بين انسداد الأفق السياسي في الداخل وتضييق كل مساحات المعارضة التقليدية، ظهر فاعل جديد على الساحة المصرية: جيل Z المصري؛ جيل وُلد في زمن الإنترنت ولم يعرف من تجربة  قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلا القمع، والديون، وانسداد المعيشة.

 

هذا الجيل لا يثق في الأحزاب العتيقة ولا في معارضات الغرف المغلقة، فاختار ساحة مختلفة تمامًا: فضاء رقمي عابر للحدود، أطلق فيه مبادرة استفتاء إلكتروني على بقاء السيسي من عدمه، تقودها أسماء شابة أبرزها أنس حبيب وطارق حبيب من خارج مصر.

 

 

أنس وطارق حبيب.. معارضة رقمية من المنفى

 

لم يأتِ اسم أنس وطارق حبيب من فراغ؛ فالشقيقان يمثلان صورة مكثفة لقطاع واسع من الشباب المصري الذي دفع ثمن العقد الأخير هجرةً أو بطالةً أو يأسًا من أي تغيير من داخل النظام. من خارج الحدود، حيث لا تمتد يد الأمن الوطني ولا تعليمات المخابرات، قررا إطلاق مبادرة استفتاء رقمي يشارك فيه المصريون لتحديد موقفهم من استمرار السيسي في الحكم، في خطوة ترى فيها السلطة خروجًا واضحًا عن قواعد اللعبة التي احتكرتها طوال سنوات.
 

 

المبادرة لم تُطرح كلعبة استفتاء عابرة، بل قُدمت كمساحة تنظيمية جديدة، تخلق صلة بين مصريين في الداخل والخارج حول سؤال واحد: هل يمثل هذا النظام من يحكمهم حقًا؟ وبالنسبة لكثير من الشباب المشاركين، ليست الفكرة في جدوى استفتاء غير رسمي من الناحية القانونية، بل في رمزيته: كسر احتكار الدولة لحق السؤال عن شرعية الحاكم.

 

استفتاء رقمي يشكّك في سردية “الشعب اختار”

 

منذ ٣ يوليو ٢٠١٣، بنت السلطة خطابها على شعار واحد: “الشعب هو من طلب”. كل انتخابات أو استفتاءات رسمية تم تقديمها بوصفها دليلًا على التفويض الشعبي لسياسات السيسي الاقتصادية والأمنية. لكن الاستفتاء الذي أطلقه نشطاء جيل Z جاء ليضرب في قلب هذه السردية، ولو على مستوى الرمزية.

 

فكرة الاستفتاء الرقمي تقول ببساطة: إذا كان النظام واثقًا من شعبيته، فلماذا لا يحتمل استفتاءً موازيًا يجريه مواطنون خارج أجهزة الدولة؟ رد فعل السلطة، عبر الحجب والملاحقة، قدّم – في نظر القائمين على الحملة – إجابة عملية عن السؤال؛ إذ تعاملت أجهزة الدولة مع موقع صغير على الإنترنت كما لو كان تهديدًا استراتيجيًا، ما كشف حجم هشاشة السردية الرسمية عن “رضا الشعب”.
 

 

المتابعون يرون أن قوة هذه المبادرة ليست في أرقام التصويت بقدر ما هي في كونها أول محاولة منظمة من جيل شاب لتحدي شرعية النظام باستخدام أدواته المفضلة نفسها: التكنولوجيا والبيانات والمنصات الرقمية؛ أي أن جيلًا تشكّل وعيه في غرف الدردشة ومنصات الألعاب والبث المباشر يحوّل خبرته الرقمية إلى أداة سياسية.

 

حجب متكرر وDiscord تحت المجهر: الإنترنت كساحة صراع

 

رد فعل الدولة لم يتأخر؛ فبحسب ما نشره القائمون على مبادرة جيل Z، تم حجب الموقع الذي يستضيف الاستفتاء سريعًا داخل مصر، وهو ما دفعهم إلى نشر تعليمات باستخدام برامج VPN للوصول إليه. ومع انتقال النقاش إلى منصات بديلة مثل “ديسكورد”، التي يفضّلها الشباب لتنظيم غرف صوتية مغلقة نسبيًا، بدأت تظهر شكاوى من صعوبة الوصول، وتعطّل متكرر، ورصد لحسابات مشاركين.

 

الإشارات المتكررة إلى الحجب وملاحقة المنصات تعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر عن طبيعة علاقة النظام بالإنترنت؛ فالدولة التي روّجت لقصة “الجمهورية الجديدة” ومشروعات التحول الرقمي، ما زالت ترى في التنظيم الإلكتروني الحر تهديدًا أمنيًا لا مساحة مشاركة سياسية. بالنسبة لجيل Z، تبدو المفارقة صارخة: نظام يسيطر على دولة بحجم مصر، لكنه يخاف من موقع إلكتروني ومن غرفة دردشة.

 

في المقابل، ترى أوساط قريبة من السلطة أن هذه التحركات لا تعدو كونها “محاولات دعائية من الخارج” لا تعكس واقع الداخل، وأن التعامل الأمني معها يهدف إلى منع “استغلالها من قوى معادية”. غير أن الحجب المتكرر، بدل النقاش السياسي المفتوح، يعزز لدى كثير من الشباب قناعة أن أي مساحة تعبير حرة – حتى لو كانت رمزية – تُقابل في النهاية بالأدوات نفسها: المنع والملاحقة.

 

جيل Z بين انسداد الخيارات الرسمية وابتكار مسارات جديدة

 

ما يميز هذا الحراك أنه لا ينطلق من أحزاب مرخصة ولا من قيادات سياسية معروفة، بل من شباب رأى أن كل القنوات الرسمية مغلقة: البرلمان بلا معارضة حقيقية، الإعلام مملوك أو خاضع للأجهزة، الشارع محكوم بقوانين التظاهر الاستثنائية. أمام هذا الانسداد، يبتكر جيل Z مسارات أخرى، حتى لو كانت رمزية أو محدودة التأثير في المدى القصير.

 

في هذا السياق، تبدو مبادرة أنس وطارق حبيب جزءًا من لوحة أكبر؛ فالشباب الذين يتابعون السياسة عبر منصات عالمية، ويقارنون تجارب بلادهم بما يجري في العالم، صاروا أقل قبولًا بخطاب “الاستقرار مقابل القمع”. ومع الأزمة الاقتصادية الخانقة، وانهيار قيمة الجنيه، وتضخم الديون، وبيع أصول الدولة، لم يعد خطاب “تحمّلوا من أجل البلد” مقنعًا لقطاع واسع منهم.
 

 

مع ذلك، لا أحد يملك إجابة حاسمة عن سؤال المستقبل: هل يمثل هذا الحراك بداية تشكّل وعي سياسي جديد خارج أطر المعارضة التقليدية، أم أن القبضة الأمنية ستنجح مرة أخرى في تفتيت أي محاولة للتنظيم؟ ما يبدو مؤكدًا حتى الآن هو أن جيل Z المصري دخل الساحة، بلغته وأدواته وأسئلته الخاصة، وأن تجاهله أو اختزاله في “مؤامرة خارجية” لن يلغي حقيقة أن النظام يواجه اليوم جيلًا لا يخاف من السؤال عن شرعيته، حتى لو كان السؤال على شكل استفتاء رقمي محجوب.