يقدّم تامر النحاس في بودكاست مع موقع ذات مصر واحدًا من أكثر التشخيصات قسوة ووضوحًا لوضع مصر تحت حكم السيسي: اقتصاد يتحرك نحو الحائط، دولة تعمّق ديكتاتورية امتدت لعشر وخمس عشرة سنة، وبرلمان وإعلام ووزراء لا ينتجون إلا مزيدًا من الرسوب والفشل.

من واشنطن وستانفورد إلى القاهرة، ينقل النحاس انطباعًا متكررًا لدى دوائر البحث هناك: مصر سوف تتغيّر لا محالة، ليس لأن أحدًا قرر منحها الديمقراطية، بل لأن أوضاعها الاقتصادية الحالية غير قابلة للاستمرار.

 

في الخلفية، يذكّر بسخريته الشهيرة من سؤال: كيف تعفو الدولة عن بلطجي مثل نخنوخ ثم تدّعي أنها تبني “جمهورية جديدة” ودولة قانون؟

إذا كانت السلطة قادرة على ترقية الفشل والبلطجة إلى مشهدها الرسمي، فما الذي يمنعها من تحويل نخنوخ نفسه إلى وزير؟

عند هذه النقطة يتحول الحديث عن الاقتصاد والبرلمان إلى اتهام مباشر لنموذج حكم كامل، لا إلى نقد جزئي لسياسة هنا أو قرار هناك.

 

 

اقتصاد بفائض إسمنت وكهرباء.. وعجز في العقل والقرار

 

يبدأ تامر النحاس من نقطة يعتبرها مفتاح فهم المستقبل: “بوابة التغيير في مصر اقتصادية”.

الأكاديميون الذين التقاهم في ستانفورد، كما يقول، يرون أن الأوضاع الاقتصادية في مصر “غير قابلة للاستمرار”، وأن الضغط الاقتصادي سيجبر “اللاعبين” داخل الدولة – سلطة ومؤسسات – على الاعتراف بأن الأمور لا يمكن أن تظل كما هي.

 

يشرح بالأرقام من قلب السياسات الحكومية نفسها:

في الكهرباء يعترف بأن استثمارات ضخمة تحققت، لكن بطريقة عبثية؛ أقصى احتياج لمصر في أوقات الذروة، كما ينقل عن مسؤولي القطاع، يدور بين 31 و35 جيجاوات، بينما القدرة الإنتاجية وصلت إلى نحو 61 جيجاوات، أي فائض يقارب 45% في حين أن المعقول عالميًّا لا يتجاوز 5%.

هذا الفائض المموَّل بقروض دولارية متوسطة وقصيرة الأجل يعني ببساطة أن المواطن يدفع ثمن محطات لا يحتاجها، في بلد لا يملك حتى ما يكفيه من الغاز والسولار ويضطر لاستيراد الغاز من “العدو” نفسه.

 

في الأسمنت، يذكّر بأن مصر كانت تنتج أصلًا أكثر من ضعف احتياجها المحلي، ثم قررت فجأة إنشاء “أكبر مصنعين للأسمنت في الشرق الأوسط”، فانهارت مصانع خاصة وأُغلقت، لأن السوق مشبعة، ولأن نقل الأسمنت وتصديره مكلف، ولأن المنافسة مع أسمنت المغرب والجزائر وإسبانيا شبه مستحيلة.

 

بالنسبة للنحاس، هذه ليست مجرد أخطاء فنية، بل نمط إدارة: “الموضوع عندنا: إبني.. إبني عشرة مصانع، قول عملنا خمسة آلاف مصنع في ربع ساعة، محتاجين 3 تريليون دولار… أرقام في الهوا.”

 

حتى ما يراه إنجازًا نسبيًا – شبكة الطرق والكباري – يضعه تحت المجهر: نعم، المرور تحسن في أماكن، لكن من دون صيانة حقيقية، مع حوادث متكررة، ولوحات إعلانية ضخمة تضيء عيون السائقين وتشوّه الطرق دون عائد يُذكر.

السؤال الذي يطرحه ببساطة: هل هذه سياسة دولة تخطط لمستقبل، أم ماكينة إنفاق بلا دراسة حقيقية للجدوى، يدفع المواطن فاتورتها في النهاية؟

 

في الخلفية يحضر مثال الهجرة الكاسحة للأطباء المصريين إلى بريطانيا؛ رحلة التقى فيها بمجموعة قالت له إنهم “قسم كامل قدّم استقالته وسافر إنجلترا”.

بلد يعاني أصلًا من عجز في الأطباء، ويصدّر أفضل عناصره بلا مقابل، ثم يدّعي أنه يبني نظامًا صحيًا حديثًا.

هنا يتضح معنى جملته المتكررة: “السياسات اللي ماشيين فيها دي حقيقي تودّينا في داهية”.

 

من ستانفورد والربيع العربي إلى برلمان السيسي.. دولة تعمّق الاستبداد

 

في قسم آخر من الحوار، يعود تامر النحاس إلى تجربته الأكاديمية في ستانفورد مع فرانسيس فوكوياما وغيره. هناك وجد نقاشًا واسعًا حول فشل تجارب التغيير في العالم العربي بعد 2011، خاصة في مصر. الخلاصة التي ينقلها عن الأكاديميين:

 

غياب لاعبين سياسيين جاهزين بعد عقود من القمع؛ لا تيار الإسلام السياسي كان مؤهلاً بما يكفي، ولا القوى الديمقراطية الأخرى كانت تمتلك خبرة أو قدرة على إدارة الخلاف.

