قصة النائبة صبورة محمد السيد صالح، المعروفة إعلاميًا بـ«صبورة السيد»، ليست حكاية فردية عن شخص وصل إلى البرلمان رغم ماضيه؛ بل هي نموذج مكثف لكيف يُدار برلمان السيسي، وكيف تُصنع «نخب» سياسية على عين مراكز القوى وشبكات المصالح، بعيدًا تمامًا عن أي معيار حقيقي للنزاهة أو الكفاءة أو «حسن السمعة».

 

امرأة تحيط بها أحكام بالحبس في قضايا تزوير، وملفات أمام نيابة الأموال العامة تتضمن إضرارًا بالمال العام وردّ أموال للدولة، وزوج مسجل خطر في ملفات الداخلية بتهمة فرض السيطرة، ثم تُوضع على رأس «القائمة الوطنية» ويُقدَّم هذا النموذج باعتباره «صوت التعليم» و«الوجه المشرف للمرأة المصرية» تحت قبة مجلس نواب لا يجرؤ على مساءلة من في السلطة، لكنه يمنح الحصانة لمن تحوم حولهم شبهات قانونية وأخلاقية جسيمة.

 

من «خبيرة تربوية» إلى رأس قائمة برلمان السيسي

 

في الخطاب الرسمي، تُقدَّم صبورة السيد كـ«خبيرة تربوية» ورئيسة مجالس أمناء تعليمية في 6 أكتوبر، وعضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، ثم كنائبة «يُجدَّد لها» في برلمان 2025 على قوائم حزب مستقبل وطن الذراع الأبرز للسلطة.

اليافطات الانتخابية لا تذكر طبعًا شيئًا عن الصحيفة الجنائية، بل تملأ الفضاء بكلمات عن «خدمة المواطن» و«تطوير التعليم» و«المرأة المصرية القوية»، بينما تُفتح لها أبواب القوائم المغلقة بأمر مراكز القوى التي تتحكم في توزيع المقاعد داخل برلمان السيسي.

 

هذا الصعود لم يأتِ من بوابة منافسة سياسية حقيقية أو ثقة شعبية مستقلة، بل عبر قوائم مغلقة يُختار أسماؤها في غرف مغلقة، وتُفرض على الناخبين فرضًا، بحيث يتحول البرلمان إلى غرفة تصفيق كبيرة، لا إلى مؤسسة رقابة وتشريع.

وجود شخصية مثل صبورة السيد على رأس تلك القوائم ليس استثناءً، بل عنوانًا صريحًا على طبيعة المرحلة: مكافأة من يدور في فلك النظام، حتى لو حملت الصحيفة الجنائية ما يكفي لإسقاط أي مرشح في دولة تحترم نفسها وقوانينها.

 

ويكفي أن نلاحظ أن كل الظهور الإعلامي للنائبة يدور في فلك خطاب واحد: تمجيد «إنجازات السيسي»، الحديث عن «عبقرية الإدارة الحالية»، الدفاع عن سياسات التعليم والاقتراض والمشروعات، مع تكرار المصطلحات المعلّبة عن «الجمهورية الجديدة» و«عبور الأزمات».

في المقابل، لا حضور يُذكر لمواقف جادة في الرقابة على الحكومة أو مواجهة الفساد أو الدفاع عن حقوق الناس، رغم أن ملفاتها الشخصية وحدها تكفي لفتح نقاش واسع حول معنى الحصانة البرلمانية ومن تُمنح لهم.

 

أحكام تزوير وحبس وردّ أموال عامة.. صحيفة جنائية تُكافَأ لا تُحاسَب

 

خلف الصورة اللامعة، تقف مستندات قضائية واضحة. جناية رقم 17133 لسنة 2008 مركز بني مزار، المقيدة برقم 526 لسنة 2008 كلي شمال المنيا، تتهم صبورة محمد السيد بالاشتراك في تزوير محرر رسمي هو محضر الشرطة رقم 979 لسنة 2005 إداري بني مزار، ثم استعمال هذا المحضر المزور أمام محكمة جنح العمرانية في قضية أخرى.

