في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه مصر، تحولت حكومة الانقلاب إلى البحث عن أي وسيلة لجلب الأموال حتى لو كانت على حساب صحة المصريين وحياتهم.
فبدلًا من دعم الصناعة والزراعة الوطنية، تمضي العصابة الحاكمة نحو تنفيذ مشروعات مشبوهة تُهدد البيئة وتنشر الأوبئة، كان آخرها مشروع إنتاج أعلاف من يرقات وديدان “ذبابة الجندي الأسود” الأمريكية.
مشروع يدّعي القائمون عليه أنه وسيلة للاستفادة من البروتين الحيواني ومعالجة المخلفات، بينما يؤكد الخبراء أنه يمثل كارثة صحية وبيئية قد تعيد إلى الأذهان مأساة "جنون البقر"، وتنذر بعواقب لا تُحمد على الإنسان والحيوان والطبيعة المصرية بأكملها.
ذبابة أمريكية في أرض النيل
في مشهد يثير الريبة، تعمل حكومة الانقلاب على إدخال وتوطين نوع غريب من الحشرات يُعرف بـ"ذبابة الجندي الأسود" – وهي ذبابة ضخمة الحجم موطنها الأصلي أمريكا الجنوبية – لإقامة مصانع أعلاف قائمة على ديدانها ويرقاتها.
تبرر الحكومة هذا التوجه بأنه سيساعد في التخلص من المخلفات ويُنتج بروتينًا رخيصًا لتغذية الأسماك والدواجن والحيوانات.
لكن الحقيقة، كما يؤكد خبراء الزراعة والأمراض البيطرية، أن هذه الحشرة تمثل خطرًا بيئيًا وصحيًا مذهلًا، إذ إنها تتغذى على الروث والنفايات والقمامة، ما يجعلها ناقلًا مثاليًا للأمراض والطفيليات والمعادن الثقيلة.
الدكتور مصطفى خليل، أستاذ أمراض الدواجن بمركز البحوث الزراعية، كشف أن المشروع يُقام بدافع البحث عن موارد مالية جديدة تحت ستار “الاستدامة البيئية”، بينما الهدف الحقيقي هو تسويق أوهام علمية واستيراد نموذج أجنبي مشبوه لا يناسب طبيعة البيئة المصرية.
“الخطورة ليست فقط في إدخال الحشرة، بل في محاولة توطينها وتكاثرها دون أي تقييم بيئي جاد”، يقول خليل، محذرًا من أن مصر قد تتحول إلى مكب لتجارب فاشلة برعاية السلطة الفاسدة.
كارثة وراثية وصحية تلوح في الأفق
الخطر لا يقف عند انتشار الذبابة نفسها، بل يمتد إلى التأثير على صحة الإنسان من خلال السلسلة الغذائية. فحين تُغذى الأسماك والدواجن والحيوانات على أعلاف منتجة من يرقات تتغذى على القاذورات، ينتقل التلوث والمركبات السامة والمسببات المرضية إلى لحومها ومنتجاتها، ثم إلى الإنسان الذي يستهلكها.
يقول خبير التغذية الحيوانية الدكتور طه السيسي إن هذا المشروع يعيدنا إلى الكارثة العالمية المعروفة باسم "جنون البقر"، التي نشأت بسبب تغيير النمط الغذائي للأبقار بإطعامها مخلفات حيوانات أخرى، مما تسبب في انتقال طفرات جينية وأمراض عصبية قاتلة للبشر.
ويحذر السيسي من أن العبث بالنظم الغذائية الطبيعية للأسماك والدواجن والحيوانات قد يؤدي إلى تغيرات وراثية خطيرة وغير قابلة للتنبؤ.
ويضيف أن سكان المناطق الأمريكية التي أُجريت فيها مشروعات مشابهة يعانون من تلوث بيئي وإزعاج مروع بسبب الطنين العالي لتلك الذبابة، فضلًا عن انتشارها السريع، إذ تضع الأنثى ما بين 300 إلى 1000 بيضة في المرة الواحدة، لتفقس خلال ساعات.
أي أن مصر قد تجد نفسها بعد سنوات قصيرة أمام غزو بيولوجي جديد تتحمل السلطة وحدها مسؤوليته.
الدين والبيئة ضد مشروع الخبائث
من الناحية الشرعية، لا يختلف العلماء على أن هذه الحشرة من "الخبائث"، لأنها تتغذى على الجيفة والنجاسات، وهو ما يجعلها محرمة شرعًا استخدامها في طعام الحيوانات التي يستهلكها الإنسان.
ويستشهد الخبراء بحديث الرسول ﷺ: “أحلّت لنا ميتتان ودمان”، حيث استثنى الطيّب الطاهر كالجراد والسمك، ولم يجز غيرهما من الحشرات التي تتغذى على النجس.
ومع ذلك، تتجاهل حكومة الانقلاب هذه التحذيرات الشرعية والعلمية، وتندفع نحو تنفيذ المشروع دون شفافية أو رقابة علمية أو حتى حوار مجتمعي.
في المقابل، تمتلك مصر بالفعل حلولًا وطنية لمعالجة المخلفات الزراعية والحيوانية عبر برامج بحثية في مركز البحوث الزراعية لإنتاج البيوجاز والأسمدة الحيوية والطاقة النظيفة، لكنها مشاريع لا تجد دعمًا من النظام لأنها لا تحقق مكاسب سريعة أو عمولات للاستيراد.
هكذا تتجلى سياسة العصابة الحاكمة: تدمير البيئة، وتلويث غذاء المواطنين، وتحويل مصر إلى مختبر للتجارب المشبوهة مقابل حفنة من الدولارات والمزايا الشخصية.
في النهاية، ليس مشروع "ذبابة الجندي الأسود" سوى حلقة جديدة في مسلسل العبث الذي تمارسه سلطة الانقلاب بحق المصريين. من بيع أراضي الوطن إلى قتل الزراعة وتسميم الغذاء، كل قراراتها تؤكد أن صحة المواطن آخر ما يُؤخذ في الحسبان، وأن المال هو الإله الجديد الذي تُسجد له منظومة النهب والفساد.
إنها ليست ذبابة عادية، بل رمز لفساد السلطة التي تزرع الموت في أرضها باسم التنمية.

