مشهد واحد، مدته دقيقة تقريبًا، كان كفيلًا يلخص واقعًا كاملًا. فقراء مسنون، وجوههم أنهكها العمر والحاجة، جالسين تحت أحد الكباري في القاهرة، ينتظرون ما قد يجود به يوم قاسٍ. الفيديو الذي نشرته شبكة رصد وأثار موجة غضب واسعة على مواقع التواصل، لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل وثيقة بصرية عن حال اجتماعي وصل لمرحلة لا يمكن إنكارها.

 

الفيديو، الذي حصد عشرات الآلاف من المشاهدات خلال ساعات، يعرض كبار سن افترشوا الأرض أسفل الكوبري، بلا مأوى ولا حماية اجتماعية حقيقية، في وقت تواصل فيه الحكومة الحديث عن «الجمهورية الجديدة» ومشروعات بمليارات الجنيهات. التناقض هنا ليس في التفاصيل، بل في الصورة الكاملة.

 

تحت الكباري.. حيث انتهت الرحلة

 

الجلوس تحت الكوبري لم يعد استثناءً أو حالة فردية. خلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه المساحات إلى ملاذ أخير لكبار سن لم يعودوا قادرين على العمل، ولا يمتلكون دخلًا ثابتًا، ولا شقة إيجارها محتمل.

 

الفيديو يُظهر بوضوح غياب أي مظلة رعاية. لا معاش يكفي، ولا دعم نقدي يحمي من الجوع، ولا حتى مكان آمن يليق بسن تجاوز السبعين في بعض الحالات.

 

خبير الاقتصاد ووزير التموين الأسبق د. جودة عبد الخالق يرى أن ما نشهده «نتيجة مباشرة لانحياز السياسات الاقتصادية لخفض الإنفاق الاجتماعي مقابل التوسع في مشروعات رأسمالية لا تعود بعائد مباشر على الفئات الأضعف». ويؤكد أن كبار السن هم أول من يدفع ثمن التضخم ورفع الأسعار، لأن دخولهم ثابتة أو شبه معدومة.

 

المشهد لا يتعلق فقط بالفقر، بل بالإذلال الاجتماعي. حين يضطر مسن للجلوس على الرصيف، فهذا إعلان صريح بفشل منظومة الحماية، مهما كانت الشعارات براقة.

 

أرقام الغلاء ومعاشات لا تكفي الحياة

 

في السنوات الأخيرة، قفزت أسعار الغذاء والخدمات الأساسية بنسب غير مسبوقة، بينما ظلت المعاشات في كثير من الحالات أقل من الحد الأدنى الذي يسمح بحياة كريمة. الزيادات التي أُعلنت لم تلاحق موجات الغلاء، بل تأخرت عنها دائمًا، ما جعل القوة الشرائية لكبار السن تتآكل شهرًا بعد شهر.

 

خبيرة الإحصاء والفقر د. هبة الليثي تشير إلى أن «الفقر بين كبار السن أخطر من غيره، لأن فرص التعويض معدومة». وتوضح أن التضخم لا يضرب الجميع بنفس القوة، لكنه يكون قاسيًا جدًا على من يعتمدون على دخل ثابت في ظل زيادات شهرية في أسعار الطعام والدواء والمواصلات.

 

 

يعكس هذه الحقيقة بلا أرقام معقدة. مجرد وجوه متعبة، وأجساد أنهكها الانتظار، ورسالة واضحة: المعاش لا يكفي، والدعم لا يصل.

 

الجمهورية الجديدة.. لمن؟

 

في الخطاب الرسمي، تتكرر عبارات مثل «العدالة الاجتماعية» و«الحياة الكريمة». لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين هذه الوعود من كبار السن الجالسين تحت الكباري؟ كيف يمكن الحديث عن مدن ذكية وعاصمة إدارية جديدة، بينما مواطنون في قلب القاهرة لا يجدون ما يسد رمقهم؟

 

الخبير الأمني والاستراتيجي د. خالد عكاشة يحذر من أن «تجاهل الأبعاد الاجتماعية للفقر، خاصة بين كبار السن، لا يمثل فقط أزمة إنسانية، بل خطرًا على الاستقرار المجتمعي». ويضيف أن الشعور العام بالظلم والتهميش يتراكم، ويظهر في مثل هذه المشاهد الصادمة التي تنتشر بسرعة على السوشيال ميديا.

 

الفيديو لم يكن مفبركًا، ولا مجتزأً من سياق. هو جزء من واقع يومي يراه المواطنون في الشوارع، لكن نادرًا ما يصل بهذه المباشرة إلى الشاشات. لذلك جاء الغضب واسعًا، لأن الصورة كسرت الرواية الرسمية، ووضعت «الجمهورية الجديدة» في مواجهة اختبار أخلاقي صعب.

 

ما جرى ليس حادثة عابرة، ولا مادة للجدل ليوم أو يومين. هو سؤال مفتوح عن الأولويات، وعن معنى التنمية، وعن قيمة الإنسان حين يتقدم به العمر. طالما ظل كبار السن يبحثون عن لقمة عيشهم تحت الكباري، سيظل الحديث عن الرفاه والتقدم بلا معنى حقيقي، مهما ارتفعت الكوبريّات وتوسعت الطرق.