في زيارة رسمية وصل خلالها الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية السعودية، إلى القاهرة مساء الأحد 4 يناير 2026، والتقى بقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية بدر عبدالعاطي ، تبدو الأهداف واضحة للعيان على الورق: تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة التطورات الإقليمية في غزة واليمن والسودان والصومال.
لكن السياق الإقليمي الملتهب والتوقيت الدقيق للزيارة يطرحان تساؤلات حول أبعاد أعمق: هل تسعى الرياض لحشد دعم عسكري مصري مباشر في أزمات المنطقة؟ وما الثمن الذي ستدفعه القاهرة مقابل هذا التحالف؟ فالزيارة تأتي في ظل حرب مستمرة في السودان منذ أبريل 2023 أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 13 مليون شخص ، وتوترات متصاعدة في اليمن، حيث تتزايد المخاوف من تداعيات أي تدخل عسكري مصري محتمل.
اليمن: دعم سياسي بثمن اقتصادي باهظ
تبادل الوزيران وجهات النظر حول الأزمة اليمنية، حيث أكد الوزير المصري أهمية دعم مسار التهدئة وخفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر حوار يمني–يمني جامع. لكن هذا الموقف السياسي المعلن لا يخفي حقيقة التبعية المصرية للرؤية السعودية، حيث تتبنى القاهرة بلا تحفظ الموقف السعودي من الأزمة اليمنية، دون أن تطرح رؤية مستقلة تحفظ مصالحها الوطنية.
فمصر التي تؤكد على "وحدة اليمن وسلامة أراضيه" ، تبدو كأنها تلعب دور الظهير السياسي للرياض، مقابل دعم اقتصادي ونفطي لم يعد كافياً لإنقاذ الاقتصاد المصري المتهاوي. فالسعودية التي تدعم "مسار التهدئة" ، تستخدم مصر كورقة ضغط سياسي في الملف اليمني، بينما تدفع القاهرة ثمن هذا الدعم السياسي من استقرارها الاقتصادي واستقلال قرارها السياسي.
السودان: التدخل العسكري على الطاولة
الملف السوداني يبدو الأكثر إلحاحاً في المباحثات، حيث أكد الوزيران أهمية مواصلة التنسيق في إطار "الآلية الرباعية" (مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة) للدفع نحو هدنة إنسانية تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار. لكن التسريبات المتداولة تشير إلى احتمالات تدخل عسكري مصري مباشر، خاصة مع وجود مناورات عسكرية مشتركة على الحدود السودانية.
فالجيش المصري يستعد حالياً لتنفيذ هجوم كبير في دارفور وكردفان بدعم سعودي وتركي ، وهو ما يعني أن الزيارة السعودية ليست مجرد مشاورات دبلوماسية، بل تمهيد لتحرك عسكري محتمل. السيسي الذي فرض "خطوطاً حمراء" في السودان ، يبدو مستعداً لعبورها مقابل دعم سعودي مالي وسياسي، مما يجعل القاهرة مجرد أداة تنفيذية في المشروع السعودي الإقليمي، وليس شريكاً استراتيجياً متساوياً.
الثمن الباهظ: استقلال القرار مقابل المساعدات
الزيارة تأتي في توقيت "بالغ الأهمية" ، حيث تبحث السعودية عن حليف عسكري فاعل في المنطقة بعد فشل تحالفاتها السابقة. والثمن الذي تطلبه الرياض واضح: تدخل عسكري مصري في السودان واليمن، مقابل دعم اقتصادي محدود لا يحل الأزمة المصرية الهيكلية.
فالقاهرة التي تتبنى مواقف "متطابقة" مع الرياض ، تبيع استقلال قرارها السياسي والعسكري مقابل مساعدات نفطية ومالية آنية. والنتيجة هي تورط مصر في حروب ليست لها فيها مصلحة مباشرة، واستنزاف لمواردها العسكرية والاقتصادية في توقيت لا تتحمل فيه أي أزمات جديدة. فالسيسي الذي يسعى لـ"حماية الأمن القومي العربي" ، يضعف في الواقع الأمن القومي المصري بتوريطه في صراعات إقليمية لا نهاية لها، ويترك المواطن المصري يدفع الثمن من لقمة عيشه واستقراره الاقتصادي.

