تفجّرت في الأيام الأخيرة شكاوى واسعة بين تجار التموين ومشروع «جمعيتي» بعد توقف توريد عدد من السلع التموينية إلى منافذهم، ما انعكس مباشرة على مائة ألف بطاقة تموينية – على الأقل – تعتمد على هذه المنافذ في الحصول على احتياجاتها الأساسية شهريًا.
ويؤكد التجار أن الأزمة ليست عابرة، بل مرتبطة بمديونيات ومتأخرات بملايين الجنيهات لدى شركة المجمعات والشركات المسؤولة عن الإمداد، في ظل غياب حلول حكومية حقيقية وتراكم الضغوط على أصحاب المنافذ والمواطنين معًا.
توقف السلع… بطاقات تموينية بلا قيمة وأسر بلا بديل
يقول عدد من أصحاب منافذ «جمعيتي» إن رفوف السلع التموينية الأساسية – الزيت، السكر، الأرز، المكرونة وغيرها – باتت شبه خالية منذ أسابيع، بسبب تأخر الشركات التابعة لمنظومة المجمعات الاستهلاكية في توريد الكميات المتفق عليها.
ومع كل بداية شهر، يجد المواطن صاحب البطاقة التموينية نفسه أمام ماكينة صرف تقرأ بياناته، بينما لا يجد في المنفذ سلعة يختارها.
ويقدّر التجار المتضررون أن ما لا يقل عن 100 ألف بطاقة تموينية متأثرة بشكل مباشر بتوقف التوريد لمنافذهم فقط، ما يعني مئات الآلاف من الأفراد الذين كانوا يعتمدون على فارق السعر بين التموين والسوق الحر.
كثير من الأسر – خاصة محدودي الدخل – لم تعد قادرة على شراء احتياجاتها من السوق العادي بعد موجات الغلاء المتلاحقة، وكانت تتعامل مع بطاقة التموين باعتبارها آخر شبكة أمان في مواجهة الأسعار، فإذا بهذه الشبكة نفسها تتعرّض للتمزق.
التجار يؤكدون أن المشكلة ليست في نقص عرض مؤقت لسلعة بعينها، بل في توقف شبه كامل لأنواع رئيسية، وأن وعود المسئولين بعودة التوريد "قريبًا" تتكرر دون تنفيذ، بينما تتزايد حدة غضب المواطنين الذين يتهمون أصحاب المنافذ بالتلاعب أو إخفاء السلع، في حين أن السبب الحقيقي، بحسب التجار، هو تعثر الشركات المسؤولة عن الإمداد وعدم التزامها بجداول التوريد.
مديونيات بالملايين… تجار بين فكي البنوك وشركات المجمعات
من جهة أخرى، يكشف أصحاب منافذ «جمعيتي» أن شركة المجمعات وبعض الشركات التابعة للمنظومة التموينية متأخرة في سداد مستحقات التوريد لهم بمبالغ تصل إلى ملايين الجنيهات على مستوى المحافظات، ما وضع التجار في مأزق مالي خانق.
فهذه المنافذ تعمل وفق نظام يفرض على التاجر سداد قيمة ما يحصل عليه من سلع مقدمًا أو بضمانات بنكية، ثم استرداد أمواله من خلال صرف السلع لحاملي البطاقات.
ومع تراكم المتأخرات، أصبح كثير من التجار عاجزين عن سداد التزاماتهم للبنوك أو للموردين الآخرين، وتعرّض بعضهم بالفعل لإجراءات قانونية بسبب تعثّر الأقساط أو الشيكات.
في المقابل، لا يحصل هؤلاء على مستحقاتهم من شركة المجمعات بالسرعة أو الشفافية اللازمة، ما يدفع البعض إلى التفكير في إغلاق المنفذ أو تجميد نشاطه بالكامل، وهو ما يعني عمليًا خروج نقطة تموينية جديدة من الخدمة في منطقة قد لا يوجد فيها بديل قريب.
التجار يشكون أيضًا من غياب آلية واضحة لتسوية المديونيات، ومن ضبابية في حسابات الاستحقاق بين ما يتم صرفه على النظام الإلكتروني وبين ما يصلهم فعليًا من السلع.
ويؤكدون أن الاجتماعات التي تُعقد مع مسؤولي الشركة لا تنتج إلا عن وعود عامة بتسهيلات قادمة، دون جدول زمني ملزم أو خطة حقيقية لمعالجة أصل الأزمة: عجز الشركات عن توفير السلع وسداد مستحقات المنافذ.
تحذيرات من انهيار مشروع «جمعيتي» ومطالب بتدخل عاجل
أمام هذا الوضع، يحذّر عدد من التجار والخبراء من أن استمرار الأزمة بنفس الوتيرة يهدد مشروع «جمعيتي» نفسه بالانهيار، خاصة أن جزءًا كبيرًا من هذه المنافذ فتح أبوابه بتمويلات صغيرة وقروض مصرفية وبرامج تشغيل للشباب.
وإذا وجد هؤلاء أنفسهم بلا سلع يبيعونها، وبلا مستحقات يحصلون عليها، وبلا حماية حكومية من الملاحقات المالية، فليس منطقيا أن يستمر المشروع إلا على الورق.
كما يحذر مراقبون من أن ضرب شبكة المنافذ التموينية الصغيرة سيؤدي في النهاية إلى مزيد من التركّز في أيدي كيانات محدودة، ويُضعف قدرة الدولة على الوصول إلى القرى والمناطق الطرفية التي اعتمدت على هذه المنافذ كمصدر أساسي للسلع المدعومة.
ومع ارتفاع الأسعار، فإن أي خلل إضافي في منظومة التموين قد ينعكس مباشرة في صورة توتر اجتماعي وغضب شعبي، خاصة مع تآكل الدخول وغياب بدائل حقيقية أمام الفئات الأضعف.
في المقابل، يطالب التجار بتدخل عاجل من الجهات المسؤولة لوضع خطة واضحة لتسديد المتأخرات، وجدولة الديون المتراكمة على الشركة لصالح أصحاب المنافذ، وضمان انتظام التوريد للسلع الأساسية شهريًا، مع شفافية كاملة في بيانات الكميات والأسعار.
كما يدعون إلى مراجعة شاملة لعقود «جمعيتي» وشروطها المجحفة، بحيث لا يتحول التاجر الصغير إلى كبش فداء يدفع ثمن سوء إدارة أو عجز مالي في شركات كبرى.
الأزمة الحالية تكشف هشاشة منظومة التموين في صورتها المعلنة، وتطرح سؤالًا مباشرًا: هل ما زالت بطاقة التموين ضمانًا غذائيًا حقيقيًا للمصريين، أم أن توقف السلع وتراكم الديون حولها إلى بطاقة بلا رصيد؟
الإجابة لن تأتي من التصريحات المطمئنة، بل من رفوف ممتلئة بالسلع، ومن تجار يحصلون على حقوقهم في وقتها، ومن حكومة تتحمل مسؤوليتها بدل أن تلقي العبء كله على أكتاف صغار البائعين والفقراء الذين يقفون أمام منافذ «جمعيتي» بأمل لا يجد ما يحققه.

