في زمن تُحاسَب فيه الآراء بالسجن، وتتحول الكلمة إلى تهمة قد تنتهي بصاحبها إلى الاختفاء القسري، شهدت مصر خلال الأيام الأخيرة ظاهرة سياسية غير مسبوقة: استفتاء إلكتروني شعبي يطالب بعزل عبد الفتاح السيسي من الحكم.

استفتاء لم تطلقه أحزاب تقليدية ولا قوى معارضة تاريخية، بل جيل شاب وُلد في ظل الاستبداد الرقمي والأزمة الاقتصادية، ليعلن رفضه العلني للنظام عبر أداة يعرفها جيدًا: الإنترنت.

 

الحملة، التي أطلقتها حركة «جيل Z» بالتعاون مع الناشط المصري المقيم في الخارج أنس حبيب، تحولت خلال ساعات إلى ما يشبه «زلزالًا سياسيًا»، بعدما تجاوز عدد المشاركين 100 ألف في اليوم الأول، ثم تخطّى حاجز 200 ألف، مع تقديرات باقترابه من ربع مليون صوت خلال أقل من 48 ساعة، رغم الحجب السريع للموقع داخل مصر.

 

استفتاء رقمي على الشرعية: من الفكرة إلى الانفجار

 

جاءت فكرة الاستفتاء من خارج الحدود الجغرافية لمصر، لكن من داخل جرحها السياسي المفتوح.

أنس حبيب، الناشط الإعلامي والسياسي المقيم في المهجر، برز خلال السنوات الأخيرة كأحد الأصوات الأكثر حدة في انتقاد نظام السيسي، خاصة في ملف التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي وملف حصار غزة.

سبق أن تعرّض للاعتقال في بلجيكا وهولندا على خلفية احتجاجات نظمها ضد النظام المصري، كما لاحقته قضايا سياسية غيابية داخل مصر، ما جعله في نظر مؤيديه «رمزًا للمقاومة السلمية» في الخارج.

 

في ديسمبر 2025، أعلن حبيب تبرّؤه الكامل من السيسي ونظامه، وهاجم صفقات الغاز والتعاون الأمني مع إسرائيل واعتبرها «خيانة للشعب المصري ولأهل غزة».

من هذه الخلفية جاء التنسيق مع حركة «جيل Z» لإطلاق استفتاء إلكتروني بعنوان صريح: «هل توافق على عزل عبد الفتاح السيسي؟».

 

حركة «جيل Z» تمثل شريحة الشباب المصري المولود في عصر الإنترنت، والذي يشكل – وفق التقديرات السكانية – أكثر من 60% من المجتمع تحت سن الثلاثين.

جيل يعيش تحت وطأة بطالة مرتفعة، وتضخم يلتهم الأجور، وديون خارجية تتجاوز 200 مليار دولار، ويُوصَف رسميًا أحيانًا بأنه «كسول» أو «مغيب»، بينما هو في الواقع الأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا والتنظيم الرقمي.

 

في 10 يناير 2026، أطلقت الحركة موقع الاستفتاء “genz002.net” بآلية تصويت وُصفت بأنها «مؤمَّنة»: لا تُجمع بيانات شخصية للمشاركين، يُسمح بتصويت واحد فقط لكل عنوان IP، مع الحديث عن مراقبة شكلية من بعض الجمعيات الحقوقية وشخصيات قانونية في الخارج.

توقيت الإطلاق جاء قبل أيام من ذكرى ثورة 25 يناير، في إحالة رمزية إلى أن «روح يناير» لم تُدفن، وإن انتقلت من الميادين إلى الفضاء الرقمي.

 

حجب الموقع.. اعتراف عملي بالخوف من الأرقام

 

رد فعل النظام كان سريعًا ومعبّرًا.

بعد نحو ساعتين فقط من إطلاق الاستفتاء، أفاد مستخدمون في مصر بعدم القدرة على الوصول إلى الموقع، قبل أن يتأكد حظره على نطاق واسع داخل البلاد. رسميًا، لم يصدر توضيح أو بيان، لكن الحجب أرسل رسالة أوضح من أي تصريح: السلطة التي تدّعي شعبية كاسحة واستقرارًا راسخًا لا تحتمل استفتاء إلكترونيًا غير ملزم من الناحية القانونية.

