في مشهد يبدو في ظاهره احتفالًا مهنيًا، لكنه في جوهره امتداد لمسار أعمق من عسكرة المجال المدني، نظمت الكلية العسكرية التكنولوجية مراسم تخريج الدورة التدريبية الأولى لطلبة مركز التدريب المهني ببورفؤاد التابع لهيئة قناة السويس، بحضور مدير الأكاديمية العسكرية المصرية وعدد من قادة القوات المسلحة ومسؤولي الهيئة، مع عرض فيلم تسجيلي يؤكد أن التأهيل تم «وفق أحدث النظم المتبعة بالمنشآت التعليمية للقوات المسلحة».

 

هذه اللغة الرسمية التي تتحدث عن «إعداد الكوادر البشرية» تخفي وراءها حقيقة توسع غير مسبوق للدور العسكري في إدارة البشر والموارد، حتى في المرافق الاقتصادية المدنية الحساسة مثل قناة السويس.

 

تعاون تدريبي أم إحلال للمظلّة العسكرية محل الدولة المدنية؟

 

من حيث الشكل، تتحدث البيانات الرسمية عن «استمرار التعاون بين القوات المسلحة والوزارات والهيئات لإعداد وتأهيل الكوادر البشرية»، وتُقدَّم الدورة بوصفها خدمة تقدمها المؤسسة العسكرية لمرفق استراتيجي مثل القناة. لكن جوهر المسألة أعمق بكثير: نحن أمام نقل تدريجي لمسؤولية التدريب والضبط الإداري للعاملين المدنيين إلى مؤسسات عسكرية، بما يعنيه ذلك من إخضاع هؤلاء لمنظومة قيم وأوامر لا تعرف إلا التسلسل الهرمي والانضباط العسكري.

 

الباحث يزيد صايغ، المتخصص في الاقتصاد العسكري المصري، يلفت في تحليله المنشور لدى «كارنيغي» إلى أن المؤسسة العسكرية لم تعد تكتفي بإدارة مشروعاتها الخاصة، بل أصبحت تدير نسبة معتبرة من الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والإسكان، وتولت فعليًا إدارة جزء كبير من مشروعات الإسكان والطرق والمرافق، لتحل محل الأجهزة المدنية في إسناد العقود وإدارة المشروعات.

 

هذا التمدد، كما يحذر، يضعف الوزارات المدنية نفسها، ويفتح الباب أمام «نموذج موازٍ للدولة» يدير الاقتصاد والإدارة من خارج الأطر الرقابية التقليدية. حين تنتقل فلسفة إدارة الطرق والكباري إلى إدارة البشر والتعليم والتدريب، فإننا نكون أمام خطوة إضافية في هذا الاتجاه، لا مجرد دورة مهنية عابرة.

 

من الاقتصاد إلى التدريب والقضاء.. عسكرة شاملة للمجال العام

 

الاحتفال بتخريج عمال قناة السويس ليس واقعة معزولة، بل حلقة ضمن مسلسل طويل:

 

- دورات لأئمة الأوقاف في الأكاديمية الوطنية للتدريب والأكاديميات ذات الطابع الأمني، تحت لافتات «النزاهة» و«مكافحة الفساد» و«مواجهة الإرهاب الإلكتروني».

 

- برامج «تأهيل» لأعضاء النيابة الإدارية ومستشاري الهيئات القضائية في الأكاديمية الوطنية للتدريب.

 

- بروتوكولات تعاون لتدريب القضاة في أكاديمية ناصر العسكرية.

 

- مسارات تعيين وترقّي في السلك القضائي ترتبط بالمرور على دورات ذات طابع عسكري أو أمني، وبإشراف جهات سيادية.

 

هذه الوقائع، الموثقة في بيانات رسمية ووسائل إعلام محلية، تكشف بوضوح أن ما يجري ليس مجرد تحديث لبرامج التدريب، بل إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها لصالح مرجعية أمنية–عسكرية جامعة تحاول أن تضع بصمتها على كل ما هو ديني أو قضائي أو إداري.

