بدأ مجلس نواب الانقلاب، الاثنين، أولى جلسات فصله التشريعي الجديد، بعد انتهاء أطول انتخابات برلمانية شهدتها البلاد منذ قيام الجمهورية. افتتاحٌ محمّل بالأرقام والإجراءات، لكنه مثقل في الجوهر بأسئلة الشرعية والتمثيل الحقيقي ودور البرلمان في لحظة سياسية شديدة الانغلاق.
في المقر الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة شرقي القاهرة، انعقدت جلسة إجرائية لاختيار رئيس المجلس وهيئة مكتبه من بين 596 نائبًا، بواقع 568 منتخبًا و28 معينًا بقرار رئاسي. إجراءات مكتملة، لكن سياقها السياسي يشي بأن البرلمان يدخل دورته وهو محكوم سلفًا بميزان قوى لا يترك مساحة تُذكر للمساءلة.
الانتخابات التي امتدت 99 يومًا لم تُسجّل فقط كالأطول زمنًا، بل كالأكثر تعقيدًا؛ إذ شهدت 49 دائرة من أصل 70 إعادة اقتراع في المرحلة الأولى، بعد إلغاء نتائج أولية بقرارات من الجهة المشرفة أو بأحكام قضائية بسبب خروقات أثناء التصويت. أرقام ثقيلة لا يمكن فصلها عن صورة المشهد كله: برلمان يولد من عملية مرهقة، طويلة، ومشحونة بالإشكالات، ثم يبدأ عمله بجلسة إجرائية هادئة، كأن شيئًا لم يكن.
جلسة افتتاحية بلا مفاجآت.. الإجراءات تحكم المشهد
الجلسة الافتتاحية جاءت وفق الدستور واللائحة الداخلية، حيث أدى النواب اليمين الدستورية تمهيدًا لانتخاب رئيس المجلس ووكيلين. ترأست الجلسة النائبة عبلة الهواري، 79 سنة، بصفتها أكبر الأعضاء سنًا، وعاونها أصغر نائبين، سامية الحديدي وسجى هندي، 25 سنة لكل منهما، في سابقة تُسجَّل من حيث الشكل، لكنها لا تغيّر من مضمون المشهد شيئًا.
قبلها بساعات، كان عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب قد أصدر قرارين بتعيين 28 عضوًا جديدًا في المجلس، نصفهم من السيدات، ونُشرا في الجريدة الرسمية. خطوة تُغلق التشكيل الكامل للمجلس، وتؤكد أن الافتتاح لم يكن سوى محطة إجرائية أخيرة قبل بدء فصل تشريعي يُفترض أن يمتد خمس سنوات.
وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، المستشار محمود فوزي، شرح القواعد المتبعة: جلسة صباحية إجرائية في بداية كل فصل تشريعي، برئاسة الأكبر سنًا ومعاونة الأصغر عمرًا. كلام منضبط، لكن انضباطه لا يُخفي حقيقة أن البرلمان يبدأ عمله محكومًا بقواعد سياسية أوسع من أي لائحة.
تركيبة المقاعد.. أغلبية مضمونة ومعارضة رمزية
وفق النتائج النهائية، حصلت المرأة على 160 مقعدًا بالانتخاب والتعيين، بنسبة 26 بالمئة من إجمالي المقاعد. رقم يُقدَّم باعتباره إنجازًا تمثيليًا، لكنه لا يُجيب عن سؤال النفوذ الحقيقي داخل القاعة.
15 حزبًا دخلوا البرلمان، لكن توزيع القوة كان كاشفًا:
المستقلون 109 مقاعد بنسبة 18 بالمئة، فيما تصدّر حزب مستقبل وطن بـ231 مقعدًا، يليه حماة وطن بـ91 مقعدًا، ثم الجبهة الوطنية بـ70 مقعدًا. باقي المقاعد توزعت على أحزاب أخرى بأوزان محدودة.
النتيجة السياسية الصافية أن البرلمان تتصدره أحزاب موالية للسلطة، يليها مستقلون بلا كتلة موحدة، بينما لم تتجاوز حصة أحزاب المعارضة مجتمعة أقل من 10 بالمئة. الخبير في النظم البرلمانية د. عمرو هاشم ربيع يرى أن هذه التركيبة “تنتج برلمانًا مريحًا للسلطة التنفيذية، لا برلمان رقابة وتشريع فعّال”، مشيرًا إلى أن ضعف المعارضة العددي يحوّل النقاش إلى تمرين شكلي.
أطول انتخابات.. لماذا طال الزمن وضاق التمثيل؟
الانتخابات أُجريت بنظامي الفردي والقوائم على مرحلتين. فُتح باب الترشح في أكتوبر 2025، وبدأ التصويت في نوفمبر، واستمر 99 يومًا، رقم غير مسبوق. ومع ذلك، لم تُترجم المدة الطويلة إلى تنوع سياسي أوسع. إعادة الاقتراع في 49 دائرة تكشف حجم الاضطراب الإجرائي، لا صرامة النزاهة كما يُروَّج.
الخبير في الشؤون الانتخابية د. محمد فايز فرحات يلفت إلى أن “طول العملية لا يعني جودتها”، مؤكدًا أن إعادة التصويت بهذا الحجم تعكس خللًا في إدارة العملية، وتُرهق الناخب وتضعف الثقة. أما الخبير الاقتصادي السياسي د. زياد بهاء الدين فيرى أن برلمانًا يولد من مشهد كهذا “سيكون مشغولًا بتثبيت الاستقرار الشكلي أكثر من فتح ملفات السياسات العامة الثقيلة”.
في المحصلة، يبدأ مجلس نواب الانقلاب فصله التشريعي الجديد بأغلبية مضمونة، ومعارضة محدودة، وانتخابات طويلة انتهت دون مفاجآت سياسية.
افتتاحٌ منضبط على الورق، لكنه يترك السؤال الجوهري بلا إجابة: هل يمتلك هذا البرلمان القدرة، أو الرغبة، في أن يكون سلطة تشريع ورقابة حقيقية؟ أم أنه يدخل خمس سنوات جديدة ليؤدي دورًا محفوظًا سلفًا، في مشهد سياسي لا يطيق الاختلاف بقدر ما يطيق الصمت؟