 

حملة الحجب جاءت استمرارًا لسياسة قمع رقمي ممتدة منذ 2013: حجب آلاف المواقع الإخبارية والحقوقية، مراقبة صارمة لشبكات التواصل، واعتقال مدونين وصحفيين ومستخدمين عاديين بسبب منشورات وآراء.

غير أن خصوصية هذه المرة أن أداة القمع نفسها (الحجب) تحولت إلى دليل إضافي على تأثير الحملة، بعد أن دفع الحظر عشرات الآلاف لاستخدام خدمات VPN، ونشر شروحات مبسطة لكيفية تخطي الحجب والتصويت من جديد.

 

تجاوز عدد المشاركين – وفق تقديرات منظمي الحملة – 100 ألف خلال أول 24 ساعة، ثم تخطى 200 ألف بعد أقل من يومين، مع توقعات بتواصل الزيادة رغم القيود.

هذه الأرقام، في سياق أمني خانق، اعتبرها منظمو الاستفتاء مؤشرًا على «صدع عميق» في شرعية النظام، ورسالة بأن جيلًا كاملاً من الشباب – الذي لم يعرف سوى حكم السيسي – قرر التعبير عن رفضه الصريح، ولو عبر أداة رمزية.

 

تزامن الحملة مع تصاعد اتهامات شعبية وإعلامية للنظام بالتواطؤ في حصار غزة، وبتوقيع صفقات غاز وتعاون أمني مع إسرائيل، منح الاستفتاء بُعدًا إضافيًا؛ إذ لم يعد الرفض مقتصرًا على السياسات الداخلية الاقتصادية والقمعية، بل امتد إلى السياسة الخارجية وصورة النظام في ملفات إقليمية حساسة.

 

جيل Z بين القمع الرقمي واستعادة المبادرة… ومآلات الحراك

 

رد فعل الشباب على الحجب لم يكن التراجع، بل تصعيدًا رقميًا من نوع جديد: نشروا روابط بديلة، شروحًا تقنية لاستخدام VPN، مقاطع فيديو قصيرة على منصات مثل إكس وديسكورد وتيك توك، شاركوا لقطات من واجهة التصويت، وواجهوا ما وصفوه بمحاولات تشويه من «لجان إلكترونية» موالية للسلطة.

 

أنس حبيب علّق ساخرًا على الحجب قائلاً إن «من يثق حقًا في شعبيته لا يخاف من استفتاء إلكتروني»، معتبرًا أن أرقام المشاركين – مهما شكك فيها خصومه – تعكس حالة غضب صامتة، وأن عدم تمكّن المعترضين داخل مصر من التعبير عن موقفهم في الشارع يدفعهم إلى استخدام الفضاء الرقمي كبديل.

 

من زاوية تحليلية، يشير هذا الاستفتاء إلى تحوّل نوعي في أدوات التعبير السياسي لدى الأجيال الجديدة:

 

  • لم تعد تنتظر أحزابًا تقليدية أو قوى معارضة تاريخية لتقودها
  • تعتمد على أدوات رقمية سريعة التنظيم وصعبة السيطرة
  • وتربط بين القمع الداخلي والخيارات الخارجية للنظام (خاصة في ملف غزة)

 

مع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول مآلات هذا الحراك.

فالاستفتاء، مهما بلغت أرقامه، لا يملك قوة الإلزام السياسي في ظل نظام يمسك بكل مفاصل السلطة الأمنية والقضائية والإعلامية.

لكنه، في الوقت نفسه، يكشف – وربما للمرة الأولى بهذا الوضوح – عن فجوة واسعة بين خطاب رسمي يروّج لـ«شعبية» و«استقرار»، وواقع أعداد كبيرة من الشباب ترى في بقاء السيسي استمرارًا للأزمة لا مخرجًا منها.

 

في المحصلة، يمكن القول إن حملة «استفتاء عزل السيسي» تمثل مؤشرًا على أزمة شرعية تتجاوز الأرقام نفسها، وتطرح سؤالًا أكبر على المشهد المصري: إلى أي مدى يمكن لنظام يقوم على القمع وتضييق المجال العام أن يستمر في تجاهل جيل متعلم، متصل بالعالم، يعيش كل يوم آثار سياساته الاقتصادية والأمنية، وقد بدأ بالفعل في البحث عن أدوات جديدة لانتزاع صوته في فضاء لا يزال – حتى الآن – أوسع من الميادين المغلقة والشوارع المحاصرة؟