في قراءة تحليلية نشرها يوئيل جوجانسكي في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تتبدد الصورة الشائعة التي تقدّم السعودية والإمارات بوصفهما حليفين متماسكين وعمودين فقريين لما يُسمّى «المعسكر البراغماتي» في الشرق الأوسط. فالعلاقة بين الدولتين، وفق هذا الطرح، ليست شراكة استراتيجية صافية، بل خليط معقّد من التعاون الذي تفرضه الضرورة، والتنافس المتصاعد على الزعامة والنفوذ الإقليمي.
ومنذ ما بعد موجة «الربيع العربي»، بدا أن الرياض وأبو ظبي تعملان معًا لإعادة تشكيل الفضاء العربي بما يخدم مصالحهما، غير أن هذا التنسيق سرعان ما انكشف عن تناقضات عميقة، أخذت تتسع وتترك آثارًا مباشرة على ملفات إقليمية حساسة، بل وتمتد تداعياتها إلى إسرائيل نفسها.
السودان واليمن: تنسيق هش وصراع بالوكالة
يشير جوجانسكي إلى أن التنافس السعودي–الإماراتي يتجلّى بوضوح في ساحات الصراع المفتوحة، وعلى رأسها السودان واليمن. ففي الحالة السودانية، تدعم الدولتان أطرافًا متعارضة في الحرب الأهلية، ما يسهم في إدامة حالة الفوضى وعدم الاستقرار، ويقوّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. ولا يقف الأمر عند حدود الداخل السوداني، بل ينعكس أيضًا على مسار التطبيع مع إسرائيل، إذ يؤدي استمرار النزاع وتضارب الأجندات الإقليمية إلى تأخير أي اختراق سياسي في هذا الملف.
أما في اليمن، فيستعيد الكاتب بدايات التدخل العسكري عام 2015، حين ظهرت السعودية والإمارات في جبهة واحدة ضد الحوثيين. غير أن هذا التنسيق لم يصمد طويلًا، إذ سرعان ما تصاعدت الخلافات بين الطرفين، ما أضعف فاعلية المواجهة مع العدو المشترك. وفي السنوات الأخيرة، بلغت هذه الخلافات ذروتها مع سيطرة قوى انفصالية في جنوب اليمن، بدعم مباشر من الإمارات، على محافظات شرقي البلاد، وإجبار الحكومة الموالية للسعودية على مغادرة عدن، في خطوة هدفت إلى إعادة إحياء مشروع دولة جنوب اليمن.
تعتبر الرياض، بحسب المقال، أن انفصال الجنوب يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. لذلك، ردّت بحشد قواتها على الحدود مع اليمن، ووجّهت رسائل تهديد واضحة إلى أبو ظبي، بل وذهبت إلى حد قصف قوافل أسلحة قيل إنها كانت متجهة من الإمارات إلى الانفصاليين. ورغم أن أبو ظبي لم تعترف صراحة بفشل تدخلها، فإن إعلانها إنهاء عملياتها العسكرية في اليمن عكس حجم المأزق الذي وصلت إليه الشراكة السابقة.
القرن الإفريقي وأرض الصومال: منافسة تتجاوز الجغرافيا
يمتد التنافس السعودي–الإماراتي، وفق قراءة جوجانسكي، إلى القرن الإفريقي، حيث يبرز ملف «أرض الصومال» بوصفه ساحة إضافية للصراع على النفوذ. فاعتراف إسرائيل بأرض الصومال لا يمكن فصله عن هذه المنافسة، إذ تتمتع الإمارات بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية متشعبة مع سلطات الإقليم، بينما أثار هذا الاعتراف ردود فعل سعودية غاضبة تجاه تل أبيب.
ويخلص الكاتب إلى أن العلاقات بين الرياض وأبو ظبي لم تعد شراكة كاملة، بل تحولت إلى منافسة استراتيجية باتت علنية في أكثر من ملف. ويتجلّى ذلك أيضًا في التقارب السعودي مع قطر، الذي يثير قلق الإمارات، وفي تباين الرؤى حول شكل النظام الإقليمي المنشود. كما تتصاعد المنافسة الاقتصادية بين الدولتين، لا سيما في مجالات جذب الشركات الدولية، والسياحة، والطيران، ومشاريع التنمية الاقتصادية.
ويرى جوجانسكي أن الإمارات استطاعت أن تتقدم على السعودية في عدد من القطاعات الحيوية، إذ رسخت مكانتها في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والفضاء، بل وحتى في تطوير الطاقة النووية المدنية. في المقابل، تعمل السعودية بوتيرة أبطأ لاستعادة دورها التقليدي كقوة رائدة في العالمين العربي والإسلامي، ما يزيد من حدة الشعور بالمنافسة بين الطرفين.
إسرائيل في قلب المعضلة: توازن دقيق أم انحياز مكلف؟
يتناول المقال بعد ذلك البعد الشخصي والسياسي في العلاقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، مشيرًا إلى حالة من الفتور تعكس سعي كل طرف إلى ترسيخ نفسه زعيمًا إقليميًا. ولا تنفصل هذه التوترات عن جذور أعمق، تشمل نزاعات حدودية وصراعات قبلية قديمة، كانت في السابق محصورة داخل شبه الجزيرة العربية، لكنها اليوم، في ظل تعاظم القوة الاقتصادية والسياسية للدولتين، باتت ذات انعكاسات إقليمية ودولية.
في هذا السياق المعقّد، تقف إسرائيل، بحسب جوجانسكي، في موقع بالغ الحساسية. فهي تنسّق بشكل وثيق مع أبو ظبي في مناطق مثل القرن الإفريقي وأرض الصومال، الأمر الذي يُنظر إليه في الرياض على أنه اصطفاف غير مباشر إلى جانب الإمارات. ومع تفاقم الخلافات بين الحليفين الخليجيين، لم يعد هذا الوضع مسألة نظرية بالنسبة لإسرائيل، بل تحوّل إلى معضلة استراتيجية حقيقية.
وينقل الكاتب شكاوى متبادلة من الطرفين الخليجيين، إذ عبّر مسؤولون إماراتيون عن استيائهم مما يرونه أولوية إسرائيلية للتطبيع مع السعودية على حساب تعميق العلاقات مع أبو ظبي، بينما يشتكي السعوديون في المقابل من أن إسرائيل ربطت مصيرها بشكل وثيق بالإمارات. ويخلص جوجانسكي إلى أن تعميق العلاقات مع الإمارات يظل أمرًا ضروريًا من منظور إسرائيلي، لكنه يحذّر من أن يُفهم ذلك بوصفه تبنّيًا لرؤية أبو ظبي أو إضعافًا لمصالح الرياض.
ويؤكد في ختام تحليله أن إسرائيل لا تملك ترف الانحياز إلى أي من الطرفين، لأنها بحاجة إلى كليهما. وفي شرق أوسط يعج بالصراعات والتحالفات المتغيرة، لا تبدو الليونة الدبلوماسية خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء السياسي وتجنّب الوقوع في فخ الاصطفافات المكلفة.