 

المحلل السياسي ماجد مندور، في كتابه «مصر تحت حكم السيسي: أمة على الحافة»، يذهب إلى أن النظام الحالي تبنّى سياسة «العسكرة الكاملة للدولة والاقتصاد والحيز العام»، عبر إحداث تغييرات بنيوية عميقة تجعل المؤسسة العسكرية «السيد غير المنازع» للجهاز الإداري والاقتصادي، وتبني حواجز هيكلية أمام أي عودة لمسار ديمقراطي أو مشاركة شعبية حقيقية.

 

هذه العسكرة لا تعني فقط وجود ضباط في مقدمة المشهد، بل تعني أيضًا أن قواعد اللعبة في القضاء والإدارة والإعلام والتعليم يُعاد تعريفها على أساس عقيدة تعتبر المؤسسة العسكرية مصدر الشرعية الوحيد، وكل ما عداها تابع أو ملحق. إدخال عمال وطلاب المرافق الاقتصادية إلى هذه المنظومة منذ لحظة التدريب الأولى يعني أن الولاء المؤسسي لم يعد لهيئة مدنية كقناة السويس، بل لمظلّة عسكرية أوسع.

 

قناة السويس نموذجًا: رسائل مقلقة للمستثمرين ومستقبل الدولة

 

قناة السويس ليست مرفقًا عاديًا؛ إنها شريان للتجارة العالمية ومصدر رئيسي للعملة الصعبة، يفترض أن يُدار بمنطق مؤسسي مدني احترافي منفتح على الخبرة العالمية، يخضع لمعايير الحوكمة والشفافية والمساءلة، لا لمنطق «السرية العسكرية» وتغوّل الأجهزة السيادية.

 

حين تصبح الكلية العسكرية هي بوابة تأهيل العاملين الجدد في هذا المرفق، فإن الرسالة الضمنية للمستثمرين والشركات العالمية واضحة: من يتعامل مع القناة يتعامل، عمليًا، مع مؤسسة عسكرية تتحكم في البشر والبنية والقرار، أكثر مما يتعامل مع إدارة مدنية خاضعة لرقابة برلمانية ومجتمعية.

 

الخبير المصري–الأميركي مايكل وحيد هانا، الذي تناول في دراساته حول علاقات الجيش بالاقتصاد والسياسة في مصر، يشير إلى أن تعاظم الدور الاقتصادي والإداري للمؤسسة العسكرية بعد 2013 كرّسها كـ«الحَكَم الأخير» في السياسة المدنية، وأن تقليص هذا الدور يتطلب إعادة ترتيب جذرية لبنية الاقتصاد والدولة، وهو ما يراه مسارًا شديد الصعوبة في ظل تشابك المصالح الحالية.

 

في ضوء هذا التوصيف، يصبح ما جرى في الكلية العسكرية التكنولوجية جزءًا من بناء واقع مقصود يصعب التراجع عنه لاحقًا: توسيع قاعدة الكوادر المدنية التي تم «قولبتها» عسكريًا، بحيث يصبح من المستحيل تقريبًا تخيّل إدارة هذه المرافق بعيدًا عن وصاية المؤسسة العسكرية.

 

الخلاصة أن تخريج دفعة من متدربي قناة السويس تحت الأعلام العسكرية وبحضور كبار القادة ليس مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، بل علامة جديدة على تقدم مشروع عسكرة الدولة المصرية إلى عمق المرافق الاقتصادية والمدنية.

 

ما يُسوَّق رسميًا كـ«انضباط» و«كفاءة» يخفي في جوهره نزعة هيمنة تقوّض استقلال المؤسسات وتقتل التنوع داخل الجهاز الإداري، وتحوّل موظفي الدولة إلى جنود احتياط في مشروع سياسي واحد. والخطر الأكبر أن ثمن هذه العسكرة لا يُدفع فقط في الحريات والسياسة، بل يُدفع أيضًا في كفاءة الاقتصاد وقدرته على الإبداع والتكيّف، في بلد يحتاج إلى تحرير طاقات مجتمعه، لا إلى إحكام ربطه أكثر ببدلة الكاكي.