أعلنت وزارة البترول عن خطة لتصدير نحو 22 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي إلى لبنان وأوروبا خلال شهري يناير وفبراير 2026، مستندة إلى ما وصفته بـ«وفر شتوي» يومي يقدَّر بنحو 130 مليون قدم مكعب، ناتج عن تراجع الاستهلاك المحلي وزيادة إنتاج حقول جديدة في البحر الأحمر والصحراء الغربية.

 

ورغم أن الإعلان قُدِّم بوصفه إنجازًا يعكس تعافي قطاع الطاقة، إلا أنه فتح بابًا واسعًا للتساؤلات والانتقادات، في ظل واقع مغاير يعيشه الداخل المصري، يتمثل في انقطاعات متكررة للكهرباء، وتراجع الإنتاج الصناعي، واعتماد متزايد على واردات الغاز المسال التي تكلّف الخزينة مليارات الدولارات سنويًا. وبين خطاب التصدير الموجَّه للخارج وأزمات الإمداد في الداخل، تتجلى مفارقة حادة تكشف اختلال أولويات سياسة الطاقة.

 

تصدير فوري للخارج مقابل احتياجات محلية مؤجلة

 

بحسب خطة وزارة البترول، تستهدف مصر تصدير نحو 9 مليارات قدم مكعب من الغاز المسال شهريًا إلى أوروبا، بما يعادل 400 إلى 450 ألف متر مكعب، أي ما يقارب 11 شحنة خلال شهر يناير وحده، بقيمة تتراوح بين 400 و480 مليون دولار. وتُخصَّص هذه الشحنات في الأساس لسداد مستحقات الشركاء الأجانب العاملين في قطاع الغاز، وعلى رأسهم شركات كبرى مثل «شل»، التي سبق أن غادرت إحدى سفنها ميناء إدكو بحمولة ضخمة متجهة إلى إيطاليا.

 

في المقابل، يجري تصدير نحو 13 مليار قدم مكعب إضافية عبر خط الغاز العربي إلى لبنان، بموجب اتفاق تعاون مشترك، مع خطط للاستمرار في التصدير حتى شهر مايو، قبل ارتفاع الاستهلاك المحلي خلال فصل الصيف. وتبرّر الحكومة هذه الخطوة بوجود «وفر شتوي»، غير أن هذا التبرير يصطدم بواقع معيش يختبره المواطنون يوميًا، حيث تعاني البلاد من نقص في إمدادات الطاقة منذ عام 2023، انعكس في انقطاعات الكهرباء وتباطؤ عجلة الصناعة.

 

هذا التناقض يثير سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدولة تعاني من عجز محلي واضح أن تُقدِّم التزامات تصديرية واسعة للخارج؟ ويرى منتقدون أن الأولوية في هذه السياسة لا تُمنح للاحتياجات الوطنية، بل لمصالح الشركاء الأجانب، في إطار نموذج يُقدِّم التزامات مالية قصيرة الأجل على حساب أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي.

 

واردات بمليارات الدولارات تناقض خطاب الاكتفاء والتصدير

 

في الوقت الذي تتباهى فيه الحكومة بخطط التصدير، تكشف الأرقام عن تصاعد غير مسبوق في واردات الغاز المسال. فقد بلغت قيمة هذه الواردات نحو 7.2 مليار دولار خلال عشرة أشهر فقط من عام 2025، بزيادة تقارب 87% مقارنة بالعام السابق. وشهدت أشهر الصيف ذروة في الاستيراد، مع دخول ما يصل إلى 18 شحنة شهريًا، مقارنة بمتوسط 5 إلى 7 شحنات في فترات سابقة.

 

وتشير المعطيات إلى أن شركة «قطر للطاقة» ستزوّد مصر بنحو 24 شحنة غاز مسال خلال صيف 2026، بموجب آلية تنفيذية جرى الاتفاق عليها مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، لتفريغ الشحنات في موانئ السخنة ودمياط. هذا الاعتماد المتزايد على الاستيراد يفرض أعباء مالية ثقيلة على الخزينة العامة، ويطرح تساؤلات حول جدوى تصدير الغاز في الوقت الذي تُنفق فيه الدولة مليارات الدولارات لتأمين احتياجاتها الأساسية.

 

ويطرح منتقدو السياسة الحالية تساؤلًا مباشرًا: إذا كان هناك وفر يومي فعلي يقدَّر بـ130 مليون قدم مكعب، فلماذا تستمر الحاجة إلى هذه الواردات المكلفة؟ الإجابة، وفق هؤلاء، تكمن في سياسة «التصدير أولًا»، حيث تُوجَّه كميات الغاز المتاحة لسداد ديون الشركاء الأجانب، بينما يتحمّل السوق المحلي تبعات العجز عبر الاستيراد وارتفاع الأسعار.

 

أزمة إنتاج مزمنة وغياب رؤية لأمن الطاقة

 

يعكس هذا المشهد أزمة أعمق تتعلق بتراجع إنتاج الغاز المحلي منذ عام 2023، رغم الحديث المتكرر عن اكتشافات جديدة ومناطق امتياز واعدة. فالوفرة الشتوية التي تستند إليها الحكومة مؤقتة بطبيعتها، ومع دخول فصل الصيف وارتفاع الطلب على الكهرباء، تعود الضغوط بقوة على منظومة الطاقة، ما ينذر بتكرار سيناريوهات الانقطاع وارتفاع تكاليف الإنتاج.

 

ويرى خبراء أن تأجيل استيراد بعض الشحنات المخططة لصالح التصدير لا يمثل حلًا جذريًا، بل يؤجل الأزمة ويضاعف آثارها لاحقًا. فقد انعكست زيادة تكاليف الطاقة بالفعل على مختلف القطاعات، من الصناعة إلى الزراعة، وصولًا إلى الأسر، التي تواجه فواتير مرتفعة وخدمات غير مستقرة.

 

ويذهب منتقدو الحكومة إلى أن ما يُقدَّم بوصفه سياسة تصدير ناجحة، لا يعكس في جوهره أمنًا حقيقيًا للطاقة، بل إدارة قصيرة النظر لمورد استراتيجي، تُغَلِّب الربح السريع والالتزامات الخارجية على بناء احتياطي استراتيجي أو تطوير الإنتاج المحلي بشكل مستدام. وبدلًا من استثمار الموارد في تعزيز الاكتفاء الذاتي وحماية السوق الداخلية، يجري ربط البلاد بدورة مستمرة من الاستيراد والعجز.

 

ختاما تكشف مفارقة تصدير الغاز واستيراده في الوقت نفسه عن خلل بنيوي في سياسات الطاقة المصرية، حيث يتقدم خطاب الإنجاز الخارجي على حساب الاحتياجات الداخلية. وبينما تُقدَّم أرقام التصدير كدليل قوة، يعيش المواطن والصناعة تحت وطأة نقص الإمدادات وارتفاع التكاليف. ويؤكد مراقبون أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب إعادة توجيه الموارد نحو أمن الطاقة الوطني، وتغليب مصلحة الداخل على صفقات مؤقتة، وإلا ستظل البلاد رهينة أزمات موسمية تهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.