أثار تصريح وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية رانيا المشاط حول انتهاء الحكومة من «السردية الأولى للتنمية الاقتصادية» والبدء في «السردية الثانية» موجة من السخرية والانتقادات، بعدما علّق الكاتب والباحث عمار علي حسن قائلًا إنه وقف في عجب لأن الشعب لم يشعر بالأولى حتى يُطالَب بانتظار الثانية.

 

تعليق حسن لم يكن مجرد نكتة سياسية عابرة، بل كشف فجوة عميقة بين خطاب رسمي يراكم المصطلحات، وواقع اجتماعي يراكم الأعباء، في وقت تتراجع فيه مؤشرات المعيشة وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

 

 

«سردية» بلا أثر… حين يصبح الخطاب بديلاً عن النتائج

 

حديث الوزيرة عن «سرديات» للتنمية يعكس ميلًا متزايدًا داخل الحكومة إلى تسويق السياسات عبر لغة إنشائية فضفاضة، بدل تقديم حصيلة واضحة يمكن قياسها على الأرض.

فالتنمية، كما يفهمها المواطن، ليست قصة تُروى ولا إطارًا لغويًا يُعاد تدويره، بل تحسّن ملموس في الدخل، وخدمات مستقرة، وفرص عمل حقيقية.

هنا تحديدًا تتبدى سخرية عمار علي حسن: إذا كانت هناك «سردية أولى» قد اكتملت، فأين أثرها؟ ولماذا لم يشعر بها الناس في أسعار السلع، أو فواتير الخدمات، أو مستوى الأجور؟

 

الواقع يشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تضخمًا غير مسبوق، وتراجعًا حادًا في قيمة العملة، واتساعًا في دائرة الفقر.

في ظل هذا المشهد، يبدو الانتقال من «سردية» إلى أخرى أقرب إلى تبديل العناوين على لوحة قديمة، بينما المحتوى لم يتغير.

 

النقد هنا لا يستهدف المصطلح فحسب، بل فلسفة إدارة الاقتصاد التي تفضّل إعادة توصيف الأزمة بدل مواجهتها.

 

حكومة الانقلاب وإدارة الاقتصاد بالمسميات

 

تعليق حسن يضع إصبعًا على جوهر المشكلة: حكومة تُكثر من الحديث عن الرؤى والخطط والقصص، بينما تغيب المحاسبة عن النتائج.

فالتنمية الاقتصادية لا تُقاس بعدد المؤتمرات أو بتعدد «السرديات»، بل بقدرة السياسات على تحسين حياة الناس.

غير أن ما حدث هو العكس؛ توسّع في الاقتراض، وتضييق في السيولة، ورفع متواصل للدعم، مع تحميل المجتمع كلفة «الإصلاح» دون حماية كافية.

 

في هذا السياق، تبدو تصريحات وزيرة التخطيط امتدادًا لنهج حكومي اعتاد تقديم الوعود في قالب لغوي جديد كل مرة. مرة «رؤية 2030»، ومرة «إصلاح هيكلي»، والآن «سرديات».

لكن القاسم المشترك هو غياب المشاركة المجتمعية والشفافية، واحتكار القرار الاقتصادي داخل دوائر ضيقة لا تتحمل تبعاته اليومية.

لذلك، فإن حدة تعليق حسن تعكس شعورًا عامًا بأن الحكومة تتحدث إلى نفسها، لا إلى مجتمع يئن تحت وطأة الغلاء.

 

فجوة الثقة… حين تنقطع الصلة بين الدولة والمجتمع

 

الأخطر في مسألة «السرديات» ليس غرابتها اللغوية، بل ما تكشفه من فجوة ثقة متسعة بين السلطة والمواطن.

حين يسمع الناس عن نهاية مرحلة تنموية وبداية أخرى، بينما حياتهم تزداد صعوبة، تتحول اللغة الرسمية إلى مصدر استفزاز.

هنا يصبح السؤال: هل تعي الحكومة حجم المعاناة؟ أم أنها تعتقد أن إعادة صياغة الخطاب كافية لامتصاص الغضب؟

 

يرى مراقبون أن تعليق عمار علي حسن لاقى صدى واسعًا لأنه عبّر بعبارة مكثفة عن إحساس جماعي: إحساس بأن «التنمية» باتت كلمة بلا مضمون، وأن الحكومة تتعامل مع الاقتصاد باعتباره مشروع علاقات عامة، لا عقدًا اجتماعيًا.

فبدل الاعتراف بالإخفاقات ومراجعة السياسات، يجري القفز إلى الأمام لغويًا، وكأن تغيير المفردات يمكن أن يغيّر الواقع.

 

السردية الحقيقية غائبة

 

في النهاية، لا يحتاج المصريون إلى «سردية ثانية» بقدر حاجتهم إلى سياسة اقتصادية تُعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وتوقف النزيف المعيشي، وتضع الإنسان في قلب التخطيط لا في هامشه.

تعليق عمار علي حسن، بحدّته وسخريته، لم يكن استعراضًا ثقافيًا، بل تشخيصًا دقيقًا لمرض الخطاب الرسمي: الانفصال عن الواقع.

 

فإذا كانت هناك «سردية» مطلوبة اليوم، فهي سردية الصدق والمحاسبة، لا سردية تُروى من فوق منصات رسمية بينما الناس يبحثون عن أثرها في حياتهم اليومية… ولا يجدونه.