الحكم الصادر في هذه الجناية كان بالحبس ستة أشهر مع الشغل، صدر مرة بحضورها، وتم حبسها لتنفيذه، ثم نُقض الحكم وأعيدت المحاكمة، قبل أن تعود محكمة الجنايات في تشكيلة أخرى إلى الحكم عليها – غيابيًا – بالحبس ستة أشهر مع الشغل مرة ثانية.

 

هذا ليس «تهويلًا» من واقعة عابرة، بل حكم جنائي مكتمل الأركان في قضية تزوير محرر رسمي، أي جريمة تمس الثقة في الأوراق الرسمية والقضاء، ومع ذلك لم يكن مانعًا من أن تصبح صاحبة الحكم نائبة عن «الشعب» وتجلس تحت القبة تقرّ القوانين وتراقب – نظريًا – أداء السلطة التنفيذية.

 

إلى جانب ذلك، تكشف تقارير وملفات طعون انتخابية أنها كانت طرفًا في قضايا أمام نيابة الأموال العامة تتعلق بالإضرار بالمال العام والتزوير، انتهت – وفق ما نُشر – إلى قيامها برد مبلغ يناهز 162 ألف جنيه لجهاز مدينة 6 أكتوبر، في سياق تسويات تتعلق بحقوق الدولة.

 

في أي منظومة تحترم القانون، مجرد ذكر اسم شخص في مثل هذه الملفات يكفي لإبعاده عن أي منصب عام لحين حسم كل شئون النزاهة والسمعة؛ لكن في برلمان السيسي، يتحول الأمر إلى تفصيلة غير مهمة، تُغطّي عليها صور «الابتسامة الرسمية» وعبارات الشكر للقائد.

 

خلف هذه الوقائع، يقف سؤال أخلاقي وقانوني بسيط: كيف تسمح قوانين الانتخابات والجهات الرقابية بمرور شخص حُكم عليه في جناية تزوير محرر رسمي، وذُكر اسمه في ملفات أموال عامة وردّ أموال للدولة، ثم يُدفع به إلى البرلمان كوجه «مشرّف»؟ الإجابة الأقرب أن معيار «حسن السمعة» في الواقع لا يُحتسب بناء على الصحيفة الجنائية، بل على مدى القرب من السلطة وخدمة سياساتها.

 

زوج مسجّل خطر وشبكة نفوذ.. حين تتحالف البلطجة مع الحصانة

 

لا يقف الأمر عند حدود النائبة نفسها. الطعون والوثائق تتحدث عن زوجها سامي عبد العزيز أمين إبراهيم، المقيد سابقًا في سجلات وزارة الداخلية كـ«مسجل خطر – فرض سيطرة» تحت رقم 170 فئة (ب)، قبل أن يُرفع اسمه من هذا التصنيف بقرار رسمي عام 2005. نحن إذن أمام أسرة ليست بعيدة عن ثقافة «البلطجة» و«فرض السيطرة» التي صارت جزءًا من بنية السلطة والأعمال في مصر، ثم جرى غسلها سياسياً عبر مقعد في البرلمان وحضور متكرر في المناسبات الرسمية.

 

هذا التداخل بين سجل جنائي للزوج، وملفات تزوير وأموال عامة للزوجة، لا يمنع، بل ربما يسهل، الانخراط في شبكة مصالح أوسع بين رجال أعمال ومسؤولين وأجهزة أمنية وأحزاب موالية، تتحرك كلها في اتجاه واحد: تثبيت أركان منظومة الحكم، لا حماية القانون.

