستور 2012 وللحكم نفسه الذي أصدرته المحكمة حول قانون الانتخابات الرئاسية الذي جاء بمرسي.
أجهزة القضاء العادي والعسكري والإداري تعاونت لاحقًا في شرعنة كل خطوة اتخذها النظام الجديد: من فض الاعتصامات السلمية إلى موجات الاعتقال الجماعي، مرورًا بإصدارات فلكية من أحكام الإعدام والمؤبد في قضايا سياسية بحتة.
في تلك اللحظة، بدا وكأن القضاء قد حسم موقعه: شريك كامل في تثبيت النظام الجديد، وسوط قانوني يجلد خصوم الجنرال. لكن الثمن تأجل ولم يُلغَ.
انقلاب يلتهم صُنّاعه: تصفية تيار الاستقلال وعقاب من تجرّأ على قول “لا”
ما إن استقر الكرسي للسيسي بوصفه “حاكمًا عسكريًا” يمسك بمفاصل الدولة، حتى تحوّلت السلطة القضائية نفسها إلى هدف لإعادة الهندسة.
لم يعد مسموحًا بأي مساحة استقلال، ولا حتى لتلك الأصوات التي ساهمت في لحظة ما في دعم الانقلاب ثم راهنت على صيانة قدر من استقلال القضاء.
في يوليو 2013، أُحيل ستّون قاضيًا إلى مجلس التأديب والصلاحية بسبب توقيعهم على بيان يدعم شرعية الرئيس مرسي ويرفض تدخل الجيش.
رأى قاضي التحقيق المستشار محمد شيرين فهمي أن هؤلاء القضاة “اشتغلوا بالسياسة”، وأوصى بعزلهم، لتتحول تهمة “الانحياز للشرعية الديمقراطية” إلى سبب رسمي لإخراج قضاة من مقاعدهم.
في الوقت نفسه، أُحيل قادة حركة “قضاة من أجل مصر” مثل المستشار وليد شرابي وعماد أبو هاشم للتقاعد، تحت نفس اللافتة: ممارسة السياسة – لكن هذه المرة ضد السلطة العسكرية لا لصالحها.
ثم امتد سيف الانتقام إلى رموز تاريخية في تيار استقلال القضاء:
- المستشار زكريا عبد العزيز، رئيس نادي القضاة الأسبق وأحد أبرز وجوه اعتصام “استقلال القضاء” في 2005، أُحيل إلى مجلس التأديب بتهمة المشاركة في اقتحام مباحث أمن الدولة بعد الثورة، وانتهى الأمر بعزله في محاكمة صورية حُرم فيها من حقوقه الأساسية في الدفاع والطعن.
- المستشار محمد ناجي دربالة، الذي لعب دورًا مركزيًا في لجنة دستور 2012 لصالح تكريس استقلال القضاء وتقييد المحاكمات العسكرية للمدنيين، جرى عزله بعد إحالته لمجلس التأديب، دون تمكينه من الدفاع عن نفسه، مع تبريرات واهية من رئاسة محكمة النقض.
- المستشار محمود الخضيري، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق وأحد أبرز رموز ثورة 25 يناير، زُجّ به في الحبس الاحتياطي أواخر 2013 بتهمة “تعذيب محامٍ” إبّان الثورة، في قضية اعتبرها كثيرون غطاءً للانتقام من تاريخه في الدفاع عن استقلال القضاء ومناهضة التوريث.
- المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، عندما كشف أن حجم الفساد بلغ نحو 600 مليار جنيه، لم يجد النظام سوى تشكيل لجنة “مستقلة” من خصومه لنسف مصداقية أرقامه، ثم إقالته ومحاكمته، قبل اعتقاله بعد انضمامه لحملة الفريق سامي عنان، وتحويله إلى مثال حي على ثمن خروج مسؤول قضائي–رقابي عن النص.
- المستشار أحمد سليمان نفسه، وزير العدل الأسبق وأحد القلائل الذين واصلوا انتقاد الانقلاب من موقع قضائي، انتهى به الأمر إلى الاعتقال والملاحقة.
