رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال قطاع غزة يعيش فصولًا متواصلة من القتل والدمار والمعاناة الإنسانية، في ظل خروقات إسرائيلية يومية تطال الأرواح والبنية التحتية، وتفاقم غير مسبوق في الأوضاع الصحية والمعيشية، وسط تحذيرات رسمية من انهيار شامل يهدد حياة السكان، خاصة الأطفال والنازحين.

 

شهداء جدد وخروقات متواصلة

 

استشهد ثلاثة مواطنين، اليوم الاثنين، جراء تجدد القصف وإطلاق النار من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، في استمرار واضح لخرق اتفاق وقف إطلاق النار لليوم الثالث والتسعين على التوالي، لا سيما في المناطق الشرقية من قطاع غزة.

 

وأفادت مصادر محلية بوصول الشهيدين عاطف سمير البيوك ومحمود بريكة إلى مستشفى ناصر في خان يونس، بعد استهداف طائرة إسرائيلية مسيّرة من نوع “كواد كابتر” مجموعة من المواطنين قرب مسجد النور جنوب المدينة. وفي حادث منفصل، استشهد المواطن وسام عبد الله سالم العمور إثر إطلاق نار مباشر من قوات الاحتلال في خان يونس.

 

كما أُصيبت سيدة بجراح في منطقة البطن السمين جنوب خان يونس، جراء إطلاق نار من آليات الاحتلال، في وقت واصلت فيه القوات الإسرائيلية إطلاق النيران باتجاه المناطق الشرقية من خان يونس، وقصفت مدفعيًا مواصي مدينة رفح جنوبًا، إضافة إلى إطلاق النار شرق مخيم المغازي وقصف مدفعي طال شرق مخيم البريج وسط القطاع.

 

وكان يوم أمس الأحد قد شهد استشهاد أربعة مواطنين، بينهم اثنان شرق خان يونس، وثالث شرق مدينة غزة، فيما توفي الرابع متأثرًا بجراح أصيب بها في قصف سابق على مخيم المغازي.

 

حصيلة ثقيلة بعد الهدنة

 

وبحسب وزارة الصحة في غزة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية سبعة شهداء جدد، بينهم خمسة جرى انتشالهم من تحت الأنقاض، إضافة إلى أربع إصابات، مؤكدة أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات، بسبب عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.

 

وأشارت الوزارة إلى أن عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر بلغ 442 شهيدًا و1240 إصابة، إلى جانب انتشال 697 جثمانًا. فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71,419 شهيدًا و171,318 إصابة.

 

البرد يفتك بالأطفال

 

وفي مشهد إنساني بالغ القسوة، أعلنت وزارة الصحة وفاة طفلة تبلغ من العمر سبعة أيام، وطفل آخر عمره أربع سنوات، نتيجة البرد الشديد، ليرتفع عدد وفيات الأطفال بسبب البرد منذ بداية الشتاء إلى ستة، وسط تحذيرات من ارتفاع العدد مع اشتداد المنخفضات الجوية.

 

من جانبه، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن عدد ضحايا البرد في مخيمات النزوح ارتفع إلى 21 شهيدًا، بينهم 18 طفلًا، جميعهم من نازحي الإيواء القسري، في ظل غياب وسائل التدفئة، وانعدام المأوى الآمن، واستمرار منع إدخال المساعدات الإنسانية.

 

اغتيال أمني وتوتر داخلي

 

وفي تطور أمني لافت، أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني اغتيال مدير مباحث شرطة خان يونس، المقدم محمود أحمد الأسطل (40 عامًا)، بعد تعرضه لإطلاق نار في منطقة المواصي، مشيرة إلى أن التحقيقات الأولية تفيد بتنفيذ العملية من سيارة تقل عملاء للاحتلال، مؤكدة فتح تحقيق موسع وملاحقة الجناة.

 

انهيار المناعة وتفشي الفيروسات

 

على الصعيد الصحي، حذر مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، من تفشي فيروسات تنفسية خطيرة في القطاع، في ظل انهيار شبه كامل للمناعة العامة نتيجة المجاعة وسوء التغذية.

 

وأوضح أن ما يشهده القطاع قد يكون سلالات متحورة من الإنفلونزا أو فيروس كورونا، تتسبب في وفيات وإصابات خطيرة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، مؤكدًا أن “الأجساد الخارجة من المجاعة غير قادرة على مقاومة العدوى”.

 

وأشار إلى أن نسبة إشغال الأسرة في المستشفيات تجاوزت 150%، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية نقصًا حادًا في الأدوية والمستهلكات الطبية، حيث بلغ العجز في الأدوية 52%، وفي المستهلكات الطبية 71%، مع تقليص دخول الشاحنات الطبية إلى أقل من 30% من الاحتياج الشهري.

 

الإنفلونزا.. خطر مضاعف

 

ويحذر مختصون من أن موسم الإنفلونزا هذا العام لا يأتي كمرض عابر، بل كتهديد مركب، في ظل غياب التطعيمات وارتفاع أسعار الأدوية ونفاد المسكنات، مع تسجيل حالات خطيرة احتاجت إلى دخول العناية المركزة.

 

وأكدت وزارة الصحة أن الاحتلال يواصل منع إدخال نحو 12 ألف جرعة تطعيم محتجزة في رام الله، ما يحرم الفئات الأكثر هشاشة من الوقاية الأساسية.

 

خيام مهترئة ومنخفض جوي قاتل

 

إنسانيًا، يواجه مئات آلاف النازحين خطرًا داهمًا مع اقتراب منخفض جوي عميق، وُصف بالأشد هذا الشتاء، في وقت أعلنت فيه الجهات الحكومية أن 127 ألف خيمة من أصل 135 ألفًا أصبحت غير صالحة للسكن، مع عجز يتجاوز 70% في الأغطية ووسائل التدفئة.

 

وحذر المكتب الإعلامي الحكومي من أن استمرار هذا الوضع قد يحول فصل الشتاء إلى “موسم وفيات جماعية”، لا سيما في ظل تدمير 90% من البنية العمرانية، وتشريد أكثر من مليوني فلسطيني، واستهداف مئات مراكز الإيواء وتوزيع الغذاء.

 

“أونروا” وفصل الموظفين

 

وفي سياق متصل، فجّرت وكالة “أونروا” موجة غضب واسعة بعد إعلانها فصل 757 موظفًا فلسطينيًا من العاملين لديها في غزة والمتواجدين خارج القطاع، بذريعة الأزمة المالية.

 

ووصف ممثلو الموظفين القرار بأنه “تعسفي وتمييزي”، معتبرين أنه يأتي ضمن مساعٍ أوسع لتفكيك الوكالة وشطب قضية اللاجئين وحق العودة، في ظل حملة سياسية تقودها دولة الاحتلال بدعم أمريكي.