 

الأخطر أن وجود مثل هذه النماذج داخل البرلمان يبعث برسالة واضحة للمجتمع: من يمتلك شبكات النفوذ، أو القدرة على خدمة السلطة وتلميع قراراتها، يمكنه أن يُطوى سجله الجنائي تحت السجادة، ويُقدَّم للجمهور كوجه «وطني» و«ناجح». أما المواطن العادي، فتكفيه مخالفة مرورية أو إيصال كهرباء متأخر ليطارد بالغرامات والمنع من الخدمات. إنها دولة معيارين: حصانة للفاسدين المقرّبين، وقسوة على الضعفاء.

 

إعلام يلمّع وإعلام يفضح.. لكن البرلمان يبقى بلا معيار

 

في مواجهة هذا كله، يتحرك الإعلام بدوره كجزء من المعركة. هناك إعلاميون يلمّعون صورة صبورة السيد ليل نهار، ويكتبون عنها مقالات من نوع «مسيرة لا تعرف المستحيل» و«الوجه الحقيقي للمرأة المصرية»، ويقدّمون ترشحها على القوائم المغلقة كقصة نجاح ملهمة. من بين هؤلاء يظهر اسم محمد فودة، الذي بالغ في مدحها ووضعها في خانة «الرموز» التي يجب الاحتفاء بها، متجاهلًا أو متغافلًا عن كل ما ورد في الصحيفة الجنائية والطعن الانتخابي.

 

على الطرف الآخر، هناك إعلاميون قرروا فتح الملفات على الهواء، مثل محمد ناصر الذي خصّص حلقات كاملة لعرض مستندات القضايا وأرقامها وأحكامها، وتناول تفاصيل الحكم في جناية بني مزار، وملف الأموال العامة، وسرد رواية اجتماعية تقول إن صبورة السيد عملت في السابق خادمة في منزل الفنانة عفاف شعيب قبل أن تتحول اليوم إلى نائبة في برلمان السيسي؛ رواية تُستخدم لتعرية مفارقة صعود أشخاص من الهامش الاجتماعي إلى قلب السلطة عبر بوابة الولاء، لا بوابة الكفاءة أو النزاهة.

 

https://www.facebook.com/watch/?v=1680949742881424

 

لكن وسط هذا الضجيج الإعلامي، يبقى جوهر المأساة في مكان آخر: البرلمان نفسه لا يتحرك. لا لجنة تحقيق، لا مساءلة حقيقية، لا مراجعة لشروط الترشح واستبعاد من يحملون أحكامًا جنائية في قضايا تمس الشرف والأمانة. بل إن المؤسسات التي يُفترض أن تحمي نزاهة الانتخابات اكتفت – في حالة الطعن على ترشحها – برفض الدعوى لأسباب شكلية تتعلق بالميعاد، لا بالمضمون، تاركة الرسالة واضحة: ليس مهمًا ما في الصحيفة الجنائية، المهم أن صاحبها جزء من المنظومة.

 

في النهاية، صبورة السيد ليست حالة فردية غريبة سقطت من السماء على برلمان السيسي؛ هي مرآة لبرلمان صُمم أصلًا ليكون غطاءً سياسيًا لقرارات السلطة، لا ممثلًا حقيقيًا للناس. وجود نائبة بسجل تزوير وأموال عامة، وزوج مسجل خطر، في موقع تشريع ورقابة، تحت لافتة «القائمة الوطنية» و«نواب الشعب»، يكشف بوضوح أن ما يُبنى اليوم ليس دولة قانون، بل دولة حصانة لمراكز القوى وشبكات البلطجة المغسولة سياسيًا.

 

وحين يُمنح أمثال هؤلاء سلطة التشريع والحصانة، يصبح الحديث عن مكافحة الفساد مجرد شعار أجوف، وتتحول قبة البرلمان إلى سقف يحمي الفاسدين بدل أن يضعهم تحت المساءلة. هذه هي الحقيقة العارية التي يكشفها ملف صبورة السيد: برلمان يُكافئ من تُلاحقهم شبهات الفساد والتزوير، ويقصي من يدفع ثمن الدفاع عن حقوق الناس والقانون.