في توقيت بالغ الحساسية، ومع دخول العام 2026، وجد اليمن نفسه على حافة منعطف خطير كاد أن يطيح بما تبقى من هياكل الدولة ويعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد بالنار والدم.

 

فبعد ساعات عصيبة من التصعيد العسكري غير المسبوق في المحافظات الشرقية، وإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن خارطة طريق للانفصال، تدخلت المملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والعسكري لفرض معادلة جديدة: "الحوار بدلاً من الاقتتال"، داعية المكونات الجنوبية كافة إلى مؤتمر عاجل في الرياض.

 

هذه الدعوة، التي جاءت بطلب مباشر من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لم تكن مجرد مبادرة دبلوماسية اعتيادية، بل جاءت بمثابة "فرملة اضطرارية" لقطار الانفصال الذي انطلق بسرعة قصوى مطلع هذا العام.

 

المشهد اليمني اليوم يبدو وكأنه يعيش مرحلة "عض الأصابع"، حيث تحاول الرياض احتواء طموحات حلفائها في الجنوب ضمن إطار الدولة، بينما يناور المجلس الانتقالي لتحويل منصة الحوار إلى اعتراف دولي بمشروعه، وسط تحذيرات من أن فشل هذا المسار قد يعني حرباً أهلية داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

 

"إعلان الاستقلال" وشرارة حضرموت: عندما تحدثت الطائرات

 

بدأت الأزمة تأخذ منحى خطيراً مع إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، عزم المجلس إجراء استفتاء على استقلال الجنوب خلال عامين، في خطوة اعتبرتها الرياض "قفزة في المجهول" وتهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.

 

هذا الإعلان السياسي لم يبقَ حبراً على ورق، بل تُرجم فوراً إلى تحركات عسكرية للسيطرة على الأرض، وتحديداً في محافظة حضرموت النفطية، التي تعد "بيضة القبان" في الصراع على شكل الدولة القادمة.

 

التطور الأخطر تمثل في التدخل العسكري المباشر لقوات التحالف بقيادة السعودية، حيث أفادت التقارير الميدانية باستهداف الطيران لتعزيزات تابعة لـ"لواء بارشيد" المحسوب على الانتقالي، في رسالة نارية واضحة بأن "الخطوط الحمراء" السعودية في حضرموت ممنوع تجاوزها.

 

بالتزامن، تحركت قوات "درع الوطن" (المحسوبة على العليمي والمدعومة سعودياً) لبسط نفوذها في مناطق التماس، ما وضع المجلس الانتقالي أمام خيارين أحلاهما مر: إما مواجهة عسكرية مفتوحة مع الداعم الأكبر (السعودية)، أو القبول بالتهدئة والعودة خطوة للوراء.

 

هذا التصعيد العسكري كشف عن هشاشة التحالفات الداخلية وأكد أن الرياض مستعدة لاستخدام "العصا الغليظة" لمنع فرض واقع الانفصال بالقوة العسكرية، خاصة في المناطق الاستراتيجية المحاذية لحدودها.

 

طوق النجاة السياسي: دعوة الرياض ومناورة "الحلول العادلة"

 

وسط غبار المعارك وتلويح البيانات النارية، جاءت الدعوة السعودية لعقد "مؤتمر حوار جنوبي شامل" في الرياض لتشكل مخرجاً سياسياً للأزمة.

 

البيان السعودي كان دقيقاً في صياغته، حيث دعا "كافة المكونات الجنوبية" للمشاركة، في إشارة ذكية لكسر احتكار المجلس الانتقالي لتمثيل الجنوب، وإشراك قوى أخرى (مثل مجلس حضرموت الوطني والائتلاف الوطني الجنوبي) على الطاولة نفسها.

 

الهدف المعلن للدعوة هو "إيجاد تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية"، وهي صياغة فضفاضة تتيح للرياض المناورة؛ فهي من جهة تعترف بوجود "قضية جنوبية" تحتاج لحل، ومن جهة أخرى تربط هذا الحل بالتوافق الوطني لا بالقرارات الأحادية.

 

ويرى مراقبون أن الرياض تسعى من خلال هذا الحوار إلى تفكيك "قنبلة الانفصال" عبر إغراقها في التفاصيل السياسية والمفاوضات الطويلة، وشراء الوقت لترتيب البيت الداخلي لمجلس القيادة الرئاسي الذي بات يعاني من تصدعات عميقة.

 

كما أن استجابة العليمي السريعة وطلبه الرسمي لهذا المؤتمر يعكسان رغبة الرئاسة اليمنية في الاستقواء بالحاضنة السعودية لمواجهة ضغوط الانتقالي المتزايدة.

 

استجابة "الانتقالي": ترحيب تكتيكي أم تراجع استراتيجي؟

 

المفاجأة – أو ربما المناورة – جاءت في الرد السريع للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن ترحيبه بالدعوة السعودية.

 

في بيانه، حاول الانتقالي الظهور بمظهر "الشريك المسؤول" لا "المتمرد"، مؤكداً حضوره الدائم في محطات الحوار السابقة.

 

لكن القراءة المتأنية للبيان تكشف عن محاولة الانتقالي "تجيير" الدعوة لصالحه؛ حيث اعتبر الحوار فرصة "لحماية مستقبل الجنوب وصون أمنه"، متمسكاً ضمنياً بأهدافه الانفصالية لكن عبر بوابة التفاوض هذه المرة.

 

قبول الانتقالي بالذهاب إلى الرياض لا يعني تخليه عن مشروع الدولة، بل يعكس قراءة واقعية لموازين القوى بعد الضربات الجوية في حضرموت.

 

يدرك قادة الانتقالي أن "شرعيتهم" الدولية والإقليمية تمر عبر الرياض، وأن أي قطيعة تامة مع السعودية ستعزلهم سياسياً وتخنقهم اقتصادياً.

 

لذا، فإن استراتيجيتهم الحالية تبدو قائمة على "الانحناء للعاصفة"، ونقل المعركة من الميدان العسكري في المكلا وعدن إلى الغرف المغلقة في الفنادق السعودية، حيث يأملون في انتزاع اعتراف بحق تقرير المصير، أو على الأقل تحييد الفيتو السعودي عن تحركاتهم المستقبلية.

 

في المحصلة، نجحت السعودية – ولو مؤقتاً – في نزع فتيل الانفجار، لكن "جمر الانفصال" لا يزال يتقد تحت رماد الحوار.

 

الأيام القادمة في الرياض ستكون حاسمة؛ فإما أن تنجح المملكة في صياغة عقد سياسي جديد يرضي طموحات الجنوبيين دون تمزيق اليمن، أو يتحول المؤتمر إلى محطة أخيرة قبل الطلاق البائن الذي قد يدخل اليمن في فصل جديد من الصراع، المستفيد الوحيد منه هو جماعة الحوثي في الشمال.