هكذا، وفي سنوات قليلة، تم تفريغ الجسم القضائي من معظم الأصوات المستقلة أو المعارضة، وجرى إرسال رسالة عنيفة إلى كل من بقي في الداخل: الطريق الوحيد للبقاء هو أن تكون جزءًا من “مسرح العرائس” لا من منصة العدالة.
تشريع على المقاس وهيمنة عسكرية كاملة: من قانون 2017 إلى بوابة الأكاديمية العسكرية
بعد تصفية المعارضين في الداخل، جاءت مرحلة تشريع الهيمنة. في 2017، ناقش مجلس النواب مشروع قانون جديد للهيئات القضائية يسمح لرئيس الجمهورية بتجاوز مبدأ الأقدمية في تعيين رؤساء الجهات القضائية، وهو المبدأ الذي شكل لعقود صمام أمان نسبيًا ضد تسييس التعيينات. القضاة حذروا وقتها من أن القانون “يقوّض استقلال القضاء كليًا” ويفتح الباب لتدخل السلطة التنفيذية في اختيار القيادات، ويخلق تحزبات داخلية حول من سيرضى عنه الرئيس ومن سيتم تجاوزه.
رغم الاعتراضات، صدّق السيسي على القانون بعد 24 ساعة فقط من إقراره في البرلمان، متجاهلًا موقف القضاة. وسرعان ما استُخدم النص الجديد:
- في محكمة النقض، خرج الرئيس للمعاش، ورشّح مجلس القضاء الأعلى ثلاثة من نوابه وفق الأقدمية، لكن السيسي عيّن النائب الثاني، متجاوزًا الأقدم في سابقة تاريخية.
- في مجلس الدولة، اجتمعت الجمعية العمومية وقدمت اسمًا واحدًا هو النائب الأول يحيى الدكروري، التزامًا بالأقدمية، فاختار السيسي القاضي الرابع في الترتيب، أحمد أبو العزم، ضاربًا عرض الحائط برأي الجمعية العمومية وتقاليد المجلس.
بهذه القرارات، جرى انتزاع آخر ما تبقّى من “آلية داخلية” لضبط التعيينات، وتم تعيين الرؤساء وفق معيار واحد: الرضا الأمني والسياسي.
ثم جاءت الخطوة الأشد خطورة: إلغاء “مكتب تعيينات القضاة” التابع للنائب العام، ونقل صلاحيات تدريب وتعيين معاوني النيابة الجدد، وملف الترقيات، إلى الأكاديمية العسكرية. لم يعد الأمر مجرد دورات “تأهيلية” داخل الكلية الحربية – التي انتُقدت بشدة في 2024 من المركز العربي لاستقلال القضاء باعتبارها تمسّ تكوين القاضي المهني – بل أصبح مسارًا إجباريًا: من يريد دخول عالم القضاء، عليه أن يمر أولًا من بوابة الأكاديمية العسكرية.
بهذا، يكتمل التحوّل:
- تعيين القيادات بقرار فردي من الرئيس.
- تشكيل الوجدان المهني للقضاة الشباب عبر مؤسسة عسكرية، لا عبر معاهد وقاعات القضاء نفسه.
- تصفية الأصوات المستقلة عبر مجالس تأديب ومحاكمات خاصة.
- استخدام المحاكم كأدوات لإصدار أحكام جماعية بالإعدام والمؤبد في قضايا سياسية، من “فض رابعة” إلى مئات القضايا الأخرى، في نموذج واضح لـ“العدالة الانتقامية”.
في النهاية، يصبح السؤال: ماذا بقي من القضاء المصري كمؤسسة مستقلة؟ حين يُستخدم القضاة لتبرير قتل المعارضين وتعذيب المعتقلين وإطالة الحبس الاحتياطي بلا سقف، وحين تُهدر تقاليد الأقدمية وتُختطف التعيينات إلى الأكاديمية العسكرية، فإننا لا نكون أمام “تطوير للمنظومة”، بل أمام عملية ممنهجة لتحويلها إلى مسرح عرائس كامل.
الخشبة هي قاعات المحاكم، الديكور هو رداء القاضي وشعار “باسم الشعب”، لكن الخيوط كلها مربوطة في يد الجنرال. ومن يجرؤ من الدمى على أن يتحرك خارج النص، تُقطع خيوطه ويُلقى به خارج المسرح… أو خلف القضبان.