 

عجز الطرفين عن احتواء اختلافاتهم؛ الإسلاميون أكثر رجعية وغِلظة مقارنة بتونس، والعلمانيون/الديمقراطيون أقل حنكة، والنتيجة “نسختان يجمعهما سوء الكفاءة” سمحتا لقوة ثالثة – هي الجيش – أن تفرض سيطرتها الكاملة.

 

التركيز على الحقوق السياسية دون بناء دولة ناجحة؛ يتحدث النحاس عن فوكوياما وهو يحذر من المطالبة بالديمقراطية قبل تأسيس مؤسسات دولة قادرة على العمل، ويضرب مثالًا بضرورة وجود مرحلة تأسيس للدولة، كتابة مواد فوق دستورية، وترتيب العلاقة بين المؤسسات قبل الانشغال بصناديق الاقتراع.

 

هنا يربط النحاس بين التنظير الأكاديمي والواقع المصري تحت السيسي:

 

ما حدث خلال آخر 10–15 سنة في مصر، كما يقول صراحة، هو “تعميق الديكتاتورية وترسيخها”؛ لا خطوة جادة واحدة أُنجزت لتأسيس دولة ناجحة، بل العكس تمامًا.

 

انتخابات مجلس الشيوخ مثال صارخ، في نظره، على “عدم الجدية”، تمامًا مثل شكل الوزراء الموجودين، وطريقة اختيار البرلمان، والإعلام الذي يروّج الوهم بدل أن يمارس دور الرقابة وكشف الفساد.

 

دولة تمنع حرية تداول المعلومات، وتخنق الصحافة والإعلام الحر، وتحرم المسؤول من سماع رأي مختلف، هي دولة تحصّن شبكات الفساد بدل أن تسقطها؛ لذلك يقول بوضوح: “ما فيش حاجة واحدة جد عملناها عشان ننجح.”

 

النتيجة بنظره: دولة استبدادية فاشلة اقتصاديًا في آن واحد؛ لا هي بنت مؤسسات قوية قادرة على التماسك، ولا سمحت بسياسة طبيعية تفرز بدائل، بل أبقت أغلب القوى الاجتماعية والسياسية “بره إدارة الدولة”، ثم تطلب من الناس أن تصدق رواية “الاستقرار”.

 

الضغط الاقتصادي، البرلمان بالتوريث، وضرورة التغيير قبل الانهيار

 

في قراءة النحاس، التغيير لا يعني الفوضى، ولا دعوة للشارع أن “ينزل ويوقع الناس”، كما يكرر أكثر من مرة.

هو يصر على أنه لا يدعو لمظاهرات ولا يتحمل مسؤولية جرّ الناس للموت أو السجن، لكنه في الوقت نفسه يرى أن استمرار الوضع الحالي مستحيل، وأن البديل العقلاني هو تغيير منظم تُجبر عليه السلطة نفسها تحت ضغط الاقتصاد.

 

يشرح سيناريو الأكاديميين الذين التقاهم:

 

الضغط الاقتصادي المتزايد، مع تراجع الدعم الخليجي الذي تحوّل من منح وهبات إلى صفقات “هديك مقابل أرض أو أصول”، ومع عجز ترامب ومدرسته عن ضخ أموال حقيقية، سيجعل حتى المستفيدين داخل الدولة يدركون أن هذا المسار لن يحميهم ولا يحمي مكاسبهم إلى الأبد.

 

مع الوقت، وبفعل جيل جديد من الشباب المتعلم في الاقتصاد والسياسات العامة وإدارة الدولة، ستزداد كلفة استمرار النموذج الحالي على الجميع، بما في ذلك أجنحة داخل السلطة نفسها، فتبدأ عملية تفاوض على تغيير القواعد.

 

في هذه اللحظة يبرز دور العدالة الانتقالية التي يدعو لها النحاس صراحة:

 

  • مراجعة جرائم العنف والقمع من كل الأطراف،
  • الكشف عن مصير المختفين والمعتقلين،
  • محاسبة من مارس الانتهاكات أو اعتذارهم العلني، على طريقة جنوب أفريقيا،
  • وفتح المجال لتمثيل سياسي حقيقي لكل القوى التي لم تمارس العنف أو عدلت عنه، بما فيها التيار الإسلامي غير المسلح.

 

أما البرلمان الحالي – القائم على توريث المقاعد لأبناء وأقارب النخبة – فلا مكان له في هذا التصور؛ هو، في نظره، جزء من مشكلة “الدولة الفاشلة – الديمقراطية الفاشلة” التي تحدّث عنها فوكوياما، وليس جزءًا من الحل.

مجلس ولد من رحم الاستبداد، ومرّر سياسات أفقرت المصريين، لا يمكن أن يكون هو من يقود التغيير، بل سيكون واحدًا من أول ضحايا أي عملية إصلاح حقيقية.

 

في النهاية، يختصر تامر النحاس فكرته في جملة بسيطة: مصر تحتاج إلى تغيير لكي تنقذ نفسها قبل أن يفرض عليها التغيير بالقوة القاسية للانهيار الاقتصادي.

 

التغيير الذي يتحدث عنه لا هو فوضى ولا انتقام، بل انتقال من دولة تعفو عن نخنوخ وتبني محطات كهرباء لا تحتاجها، إلى دولة تعرف قيمة عقول أبنائها، وتبني اقتصادًا حقيقيًّا، وبرلمانًا يمثل الناس لا العائلات، وسلطة تدرك أن عصر شراء الوقت بالديون قد انتهى.