لم يعد خطر الكلاب الضالة في مصر مجرد مشاهد عابرة أو شكاوى موسمية، بل تحوّل إلى أزمة حقيقية تهدد أمن المواطنين وسلامتهم في الشارع، من الأحياء الشعبية إلى المناطق السياحية والراقية.
وبين فاجعة المعمورة الشاطئ، حيث تعرّض شاب لهجوم أثناء توجهه إلى عمله، ومأساة المعادي التي انتهت بمصرع طالب جامعي، تتسع دائرة الخوف والغضب، بينما تغيب الحلول الجذرية وتبقى الأرواح هي الثمن.
المعمورة الشاطئ.. بداية المشهد المؤلم
في منطقة المعمورة الشاطئ بالإسكندرية، شهد المارة واقعة صادمة أثارت موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
شاب يعمل في أحد الفنادق بالمنطقة، خرج في طريقه إلى عمله صباحًا، قبل أن يفاجأ بهجوم مجموعة من الكلاب الضالة.
ورغم أن الكلاب كانت محاطة بالطعام، وكان من يطعمها يقف على مقربة، فإن ذلك لم يمنعها من الانقضاض على الشاب في مشهد عجز فيه الجميع عن التدخل أو إنقاذه.
الواقعة، التي التُقطت في مقطع متداول، أعادت إلى الواجهة سؤالًا مؤلمًا: كيف تحوّلت شوارعنا إلى مساحات خطر مفتوحة، حتى في المناطق السياحية؟
فاجعة المعادي.. موت تحت عجلات الهلع
ولم تمضِ أيام حتى اهتز الرأي العام مجددًا، لكن هذه المرة في قلب القاهرة. ففي أحد شوارع المعادي، لقي طالب بكلية الهندسة مصرعه بعدما طاردته مجموعة من الكلاب الضالة.
حاول الشاب الهروب، إلا أن الخوف أربكه، فسقط أسفل عجلات حافلة مدرسية كانت تمر بالمكان، ليفارق الحياة على الفور وسط صدمة المارة.
الحادثة لم تكن معزولة، بل سبقتها واقعة مشابهة في بورسعيد، حيث توفي مسنّ بعد تعرضه لهجوم عنيف من كلاب ضالة، ما ضاعف من حالة القلق الشعبي، ورسّخ الإحساس بأن الخطر بات يوميًا وقريبًا من الجميع.
اقرأ أيضًا:
مصرع طالب هندسة بالمعادي بعد مطاردته من كلاب ضالة
أزمة تتفاقم وحوادث بلا توقف
تشهد معظم المحافظات المصرية تصاعدًا لافتًا في أعداد الكلاب الضالة، بالتوازي مع تزايد حوادث العقر والمطاردة، في الشوارع الرئيسية والمناطق السكنية على حد سواء.
مواطنون يؤكدون أن المشهد بات مألوفًا: قطعان من الكلاب تجوب الشوارع ليلًا ونهارًا، دون رقابة فعالة، فيما يقتصر التحرك الرسمي غالبًا على ما بعد وقوع الكارثة، لا قبلها.
في الأزقة الشعبية كما في المجمعات السكنية الراقية، أصبح السير في الشارع مغامرة غير مضمونة العواقب، خاصة للأطفال وكبار السن.
السعار.. الخطر الصامت
تحذيرات الأطباء البيطريين تضيف بعدًا أكثر خطورة للمشهد. الدكتورة سارة عطاالله، رئيس المركز العلمي بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، أكدت أن أزمة الكلاب الضالة لم تعد مجرد مشكلة بيئية، بل تحوّلت إلى تهديد صحي جسيم.
وأوضحت أن عقر الكلاب يُعد من أخطر طرق انتقال فيروس السعار إلى الإنسان، وهو مرض قاتل بنسبة تقارب 100% بمجرد ظهور أعراضه. الأخطر أن الكلب المصاب قد ينقل العدوى قبل ظهور أي علامات مرضية، ما يجعل كل هجوم محتملًا تهديدًا بالموت.
أرقام مقلقة وضغط على المستشفيات
بحسب بيانات رسمية، سُجلت أكثر من 190 ألف حالة عقر خلال أقل من عام، بزيادة ملحوظة عن الأعوام السابقة، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أعداد الكلاب الضالة في مصر تتراوح بين 20 و30 مليون كلب.
هذا التصاعد انعكس مباشرة على المستشفيات، خاصة مستشفيات الحميات ومراكز السموم، التي تعمل بطاقتها القصوى لتوفير أمصال السعار، وسط مخاوف من أزمة صحية موازية إذا استمر الوضع دون تدخل حاسم.
اقرأ أيضًا:
شوارع المحافظات بلا أمان.. الكلاب الضالة تحاصر المواطنين وتكشف عجز الحلول الرسمية
حلول محدودة وإدارة بالأزمات
رغم الإعلان عن مبادرات لإنشاء ملاجئ أو إطلاق حملات تعقيم وتطعيم في بعض المدن، يرى خبراء أن هذه الخطوات لا تزال محدودة ولا تتناسب مع حجم المشكلة. فمأوى واحد أو حملة جزئية لا يمكن أن تواجه ظاهرة تنتشر في كل شارع وحي.
ويؤكد متخصصون أن الحل الحقيقي يكمن في خطة وطنية شاملة، تعتمد على:
- برامج تطعيم وتعقيم واسعة النطاق
- إنشاء ملاجئ خاضعة لإشراف بيطري صارم
- حملات توعية مجتمعية
- تنسيق واضح بين المحليات والطب البيطري والمجتمع المدني
بين حق الإنسان وحقوق الحيوان
في خضم الأزمة، تتصاعد أصوات تطالب بحماية المواطنين أولًا، مقابل تحذيرات من نشطاء حقوق الحيوان من أي إجراءات عنيفة.
وبين الطرفين، يقف المواطن وحيدًا في مواجهة الخطر، بينما تبرر الجهات الرسمية عجزها بنقص الإمكانات والضغوط المجتمعية.

